كتاب منذر سفر: هل القرآن أصيل؟ 6

جدو جبريل
2022 / 8 / 17

1- 6 من جهة النبي

يمنحنا القرآن في عدة مناسبات صورة نبي تعرض لضغوط شديدة من محيطه الوثني أو اليهود أو المسيحيين ، مما أدى إلى الرد عن طريق الوحي:
سورة الإسراء الآيات 73-75
((وَإن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الذِي أوحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإذًا لاتَّخَذوكَ خَلِيلا، وَلَوْلاَ أَن ثَبّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتّ تَرْكَنُ إليْهِمْ شَيْئا قَلِيلا، إذَا لَأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحَيَاةِ وَضِعْفَ المَمَاتِ ثُمّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرا)). (1)
_____________________
(1) - ظل تفسير هذه الآيات زئبقي في السردية الإسلامية التقليدية، فمما جاء في تفسير الطبري، اختلف أهل التأويل في الفتنة التي كاد المشركون أن يفتنوا الرسول بها عن الذي أوحى الله إليه إلى غيره...عن قتادة ذكر لنا أن قريشا خلوا بالرسول ذات ليلة إلى الصبح يكلمونه ويفخمونه ويسوّدونه ويقاربونه، وكان في قولهم أن قالوا: إنك تأتي بشيء لا يأتي به أحد من الناس، وأنت سيدنا وابن سيدنا، فما زالوا يكلِّمونه حتى كاد أن يقارفهم ثم منعه الله وعصمه من ذلك...أخبر الله عن نبيّه ، أن المشركين كادوا أن يفتنوه عما أوحاه الله إليه ليعمل بغيره، وذلك هو الافتراء على الله، وجائز أن يكون ذلك كان ما ذكر عنهم من ذكر أنهم دعوه أن يمسّ آلهتهم، ويلمّ بها، وجائز أن يكون كان ذلك ما ذُكر عن ابن عباس من أمر ثقيف، ومسألتهم إياه ما سألوه مما ذكرنا، وجائز أن يكون غير ذلك، ولا بيان في الكتاب ولا في خبر يقطع العذر أيّ ذلك كان، والاختلاف فيه موجود على ما ذكرنا ، فلا شيء فيه أصوب من الإيمان بظاهره، حتى يأتي خبر يجب التسليم له ببيان ما عُني بذلك منه...
______________________


في مكان آخر ، يتردد محمد في إيصال جزء من الوحي:
سورة هود 12:
((فَلَعَلَّكَ تَارِك بَعْضَ مَا يُوحَى إلَيْكَ وَضَائِق بِهِ صَدْرُكَ أن يَقُولُوا لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنز أوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَك إنَّمَا أنتَ نَذِير وَاللهُ عَلَى كُلّ شَيْء وَكِيل )).
ثم يأمره الله أن ينقل الوحي المحجوب:
سورة المائدة 67 :
((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ )). (2)
_______________________
(2) - جاء في تفسير الطبري، عن أبو جعفر: هذا أمر من الله ... بإبلاغ هؤلاء اليهود والنصارى من أهل الكتابين الذين قصَّ تعالى ذكره قَصَصهم في هذه السورة، وذكر فيها معايبهم وخُبْثَ أديانهم، واجتراءَهم على ربهم، وتوثُّبهم على أنبيائهم، وتبديلَهم كتابه، وتحريفَهم إياه، ورداءةَ مطاعِمهم ومآكلهم= وسائرِ المشركين غيرِهم، ما أنـزل عليه فيهم من معايبهم، والإزراء عليهم، والتقصير بهم، والتهجين لهم، وما أمرهم به ونهاهم عنه، وأن لا يُشْعر نفسَه حذرا منهم أن يُصيبوه في نفسه بمكروهٍ ما قام فيهم بأمر الله... وإن قصَّر عن إبلاغ شيء مما أنـزل إليه إليهم، فهو في تركه تبليغ ذلك- وإن قلّ ما لم يبلّغ منه- فهو في عظيم ما ركب بذلك من الذَّنب بمنـزلته لو لم يبلِّغ من تنـزيله شيئًا. عن مجاهد قال: لما نـزلت... قال النبي: إنما أنا واحد، كيف أصنع؟ تجَمَّع عليّ الناس! فنـزلت: " وإن لم تفعل فما بلغت رسالته "، الآية. واختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله نـزلت هذه الآية. قيل نـزلت بسبب أعرابيّ كان همَّ بقتل الرسول ، فكفاه الله إياه، إذ " وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دُماغه" (رواية محمد بن كعب القرظي وغيره). وقال آخرون: بل نـزلت لأنه كان يخاف ويهب قريشًا، فأومن من ذلك...وورد أن عائشة قالت: "من حدثك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئًا من الوحي فقد كذب"!
___________________________________


إن الأعداء حاولوا بكل الوسائل دفع الرسول للتلاعب بالوحي:
سورة يونس 15:
((وَإذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيّنَات قَالَ الذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآن غَيْرِ هَذَا أوْ بَدّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أنْ أُبَدّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إنْ أتّبِعُ إِلاّ مَا يُوحَى إلَيّ إِنّي أخَافُ إنْ عَصَيْتُ رَبّي عَذَابَ يَوْم عَظِيم)).
هؤلاء الأعداء أنفسهم يذهبون إلى حد ادعاء النبوة ، قائلين ، "لقد تلقيت وحيا ،" بينما لم ينزل شيء عليهم ولم يتم الكشف عن أي شيء لهم. وهناك من يقول: أنزل مثل ما أنزل الله.
سورة الأنعام 93:
((وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ ...))
وأمام كل هذه الضغوط والاستفزازات يحاول الرسول المقاومة بسند من الله. هل نجح؟ لسوء الحظ ، ليس دائمًا. فهناك "الوحي الشيطاني" ... فالمهمة كانت صعبة للغاية في مجتمع تعايش مع أهل الكتاب.


1- 7 غموض آخر في طريقة الوحي

هناك بعض الغموض الذي من المحتمل أن قد يكون له تأثير على النص المنزل ، مرة أخرى حسب عقيدة "القرآن كلام الله". بادئ ذي بدء ، تبرز الصعوبات الكبيرة بخصوص نقل الوحي على يد محمد، ويشرح له الله الطريقة الصحيحة للتواصل:
سورة القيامة 16-19
((لا تُحَرّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمّ إِنّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ )).(3)
___________________
(3) - اختلفوا في التفسير والتأويل قيل أن النبي كان إذا نزل عليه القرآن تعجل به يريد حفظه، وكان يحرك به لسانه وشفتيه ، فيشتد عليه، وقيل معناه لا تكلم بالذي أوحينا إليك حتى يقضى إليك وحيه ، فإذا قضينا إليك وحيه ، فتكلم به، وقيل كان النبي يحرك به لسانه مخافة النسيان، وقيل ينبئ أنه إنما نهي عن تحريك اللسان به متعجلا فيه قبل جمعه. كما اختلف أهل التأويل بخصوص فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ فقال بعضهم : فإذا أنزلناه إليك فاستمع قرآنه، فإذا أنزلناه إليك فاستمع له، وقال آخرون : بل معنى ذلك : إذا تلي عليك فاتبع ما فيه من الشرائع والأحكام ، اتبع ما فيه، اتبع حلاله واجتنب حرامه، ومعصيته وطاعته ، وقيل المعنى هو تبيانه بلسانك....
_________________________


عقبة أخرى تأتي هذه المرة من النبي: النسيان. تخبرنا السردية الإسلامية التقليدية عن رواية شهيرة لزوجة النبي عائشة قالت: "سمع رجلًا يقرأُ من الليلِ فقال : رحِمَه اللهُ لقد أذكرني كذا وكذا آيةً كنتُ أسقطتُها من سورةِ كذا وكذا" ، ورواه عبدةُ وأبو معاويةَ عن هشامٍ بصيغة "أذكرَني آيةً كنتُ أُنسيتُها". ويؤكد القرآن على إمكانية النسيان من جانب النبي:
سورة البقرة 106:
((مَا نَنسَخْ مِنْ آيَة أوْ نُنسِهَا نَأتِ بِخَيْر مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ألَمْ تَعْلَمْ أَنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْء قَدِير)). (4)
_______________________
(4) - جاء في تفسير الطبري، كَانَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ يَقُول ... عَنْ الْحَسَن أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْله : { مَا نَنْسَخ مِنْ آيَة أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرِ مِنْهَا } قَالَ : إنَّ نَبِيّكُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُقْرِئ قُرْآنًا ثُمَّ نَسِيَهُ فَلَا يَكُنْ شَيْئًا , وَمِنْ الْقُرْآن مَا قَدْ نُسِخَ وَأَنْتُمْ تقرؤونه .
_______________________

ومن الخصائص الأخرى للوحي التي قد تجعله ظاهرة مرتجلة - وليس متوافقة تمامًا مع نص – أزلي - محدد مسبقًا ، ارتباطه السببي بالأحداث والتاريخ والوقائع اليومية للمجتمع الجديد الذي دُعي للتشكل حوله. هذا ما يسميه التقليد – السردية والموروث الإسلاميان- أسباب النزول، أي السبب الذي جعل "تلك الكَلمات تنزل من السماء".

والأكثر إثارة للدهشة أن السردية والموروث الإسلاميين قد ذهبا إلى حد جعل بعض صحابة الرسول يملكون "إلهامًا" حقيقيًا للنصوص المنزلة. وهذا ما جاء عند السيوطي الذي خصص الفصل العاشر من كتابه "الإتقان في علوم القرآن" (5) بعنوان: "فيما أنزل من القرآن على لسان بعض الصحابة". وأشهرها ما سُمّي بـ "موافقات عمر".
______________________________
(5) - الإتقان في علوم القرآن هو كتاب من تأليف جلال الدين السيوطي (المتوفي سنة: 911هـ)، ويعد الكتاب من أشهر ما ألف في علوم القرآن.
_________________________________

وقيل لم يأخذ القرآن شيئاً مما يقوله الناس حرفيًا إلا من عمر. وقد نزل القرآن حرفيا ببعض أقواله. قال ابن عمر : "وما نزل بالناس أمر قط فقالوا وقال (أي عمر) ،إلا نزل القرآن على نحو ما قال عمر". وذهب مجاهد إلى حد التأكيد على أن عمر في بعض الأحيان كان يرى رؤيا ثم ينزل القرآن على ما كانت عليه الرؤيا.

وقد ذكر عدد من أصحاب الأحاديث قولاً عن أنس في قوله: "قال عمر: وافقت ربي في ثلاث :
1) قلت: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى ؟ فنزلت : واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى
[ سورة البقرة : 125 ] ((وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود))؛
2) وقلت: يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن ؟ فنزلت آية الحجاب.
[ سورة النور : 31 ] (( وَقُل للمُؤمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أبْصَارِهِنّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا، وَليَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنّ عَلَى جُيُوبِهِنّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إلَّا لِبُعُولَتِهِنّ...)).
[ سورة الأحزاب: 59] ((يَا أيّهَا النّبِي قُلْ لِأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ المُؤمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنّ مِنْ جَلَابِيبِهِنّ ذَلِكَ أدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورا رَحِيما)).
3) "واجتمع على رسول الله – ص - نساؤه في الغيرة ، فقلت لهن : عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن فنزلت كذلك بنفس هذه الشروط".
[ التحريم : 5 ] ((عَسَى رَبّهُ إِن طَلَّقَكُنّ أن يُبْدِلَهُ أزْوَاجا خَيْرا مِنكُنّ مُسْلِمَات مُؤمِنَاتٍ قَانِتَات تَائِبَاتٍ عَابِدَات سَائِحَات ثَيّبَات وَأبْكَارا)).
وهناك رواية أخرى ، عن أنس ، تفيد بأن عمر لما سمع سورة المؤمنون الآية 12 -13:
((وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإنسَانَ مِن سُلَالَة مِن طِينٍ (12) ثُمّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَة فِي قَرَار مكِين (13) ثُمّ خَلَقْنَا النطْفَةَ عَلَقَة فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَة فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاما فَكَسَوْنَا العِظَامَ لَحْما ثُمّ أنشَأْنَاهُ خَلقا آخَرَ..)) فلما نزلت قال عمر : "فتبارك الله أحسن الخالقين" ، فنزلت كما هي لتكميل [ المؤمنون الآية 14 ]

وتضيف السردية الإسلامية قولا أخر أصبح قرآنا منزلا جاء به جبريل لمحمد. لقد قيل أن يهوديا لقي عمر بن الخطاب فقال : "إن جبريل الذي يذكر صاحبكم عدو لنا" ، فقال عمر : "من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين"، فنزلت كما تلفظ بها عمر – بلغة العصر " copy paste"

[ سورة البقرة : 98 ] ((مَن كَانَ عَدُوّا للِّه وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإنّ الله عَدُوّ للكَافِرِينَ))
ولم يكن عمر وحده من حظي بهذه الكرامة – تكميل بعض آيات القرآن أو إضافة آية جديدة لم تتنزل في أول الأمر- بل هناك آخرون من الصحابة الآخرون من حظوا بامتياز معاينه أقوالهم عرفت طريقة إلى الوحي المنزل على النحو السالف الذكر لتصبح قرآنا ( "كلام الله الحرفي" حسب الموروث الإسلامي .

فقد أخرج "سنيد" (6) في تفسيره ، عن سعيد بن جبير : أن سعد بن معاذ لما سمع الاتهامات الخطيرة التي تم تداولها ضد عائشة زوجة الرسول (نازلة الإفك) قال : "سبحانك هذا بهتان عظيم"، وورد هذا التعجب حرفيا في القرآن:
[ سورة النور : 16 ] ((وَلَوْلَا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم ما يَكُونُ لَنَا أن نتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَان عَظِيم )). كما نسب هذا القول لغير "سنيد" في السردية الإسلامية، مثل زيد بن حارثة وأبي أيوب.
________________________
(6) - الحسين بن داود المصيصي، اشتهر بلقبه سنيد، توفي سنة (220هـ)، تفسيره من الكتب المفقودة حاليا، لذلك يعتمد في مثل هذا على أمرين: : أقوال العلماء الذين وقفوا على تفسيره (ذكره ابن تيمية ضمن أصحاب التفاسير المسندة التي يذكر فيها أقوال الصحابة والتابعين وتابعيهم )، أو نقل العلماء روايات عن هذا التفسير، ونسبتهم تلك الروايات إلى تفسيره، كابن القيم، وابن كثير، وابن رجب الحنبلي، وابن حجر، وغيرهم. وبقي تفسيره متداولا إلى العهد الذهبي في القرن الثامن، بل المرجح أنه ظل كذلك إلى القرن الحادي عشر الهجري.
____________________________

وجاء عن عكرمة قال : لما أبطأ على النساء الخبر في معركة أحد خرجن يستخبرن ، فإذا رجلان مقتولان على دابة أو على بعير . فقالت امرأة : من الأنصار : من هذان ؟ قالوا : فلان وفلان : أخوها وزوجها أو زوجها وابنها . فقالت : ما فعل رسول الله – ص - ؟ قالوا : حي، قالت : فلا أبالي ، "يتخذ الله من عباده الشهداء" ، فنزل القرآن على ما قالت بالحرف:
[ سورة آل عمران : 140 ] ((إن يَمْسَسْكُمْ قَرْح فَقَدْ مَسّ القَوْمَ قَرْح مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأيّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الذِينَ آمَنُوا وَيَتّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ...)).

كما ورد في السردية الإسلامية، في غزوة أحد ، بخصوص مصعب بن عمير حامل اللواء ، إذ قال ابن سعد في الطبقات : "أخبرنا الواقدي – عنعنة - ، قال : "حمل مصعب بن عمير اللواء يوم أحد ، فقطعت يده اليمنى ، فأخذ اللواء بيده اليسرى ، وهو يقول : "وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم" ، ثم قطعت يده اليسرى ، فحنى على اللواء وضمه بعضديه إلى صدره ، وهو يردد نفس الجملة يومئذ والتي نزلت بعد ذلك ضمن القرآن :
[ سورة آل عمران : 144 ] ((وَمَا مُحَمّد إلَّا رَسُول قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسُلُ أفَإن ماتَ أوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرّ الله شَيْئا وَسَيَجْزِي اللهُ الشّاكِرِينَ)).

وعلى نفس المنوال ، جاء السيوطي (7) ليطرح على نفسه سؤالاً أكثر عمومية حول الصدقية التاريخية للكلمات الموضوعة في أفواه الملائكة ، وحتى من أتباع رسول الله المجهولين ، مما يشهد على انفتاح العقل وحرية الجدال ومساءلة الأشخاص والنوازل، هذه الممارسة التي اندثرت مع الوقت، ولا يوجد سوى القليل من آثارها في السردية والموروث الإسلاميين اليوم ...
__________________
(7) - قضى السيوطي فترة غير قصيرة في خصومات مع عدد من علماء عصره، كان ميدانها الحملات الشرسة في النقد اللاذع في الترجمة المتبادلة، ومن أن أشد خصوماته وأعنفها كانت مع شمس الدين السخاوي . لم يقف السيوطي مكتوف الأيدي في هذه الحملات، بل دافع عن نفسه بحماسة بالغة وكانت من عادته أن يدعم موقفه وقراره كتابة ، فألف رسالة في الرد على السخاوي، نسب إليه فيها تزوير التاريخ، وأكل لحوم العلماء والقضاة ومشايخ الإسلام. وكان لهذه العلاقة المضطربة بينه وبين بعض علماء عصره، وما تعرض له من اعتداء أثر في اعتزال الإفتاء والتدريس والحياة العامة ولزوم بيته ، وهو في الأربعين من عمره. تنبه بعض خصوم السيوطي إلى خطئهم فيما صوبوه إليه من سهام في النقد والتجريح وخصومات ظالمة، فأعلنوا عن خطئهم، وفي مقدمتهم الشيخ القسطلاني الذي أراد أن يسترضي هذا العالم الذي لزم بيته وعزف عن لقاء الناس، فتوجه إليه حافيا معتذرا، غير أن هذا الأمر لم يجعل السيوطي يقطع عزلته.
_______________________________

من ناحية أخرى ، لا تزال توجد شدرات عن نصيب كتاب النبي في تدوين آيات معينة. منها ما جاء على لسان كان زيد بن ثابت بخصوص سورة النساء الآية 95 التي لم تتضمن في أول نزولها استبعاد العاجز والمكفوفين من العقوبة المعلنة في الآية 97 ضد أولئك الذين رفضوا الهجرة من مكة إلى المدينة والقتال إلى جانب النبي. نزلت في المرة الأولى هكذا {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}، ثم نزلت مرة أخرى هكذا ((لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)).(8)
______________________
(8) – رواية زيد بن ثابت : "كنتُ إلى جَنبِ رسولِ اللهِ – ص- ، فغَشِيَتْه السَّكينةُ؛ فوقَعتْ فَخِذُ رسولِ اللهِ – ص - على فَخِذي، فما وجَدتُ ثِقَلَ شيء أثقَلَ مِن فَخِذِ رسولِ اللهِ – ص - ، ثمّ سُرّيَ عنه، فقال: اكتُبْ، فكتَبتُ في كَتِفٍ: (لا يَستوي القاعِدونَ مِن المؤمنينَ والمُجاهِدونَ في سبيلِ اللهِ) إلى آخِرِ الآيةِ، فقام ابنُ أُمِّ مَكْتومٍ، وكان رجلًا أعْمى، لمّا سَمِع فضيلةَ المجاهِدينَ، فقال: يا رسولَ اللهِ، فكيف بمَن لا يستطيعُ الجهادَ مِن المؤمنينَ؟ فلمّا قضى كلامَه، غَشِيَتْ الرسولَ السّكينةُ؛ فوقَعتْ فَخِذُه على فَخِذي، ووجَدتُ مِن ثِقَلِها في المرّةِ الثانيةِ كما وجَدتُ في المرّةِ الأُولى، ثمّ سُرّيَ عن الرسولِ ، فقال: اقرَأْ يا زيدُ، فقرَأتُ: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 95]، فقال الرسولُ: {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} ، قال زيدٌ: فأنزَلَها اللهُ وحدَها، فأَلحَقتُها، والذي نفسي بيدِه، لكأنّي أنظُرُ إلى مُلحَقِها عِندَ صَدْع في كَتِف".
___________________________

مثلما كان هناك مع الرسول "أمناء مخادعون" مكلفون بكتابة الوحي، انغمسوا في التلاعب بالنص المقدس دون علم محمد. أحدهم ، الذي ظل مجهولاً ، كان يكتب "عليم حكيم" بدل عزيز حكيم" أو العكس. وقد اعترف بهذا، وجاء في السردية الإسلامية التقليدية ، أنه عندما مات ، في كل مرة حاول شخص ما دفنه ، ظلت الأرض ترفضه وتلفظه. وقيل أن هذا الشخص هو عبد الله بن أبي السرح.
______________ يتبع : 1 - 7 الوحي كله؟ _________________

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت