في انتظار غودو سياسي

عادل صوما
2022 / 8 / 7

أجرت شبكة "البارومتر العربي" استطلاعا بين سنتي 2018 و2019 رصد وجود عدد متزايد من الناطقين بالعربية لم يعودا مبالين بالدين أو ممارسة شعائره، ثم أجرت الشبكة نفسها استطلاعا تحت المفهوم نفسه في هذه السنة، فوجدت تحولا كبيراً في علاقة الشباب الناطقين بالعربية تحت 30 سنة بالدين وممارسة شعائره، إذ يتزايد عدد من يقبلون على التدّين قياسا بعددهم في سنة 2018.
من أفضل التحليلات الواقعية على الاستطلاع الأخير ما قاله الباحث المصري نبيل عبد الفتاح، مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، لأنه أعاد " السبب في هذا التحوّل وارتفاع نسب المتدينين من الشباب" إلى "تفاقم الأزمات الاقتصادية، فضلا عن أزمات التعليم وتدهوره الشديد". كما قال عبد الفتاح: "في أعقاب ما سُمي بالربيع العربي، تصاعدت موجات من الأمل بين الشباب في أن ثمة تغيرا اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا واسع النطاق سوف يحدث"، لكنه يرى " بعد سنوات من الانتفاضات الشعبية فرض الواقع حالة غياب الفرص والأمل في مستقبل أفضل، ومن ثم فقدان الأمل في الحراك الاجتماعي لأعلى".
ويرى عبد الفتاح باختصار "لم يعد أمام هؤلاء الشباب شيء سوى التمسك بالدين والغيبيات لعلها تحقق لهم المعجزة، إذ لا أمل في الخلاص إلا بمعجزة".
تقديس الماضي
رغم شكّي في استطلاعات الرأي بشكل عام، كان نتيجة خمسين سنة صحوة، هي ما قاله نبيل عبد الفتاح تماماً، وهي نتيجة منطقية جداً لما ينادى به دعاة الصحوة الجهلة، أو أصحاب شهادات الدكتوراه في الغيبيات، الملتزمون بما قاله السلف وفي جملتهم عمر بن الخطاب وفتواه لعمرو بن العاص عن كتب مكتبة الاسكندرية " أما الكتب التى ذكرتها فإن كان فيها ما يوافق كتاب الله ففى كتاب الله عنه غنى، وإن كان فيها ما يخالف كتاب الله فلا حاجة بنا إليها"، فأمر عمرو بن العاص بناء على فتوى أمير المؤمنين حرق الكتب في الحمامات العامة للإستفادة منها لتدفئة المياه، واستفاد أصحاب الحمامات لمدة ستة شهور من أطنان الكتب المجانية.
وعلى المنوال نفسه، كان الشيخ متولي الشعراوي يفتخر دائما بعدم قراءة أي كتاب سوى القرآن.
العدو الحقيقي
التزم دعاة الصحوة التعاون مع السلطات لتخدير الشعوب وابعادها عن المعرفة، ليُحافظ الطرفان على سلطتهما، كما ثابر الطرفان على تعمية المسلمين عن عدوهم الحقيقي وهو الجهل والتخلف عن ركب الحضارة والعَوَز.
جهل.. رغم أنهم ورثة واحفاد صنّاع أقدم حضارات، لكنهم داسوها فلا حاجة لهم بها لأن منتجاتها لا توافق النصوص.
تخلّف.. لأنهم عبدوا القديم وتقبلوا بخضوع وتسليم محاربة أي جديد والتمسك بتكفير أصحابه رغم الاستفادة من تقنية الكفار على مدى العصور.
عَوَز .. لأنهم يسكنون في أفضل مناطق الكوكب للزراعة والموارد لكنهم يستوردون، وفي عَوَز دائم لما ينتجه ويزرعه العالم علاوة على المساعدات الغذائية المجانية.
استعمل هؤلاء الدعاة كما حدث في تاريخ أسلافهم التمسك بنصوص قيلت في مناسبات محددة يستحيل أن تصلح اليوم أو غداً، لإخضاع الناس لسلطانهم ولسلطان الحكام على الأرض، واقناع الناس بطهارة عصر السلف وانتظار عودته وعودة شخوصه لصلاح حالهم.
نصوص لم يكن أصحابها فوق الشبهات، كما تقول كتب السيّر، ولم تعد تناسب العصر والعصور القادمة لا فلكياً أو أخلاقياً ولا قانونياً ولا طبياً ولا سياسياً، أو حتى تاريخياً لأنها كُتبت بعد أكثر من قرنين عن أناس سمعوا أن فلاناً قال عن فلان عن فلان، فكانت النتيجة رويات أدبيات متناقضة منمقة عارية عن الصحة تماماً تاريخياً.
تحالف تاريخي بين رجال الدين والسلطة، تخلصت منه أوروبا فبرأت من بؤسها وجهلها ومجازرها الدينية ووهم انتظار القيامة والمسيح المنتظر، وتخلصت بفضل إحلال "حقوق الانسان" محل "حقوق الله" عن استعمارها، فالمسيحيون هم الوحيدون في الأدبيات الإبراهيمة الذين تخلصوا من استعمارهم للآخرين واعتذروا عما فعلوا، بل وصل الاعتذار إلى سقف لم يصل إليه إبراهيمي غيرهم من قبل حين قال البابا فرنسيس عما حدث في كندا من رجال الكنيسة الكاثوليكية وبالتآمر مع السلطة الكندية منذ حوالي قرنين "خطف أطفال وتغيير عقلية وتغيير تقاليد وتغيير عرق وتغيير ثقافة برمتها".
كما قال البابا فرنسيس خلال مؤتمر صحافي في الطائرة التي كانت تقله إلى روما بعد زيارته الأخيرة لكندا: "لم أتلفظ بهذه الكلمة (رحلة التوبة كما وصفها الاعلام الغربي) لأنها لم ترد على ذهني، لكني وصفت الإبادة الجماعية. قدمت اعتذاراتي وطلبت الصفح بخصوص هذه العملية التي تعتبر إبادة جماعية".
اعتذار مستحيل
تغيير الخطاب الديني الذي يتمحكون به لن يعالج جذور مشكلة المسلم مع نفسه ومع العالم. إذا كانت السلطات الدينية الاسلامية ترغب في حماية الإسلام كعلاقة بين الانسان وخالقه، فسيكون عليها الاعتذار عن التاريخ الإستعماري الدائم غير الإنساني الذي كان في سياق تاريخي محدد وسُمي بالفتوحات، لمصالحة المسلمين مع من بقوا على ثقافتهم، ومصالحتهم مع بقية سكان الكوكب.
الاعتذار للعلماء الذين حاربتهم أو قطعت أوصالهم أو حرقت كتبهم، لفتح صفحة جديدة مع العلم، كما فعل البابا يوحنا بولس الثاني.
فك ارتباطهم بالسلطة السياسية وبالسلطان.
اعتبار النصوص كافة تاريخية، ومن ثمة تأسيس علاقة ثورية روحانية بينهم وبين المسلمين.
يجب أن تفعل السلطة الدينية الاسلامية ذلك قبل فوات الأوان، لأن الطعوم التي تقدمها العلوم وصور الكون وكيف تشكّل وكيف لم يزل في حالة تشكّل وكيف كان في الماضي، بدأت تعطي مفعولها وهو "اليقظة" و الحصانة ضد الجهل، والشك في النصوص بالنسبة للمتعلمين وهم الأمل، فالدهماء والغوغاء سيظلون كما هم.
الدول الغربية فكت الارتباط بين السلطة والدين، وبين الكهنة وسلطتهم السياسية، والمرجح عدم حدوث ذلك في الاسلام، فالاسلام رغم نظام الكهنة فيه من الخليفة إلى رجال الدين والدعاة، يقول بعدم وجود كهنوت، كما لا يوجد رأس واحد بين المسلمين كافة مُتفق عليه، يمكنه فرض ما يجب والاعتذار عما يجب الاعتذار عنه.
من سيفعل ذلك؟ الخليفة أردوغان اللاعب بورقة الإسلام والخضوع كذباً لمعايير عضوية الاتحاد الأوروبي لتحقيق طموحاته؟
شيخ الأزهر؟ الرجل الذي يقاوم "بحزم مهذب تعليمات الرئيس" وهو الإمام الأكبر للمؤسسة الوحيدة في الدولة المصرية التي لا تزال تحتفظ باستقلاليتها، ومن الشخصيات القليلة التي لا يمكن للرئيس أن يعزلها قانونياً.
علي خامنئي الذي يلّقبه أتباعه ومريدوه بالولي الفقيه صاحب الزمان؟
دعاة ساعات الرولكس الذين ينصحون المسلمين بحبة البركة وبول البعير والحجامة لأمراضهم، بينما هم يستشفون في ألمانيا لعلاج ضعف الإنتصاب وأمراض القلب والسكري ودوالي القدمين وغيرها؟
الدعاة أصحاب البدلات أو العضلات الذين يسعون لزيادة شهرنهم وشعبيتهم وسلطتهم على المسلمين؟
مفتي باكستان الذي أمر بقلع الشتول لمحاربة التصحّر لأن طبيعة تشكيل جغرافية الارض من اختصاص الله وليس من حق الانسان التدخل لتغييرها؟
ذاكر نايك صاحب الدعوة المحظورة حتى في ماليزيا بموجب قوانين مكافحة الارهاب والكراهية؟
بعض الناس يعتقدون أن محمد بن سلمان قد يدشن عصر التنوير المنتظر. هل يشبه اعتقادهم انتظار غودو سياسي للخلاص من الجهل والتخلف والعَوَز؟
بدأت المعضلة بقرار سياسي، ولن تُحل بدون إرادة سياسية.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت