الوضع النّقابي في الجامعة التّونسيّة والمهام المطروحة

إبراهيم العثماني
2022 / 8 / 11

مقـــــــــــــــدّمة:

تطرح، مع كلّ عودة جامعية، جملة من الأسئلة تتعلّق بظروف الدّراسة وسير العمل في المؤسسات الجامعية، وكيفية استقبال السنة الجديدة، وتهدف إلى تحديد سمات الواقع وتشخيص مكوناته وضبط متطلباته بغية تحديد المهام الملقاة على عاتق الأطراف الفاعلة في الساحة الجامعية والعناصر المساعدة لها، وإبراز دور العناصر المعرقلة لمسيرة العمل النقابي في هذه المؤسسات. ذلك أن الجامعة تتجاذبها رؤيتان متباينتان تعكسان موقفي معسكرين متقابلين، وهو ما سنحاول أن نتبيّنه قبل أن نقدّم تصورنا للحل الذي نقترحه للخروج من هذه الوضعية.


1 –النّشاط النقابي في الجامعة:

مثّل مؤتمر أميلكار (14 جويلية 2003) بداية مرحلة جديدة قِوامها ردّ الاعتبار للجامعة والجامعيين، والنضال لتحقيق جملة من المطالب المادية والمعنوية، العلمية والبيداغوجية، الاجتماعية والحقوقية. فبعد فترة اتسمت بالركود والجمود والردود الشاجبة لظروف انعقاد مؤتمر أكتوبر 2001 والتباينات والصراعات (امتدت هذه الفترة من تاريخ إبرام اتفاقية 14 /12 /1999 إلى سنة 2003)، عاش قطاع التعليم العالي حركية لا مثيل لها في تاريخه إذ جرّب كل ضروب النّضال ووظّف طاقات الأساتذة وحماس المناضلين واستعداد الجامعيين للبذل والعطاء، وابتدع أشكالا نضالية لم يُسبق إليها في تاريخ الاتحاد العام التونسي للشغل، ونوّع الإضرابات وأساليب الاحتجاج.
وقد خاض أساتذة التعليم العالي، منذ 9 ديسمبر 2003 ، تاريخ أوّل إضراب بعد مؤتمر أميلكار إلى نهاية السنة الجامعية 2006 /2007، نضالات متواصلة إذ شنّوا 5 إضرابات احتجاجية، وإضرابا إداريا (ماي 2005)، وحملوا الشارة الحمراء (ماي 2007)، وتجمّعوا أكثر من مرّة أمام وزارة الإشراف ومقرّات الجامعات، وكتبت الجامعة العامة للتعليم العالي المقال تلو المقال للتعريف بمطالب الأساتذة، وتعليل تحرّكاتهم، وإقناع القراء بوجاهة طروحاتهم، وتفنيد ادعاءات وزارة الإشراف، والرّدّ على حملات التشكيك التي يشنها المناوئون للنضال النقابي، والتنديد بسلوك المديرين والعمداء الذين يناصبون العمل النقابي العداء ويعسّرون مهمة المسؤولين النقابيين، كما عقدت الهياكل النقابية أياما دراسية لبلورة مشاريع نقابية تُعْتمدُ أثناء التفاوض، وأصدرت الجامعة العامة بيانات مشتركة مع قطاعات التربية والتكوين، ودعت وزارة الإشراف إلى فتح باب التفاوض وفضّ الإشكالات المطروحة حتى لا تزداد الوضعية في الجامعة تعفنا وتعقدا.
تميّز قطاع التعليم العالي خلال هذه الفترة إذن بزخم نضالي كبير، وعطاء لا حدّ له، وإصرار شديد على الدفاع عن المطالب المزمنة، وقدرة فائقة على تحدي العراقيل والمعوقات التي انتصبت في طريق الأساتذة. ولكن رغم نجاح هذه الإضرابات بنسب عالية، والتفاف الأساتذة حول هياكلهم النقابية فإن باب المفاوضات الجدية لم يُفْتحْ والمطالب التي رُفعت منذ أول إضراب لم يتحقّق منها ولو نزر قليل، فلا سُنّ قانون أساسي يحدّد حقوق الأستاذ وواجباته، ولا صَدَرَت ْقوانين تُنظم عمل الهياكل المسيرة للجامعة، ولا فُتِح ملف البحث العلمي، ولا أُشرِكت الهياكل النقابية في ملف الإصلاح الجامعي...إلخ. وهكذا ظلّت الوضعية تراوح مكانها. فأين الخلل إذن؟
لعلّ الأمر يحتاج إلى قوة دفع أكثر فاعلية لتحريك البرك الراكدة والمياه الآجنة.


2 – مساندة الاتحاد لقطاع التعليم العالي ؟

اقتصر دور قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل على مساندة القطاع منذ حل النقابة المنبثقة عن مؤتمر أكتوبر 2001 وذلك بإصدار البيانات الدّاعمة لتحركاته ونضالاته، والوقوف إلى جانبه، واغتنمت القيادة فرصة انعقاد المؤتمر الوطني 21 بالمنستير أيام 14 ، 15 ،16 / 12 / 2006 لتهدد وتتوعّد وتُرغي وتُزبد، وتؤكد أنّها ستشن الإضراب تلو الإضراب، وتعلن تضامن العمال وتجدّد العهد مع النّضال الفعّال. لكن تبين أنّ الأمر لا يعدو أن يكون كلاما، كلاما معسولا وفعلا مشلولا، ووعدا موصولا بوعد مغلول.غريب أمر هذه القيادة. طلبنا منها مساندة فعلية فأمطرتنا بوابل من الخطب الإنشائية والبيانات الحماسية والتهديدات الوهمية، وتركتنا ننتظر عملا ملموسا يريح النّفوس ويخلّصنا من هذا الكابوس، ويعيد للنضال هيبته وللقطاع سَحنته.
إن الاتحاد مطالب اليوم بتجاوز مرحلة التردّد والتّذبذب والكلام المعسول، وإعلان المساندة الفعلية للقطاع والتّصدّي الجدّي للتعددية النقابية التي ليست إلاّ مدخلا إلى تقنين تعدّديّة فعلية ستقسم صفوف الطبقة العاملة في قادم الأيام وتحدث شرخا عميقا سيستمرّ على الدوام.
تلك هي خصائص المعسكر الأوّل: نضال دائب من جهة وكلام زائد من جهة أخرى، رغبة في التنسيق دون توفيق وبيانات نارية دون نتائج عملية. فهل يعود العجز عن تحقيق مكاسب فعلية إلى قوّة المعسكر المقابل؟


3- دور وزارة الإشراف:

قابلت وزارة الإشراف مطالب الأساتذة ونضالاتهم باللامبالاة والإهمال تارة، والمماطلة والتّسويف طورا، وتذرّعت بالقضاء حينا وتعلّلت بالحياد أحيانا أخرى.
فقد سارعت إلى الاعتراف بالنقابة المنبثقة عن مؤتمر أكتوبر 2001 واعتبرتها هيكلا قانونيا رغم الإشكالات التي رافقت انعقاد المؤتمر، والطعون التي قدمت إلى رئاسته، والانسحابات المتتالية من جلساته. وما إن تمّ حل هذه النقابة في 2 أفريل 2002 وقدّم كاتبها العام قضية عدلية حتى بادرت الوزارة إلى دعمه والانحياز إلى الهيكل المنحل، ورفضت التفاوض مع اللجنة النقابية الوقتية التي عوّضت النقابة المنحلة واعتبرتها غير ممثلة للأساتذة. ولما انعقد المؤتمر الثامن للنقابة العامة في جويلية 2003 لم تعترف بالهيكل الذي انبثق عنه وتجاهلت وجوده. وعندما شنّ الأساتذة الإضراب تلو الإضراب بدت الوزارة غير مكترثة بهذه التحرّكات. وحينما توحّدت الأصناف الممثّلة للأساتذة الجامعيين في هيكل واحد في جويلية 2006 سُمِّي"الجامعة العامة للتعليم العالي" ابتدعت الوزارة، بعد مضي شهر واحد فقط على انعقاد هذا المؤتمر، هيكلا جديدا سمّتة "الهيئة الوقتية للمدرسين التكنولوجيين" وأحيت النقابة العامة للتعليم العالي ونقابة أساتذة التعليم العالي والأساتذة المحاضرين رغم حل الاتحاد لهما ودمجهما في الهيكل الجديد، ومن ثَمَّ أصبحت تلتقي أربعة هياكل دون أن تستجيب لأي طلب. وعنّ لها خلال السنة الجامعية 2006 /2007 أن ترسل على الأساتذة مناشير أبابيل ترميهم بأوامر من سجّيل تضيّق الخناق على تحركاتهم، وتصادر حرياتهم، وتستغني عن خدماتهم كلما بلغوا سنّ الستين، وتدعوهم إلى التّقيّد بالجذاذة البيداغوجية كما هو الشأن في المدارس الابتدائية.
هكذا بدت وزارة الإشراف سخِية بمناشيرها التعسفية، شحيحة بزياداتها المادية كأنّها على عجل في مسابقة الزمن، لا هم لها إلاّ ربح الوقت لتمرير إصلاحات مسقطة بطرق غير مقنعة، بل إنّها لم تكتف بذلك إذ استعانت بهياكل صورية لتقاسُمِ الأدوار وتوزيع المهام.

4 –التّوابع والزّوائد :

هي هياكل صورية ثلاثة خدعوها بقولهم نقابات فعلية والمخدوعات يغرّهنّ الثناء. فقد تناست أنها فُطُرٌ صنيعة زمن رديء تحرّكها الإشارة وتوقفها الأمارة. تتحيّن الفرص لتصدر البيانات، ويتحرك الأساتذة فتناهض التحركات، وتصّر الوزارة على حيادها المزعوم تجاهها فتفنّد هي ادعاءها وتمعن في إعلان ولائها وإثبات طاعتها لتتظلّل بفيئها وتنعم بغُنمها .
ثلاثة نقباء "تحسبهم أيقاظا وهم رقود". توابع تلازم جحورها شهورا عددا، وكلما بُعثت تطل برؤوسها مُددا ثم تخلد للراحة فتأخذها سِنَة ٌطويلة تتلوها صحوة قصيرة تُدعى خلالها إلى المحافل لتَزِينها فتَشِينها، وتُضرب لها المواعيد أيام العيد لتؤكد أنها على العهد لا تحيد بل إنّها تطلب من توظيفها المزيد.
غريب أمر هؤلاء النقباء. إذا رأيتهم حسبتهم خطباء فإذا بهم أعْياء، شعارهم: لا إمساك ولا تشطيب، ولا إدانة ولا تنديد، ولا امتناع ولا ممانعة، سادرون في غِيّهم:صَمُّوا وعمُوا وعَيُّوا.وهكذا دواليك تسير الأيام على هذا النظام إلى أن يَحين حِينُ الحَيْنِ وتَحار العينُ فيُجفى الزَّبَد وتُلفَظُ النواة ويمكث في الأرض الصحاح الثقات.
وبعد تحديد سمات هذا المعسكر وذاك ما الحل للخروج من هذه الورطات؟


5 – المهام المطروحة :

ثمّة جملة من المهام تطرح بحدة أمام القطاع والاتحاد في آن واحد لتكون سنة 2007/ 2008 سنة حاسمة في تاريخ القطاع :
أ – وضع برنامج عملي يعتمد أشكالا نضالية راقية وفعالة منذ بداية السنة الجامعية وعدم السقوط في فخ الانتظارية أو التعويل على الوعود الوهمية لتجاوز النقائص التي شابت الخطط النضالية التي رُسمت في السنوات السابقة.
ب –الارتقاء بأشكال التنسيق بين قطاعات التربية والتعليم لتتخطى عتبة البيانات وتستحيل ممارسة فعلية حول محاور معينة من قبيل مناهضة التعددية النقابية في الجامعة – على سبيل المثال- باعتبار قطاع التعليم العالي جزءا من هياكل الاتحاد ومن الضروري دعمه ومساندته بقوة.
ج – على الجامعة العامة وهياكل القطاع التّمسّك بالبيان الصّادر عن مؤتمر المنستير والداعم للقطاع، ودفع قيادة الاتحاد إلى تكريسه عمليا لأن التضامن العمالي ليس بيانات تُصدر ولوائح تُكتب وشعارات ترفع وإنما هو ممارسة فعلية لتحقيق نتائج مادية فوق أرض واقعية.
د- يجب حسم مسألة التعددية النقابية بشكل نهائي وبدون رجعة وحمل وزارة الإشراف على التفاوض الجدي مع هيكل واحد ووحيد هو الجامعة العامة للتعليم العالي .
تلك هي أهم المسائل التي يمكن التركيز عليها أثناء العودة الجامعية.

[ كُتب هذا المقال في شهر سبتمبر2007].

حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر