الدين والمدينة الفاضلة واوهام المنقذ الجبار ح2

عباس علي العلي
2022 / 8 / 7

عندما طرحت الفلسفة العقلية صورة المجتمع الفاضل ووضعت تصوراتها العملية بتفاصيل كانت تظن أنها ممكنة التحقق بشرطين، الأول أن يتغير الإنسان من واقعه الذاتي ويضحي بتكيفه الكينوني لمصلحة التمتع بمجتمع مثالي يسلب منه حق تقرير المصير الفردي، والشرط الثاني أن لا يحاول الإنسان أن يغير التغيير بخطوة أخرى تخرج موضوع الفضيلة من دائرة الألتزام البدي، أي لا يتراجع أو لا يتقدم بتغيير أخر ينسف نتائج التغيير الأول، بدون الشرطين لا يمكن للمجتمع الفاضل أن يتحقق ولو أعيد الإنسان إلى نقطة البداية الأولى، وجرى تنشئته وإعداده مجددا بعيدا عن التجربة الذاتية ومنسلخا عن حقائق تكوينه، فالقضية لا تتعلق إذا بالصورة المثالية التي طرحتها الفلسفة لهذا المجتمع والتي سبق وإن تبنتها الأديان من قبل مع إقرارها المتكرر أن هذه الصورة لا يمكن تحققها بشكل ما، لأنها هدف غير ممكن مع طبيعة الإنسان أولا وهدف الدين الوجودي.
الفلسفة بعد أن رأت أن الصورة التي طرحها الدين لهذا المجتمع يعوزها وينقصها الحماس كما تظن، بادرت إلى تصور غاية في المثالية المفرطة في تبني اللا ممكن الديني، ولو رجعنا إلى شروط المجتمع الفاضل التي وضعها الدين وأولها أن يشاء الله، وثانيها أن يؤمن الإنسان بيقين مطلق أن لا طريق ممكن ومرتجى غير طريق الله والدين، فيلجأ حينئذ إلى المجتمع العبادي الإحساني الخيري، وهذا لا يمكن الجزم به ولا التيقن من حدوثه إلا بعد أن يستنفذ الإنسان كل محاولاته التجريبية، وعلى أكثر من صعيد وعلى أكثر من نسق وشكل وغاية وطريقة، فموضوع اليأس من تكوين المجتمع الفاضل كما ورد في الأديان ليس محصورا في رغبة الدين وحدها خارج طبيعة الإنسان ورغبته المتبدلة المتحولة المتطورة لأستمرار القلق والشك المصاحب لوجوده.
الفلسفة بمثاليتها أيضا لم تنتبه لما عرضه الدين من عدم القدرة على تحويل المتصور إلى واقع، بل كان الدين يرى في المتصور الخطابي النصي مجرد مشروع وتجربة تتعلق بالإنسان كجزء وليس الإنسان كقضية واحدة، من هنا الفشل الذي وقعت به الفلسفة المثالية بتبنيها محاولة خلق عالم الفضيلة بأداة واحدة هي الغاية في ذات الوقع، إنما ركزت في مشروعها على أفتراض جزمت أنه ممكن وقد يحدث في مرحلة تأريخية ما، وكل ممكن في الفلسفة المثالية يتحول مع المحاولة إلى واقع، عكس الدين بنى أفتراضه على أن المحاولة ممكنة لكن الأستحالة تتركز في النتيجة، بمعنى أن الأمر ممكن لو، وهنا وضع الفكر الديني كلمة لو التي هي أداة أمتناع بدل ما وضعت الفلسفة كلمة قد وهي أداة مصادفة وأحتمال.
نفس الإشكالية التي نجح الدين في تجاوزها من خلال الأعتراف بوجودها وعدم إنكارها، وقعت الفلسفة المثالية فيه دون أن تدرك أن تعديل أو إعادة نمذجة هذا التكوين بشكل أخر ممكنة أو محتملة الإمكان، حتى تقرر وضع الصورة التي تريدها أو تبشر بها كنظرية لصنع عالم مغاير وربما مختلف في أدواته وتعاطيه مع الواقع، الدين وبالرغم ممن يتهمه بعدم العلمية في أجزاء كثيره من نظرياته يثبت اليوم أنه الأقدر والأقرب لفهم الإنسان فرد ومجتمع وعلاقات واطر ونظام من الفلسفة، وحتى من العلوم المتعلقة بدراسة الإنسان من علم الأجتماع مثلا أو علم النفس لأنه يبني فرضياته ليس كوتها قدر مقدر أو حتم تاريخي، ولكن يتعاطى معها على ما يعرف بالمحفز الأختياري "من أمن فله إيمانه ومن كفر فعليه كفره" بعبارة النص الديني ."كل نفس بما كسبت رهين".
الواقعية العملية بلباسها الطبيعي كانت هي الميزة الفعلية للأديان في دعوتها لبناء المجتمع الفاضل كحلم وليس كحتم، أما توهمات وأفتراضات الفلسفة المثالية ومن خلال مثلا جمهورية أفلاطون الخيالية بقيت أسيرة الخيال الفكري دون أن تنزل للواقع، لأنها وبكل بساطة كانت مجرد حلم خالي من حوافز للعمل الواقعي، ومن هنا نقول وبحزم جازم أن مجتمع المدينة الفاضلة لا يمكن تحقيق قواعده الأساسية ولا حتى القدرة على العمل المستمر على ذلك في أنتظار تحقيقه ولو بعد كم من الزمن التأريخي لأنه يخالف منطق الوجود ومنطق خلق الإنسان ومنطق الحركة الجوهرية في الأشياء التي تعني أن كل شيء متحرك لا يمكن البناء عليه على أنه قابت أو سيثبت.

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان