الموت لكاتبها وناشرها ومترجمها

عادل صوما
2022 / 8 / 15

عن فلان قال
إذا أعمل الانسان عقله في فتوى الخوميني التي أهدر فيها دم سلمان رشدي بسبب رواية "آيات شيطانية"، سيجد رغم القنبلة السياسية للفتوى تأصيلاً موروثا في الثقافة الاسلامية، هو العنعنة الشفاهية التي تنقل الخبر من جيل إلى جيل. موروث ممتد تجده حتى في الثقافة الشعبية مُلخصاً بكلمة "بيقولك" قبل رواية أي خبر.
وقائع للتأمل
صدرت "آيات شيطانية" في لندن بالإنكليزية في 26 أيلول/سبتمبر سنة 1988 ، وبعد تسعة أيام فقط تلقى دار النشر الذي طبع الكتاب آلاف من رسائل التهديد والاتصالات التلفونية المطالبة بسحب الكتاب من دور بيع الكتب، وقامت مظاهرات تندد بالكتاب في دول لا تجيد الإنكليزية الرفيعة التي كُتب بها الكتاب، مثل بنغلاديش والسودان وكينيا وسريلانكا وتنزانيا، وبالتداعي قام الشارع الاسلامي في لندن ونيويورك بمؤازة ما سمعه، وحصلت أثناء عمليات الاحتجاج حادثتين أولهما حرق أعداد كبيرة من الكتاب في برادفورد في بريطانيا في كانون أول سنة 1989، والثانية صدور فتوى الخوميني في 14 شباط/فبراير 1989.
في هذه الفترة كانت إيران قد خرجت لتوها من حربها مع العراق بقبول الخوميني انهاء الحرب، ووصف قراره بأن تَجَرُعْ السم كان أهون عليه، حين قبل في آب/ أغسطس 1988 انهاء حرب بلا انتصار لطرفي الصراع، دامت لثماني سنوات وكانت أطول نزاع عسكري في القرن العشرين وواحدة من أكثر الصراعات دموية، كلفّت العراق وإيران نحو مليون قتيل وخسائر مالية بلغت 400 مليار دولار أميركي.
هل كان الخوميني لديه الوقت وهو لا يجيد الإنكليزية، ولم يكن الكتاب قد تُرجم للفارسية، لقراءة كتاب سلمان رشدي، أم أنه سمع من حاشيته الذين سمعوا من جواسيسهم في لندن بمضمون الكتاب، فتحمس وأصدر فتواه السياسية لربح شعبية في الشارعيّن الإسلامي السنّي والشيعي، بعد حرب عبثية كلّفت الشيعة والسنّة الكثير.
جوزف أنطون
روى سلمان رشدي في مذكراته "جوزف أنطون" الصادرة سنة 2012 كيف انقلبت حياته رأساً على عقب بعد 14 شباط/فبراير 1989، واضطر إلى التواري والعيش في سرّية تامة تحت حماية الشرطة، متنقلا من مخبأ إلى مخبأ تحت اسم مستعار هو جوزف أنطون، الذي اختاره تحبباً لكاتبيه المفضليّن جوزف كونراد وأنطون تشيخوف.
عانى سلمان من العزلة والخوف حتى سنة 1993، حين ضاعف السفر والظهور العلني وقد سئم أن يكون "رجلا خفيا"، بينما أبقت الحكومة البريطانية على مراقبته، وبعد انتقاله للإقامة في نيويورك، استعاد حياة شبه طبيعية واصل فيها الدفاع في كتبه عن الحق في التهكم وانتقاد لامعقوليات الأديان، رغم تعرض العديد من مترجمي روايته لهجمات أصيبوا فيها، أو حتى قتلوا على غرار الياباني هيتوشي إيغاراشي الذي اغتيل طعناً بخنجر سنة 1991.
قال رشدي في خريف 2018 "نعيش في عالم تتبدل فيه المواضيع ذات الاهتمام بسرعة كبيرة، هناك الآن دوافع أخرى تبعث على الخوف، أشخاص آخرون مطلوب قتلهم..." ، ما يعكس انطباعه الشخصي بأن عدد المطلوبين للقتل دينياً قد زاد حتى أنه أصبح مستحيلا قتل مثل هذا العدد.
الآيات الشيطانية
رواية "آيات شيطانية" تنتمي إلى الواقعية السحرية، ومعظم المعلومات الدينية الواردة فيها مستقاة من كتب التراث، بدءاً من "تلك الغرانيق العُلي وإن شفاعتهن لتُرتجى" حتى ما رُوي عن زوجات الرسول، لكنها مكتوبة بالتضخيم المعروف في الواقعية السحرية.
"الآيات" قصة من تسعة فصول، يكاد يظن القارىء أن كل فصل قصة منفصلة. الشخصيتان الرئيسيتان في الرواية هما صلاح الدين جمجة وهو هندي عاش منذ شبابه في بريطانيا، وحاول الانسجام مع المجتمع الغربي وتنكر لأصوله الهندية، وجبريل فرشته وهو ممثل هندي تخصص بالأفلام الدينية حيث يمثل أدوار آلهة هندوسية، وقد فقد إيمانه بالدين بعد إصابته بمرض خطير لم تنفعه دعواته للشفاء منه.
في بداية الرواية تجاور الاثنان على مقعديّن في الطائرة المسافرة من بومبي إلى لندن، لكن الطائرة انفجرت وسقطت نتيجة عمل تخريبي وأثناء سقوطهما تحصل تغييرات في هيئتهما فيتحول صلاح الدين جمجة إلى مخلوق شبيه بالشيطان وجبرائيل فرشته إلى مخلوق شبيه بالملاك.
يعاني جبريل فرشته من رؤيا شبيهة بالأحلام الواقعية السحرية تدور حول أحداث في فترة ظهور الإسلام في الجزيرة العربية وأخرى حول أحداث معاصرة، وفي هذه الأحلام تختلف تسميات المدن والأشخاص عن المعروف من التاريخ.
الواقعية السحرية
يبدو أن الواقعية السحرية ارادت لعب دور في حياة سلمان رشدي الحقيقية، لأنه طُعن عشر طعنات في رأسه وعنقه وكبده ولم يمت، ودفع المشتبه به المقيم في ولاية نيوجرزي ببراءته من خلال محاميه، والمرجّح أنه أمام المحكمة في 19 آب/أغسطس، سيقول أنه افتئت على السلطة الاميركية فقط، لأن سلمان رشدي مطلوب للقتل من كل مسلمي الأرض، ومن المؤكد أن المحكمة لن تفهم ما سيقوله الشاب الذي وُلد في أمريكا ولا يعرف شيئا عن لبنان بلد أبويه الأصلي، لكنه كان على علاقة بالحرس الثوري كما ورد في الاعلام.
شملت الواقعية السحرية لما حدث لسلمان رشدي الروائية البريطانية جي كي رولينغ، مؤلفة "هاري بوتر"، لأنها تلقت تهديدا بالقتل بسبب تغريدة تعاطفت فيها مع سلمان رشدي، فقد قال لها شخص "لا تقلقي أنت التالية، بينما سجل موقع "أمازون" ارتفاعاً في طلب شراء الكتاب، واسترد سلمان رشدي شهرته بين من يعرفوه، وانتشرت بين من لا يعرفوه.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت