هيلين بوليك: شهيدة اليسار الثوري في تركيا

حامد محمد طه السويداني
2022 / 8 / 6

قبل الدخول في هذا الموضوع لابد لنا من تذكر القارئ الكريم بأننا نكتب حقائق تاريخية ولسنا بصدد مهاجمة حزب حاكم او دولة معينة او نظام فكري معين وفي هذه المقالة سوف نسلط الضوء على احدى المطربات التي قدمت روحها من اجل القيم والمبادئ التي تؤمن بها وهي المطربة هيلين بوليك (2020-1992) وهي شخصية يسارية كردية دافعت عن مبادئها ودفعت حياتها ثمناً لذلك.
من المعلوم ان تاريخ الحركات اليسارية والاشتراكية يعود الى أيام الدولة العثمانية وفي سنة 1833-1835 اذ ان سان سيمون (وهو احد المفكرين الفرنسيين الاشتراكيين الأوائل) ارسل في هذه المدة بعثة دعايا الى الاستانة ومصر كما حظر رجل عثماني الى لندن بمناسبة يوم الأم الذي نظمه اليسار الأوربي ذو التوجه الاشتراكي اذ تسربت الأفكار اليسارية والاشتراكية الى الدولة العثمانية في سبعينات القرن التاسع عشر عن طريق بعض العثمانيين الدارسين في اوربا وان الحركات اليسارية في البداية كانت سرية ولكن بعد الانقلاب الدستوري عام 1908 أصبحت علنية مكونة اندية ثقافية وصحف وتأسيس اتحادات للعمال والنقابات...الخ ومنذ ذلك التاريخ والدولة تحارب هذه الأنظمة او التيارات الاشتراكية وبعد تأسيس تركيا عام 1923 على يد مصطفى كمال اتاتورك ذو التوجه الغربي والذي بدأ هو ورفاقه بحملات تطهير متنوعة على الأحزاب والتجمعات والشخصيات اليسارية والاشتراكية.
وضل أسلوب القمع والاضطهاد على هذه التيارات من قبل الحكومات التركية المتعاقبة لحد هذه اللحظة. وان هذه الممارسات لم تطل الأحزاب والنقابات والهيئات السياسية بل تعدى ذلك الى المجال الثقافي والادبي فقد تعرضت شخصيات الى الابعاد والسجن والقتل أحيانا ونذكر منهم على سبيل المثال الشاعر التركي الكبير ناظم حكمت 1902-1963 وكذلك الروائي اورهان باموك الحائز على جائزة نوبل وكذلك الروائية التركية المعروفة اليف شافاك صاحبة رواية حليب اسود ولقيطة إسطنبول وقواعد العشق الاربعون وهي حائزة أيضا الى جائزة نوبل وغيرهم كثير سوف نفرد دراسة خاصة بها وان هؤلاء شخصيات يسارية تعرضوا للاذى من قبل الحكومات التركية.
ومن الشخصيات المعاصرة جدا هي المطربة الكردية هيلين بوليك وهي احد أعضاء (فرقة يوروم) من مواليد ديار بكر وشاركت بوليك في شبابها في فرقة يوروم كعازفة منفردة وقد القي القبض عليها لأول مرة في مركز ايدل الثقافي في العاصمة التركية استانبول سنة 2016 أي بعد محاولة الانقلاب العسكري 15 تموز 2016 في تركيا ضد نظام حكم حزب العدالة والتنمية وتم القبض عليها مع سبعة من أعضاء فرقة يوروم بتهمة (مقاومة الشرطة والاهانة وكونها عضوة في منظمة إرهابية وقد اعلن الموسيقيون (بهاء كورت، وعلي اراسي وباريش يوكسل) الاضراب عن الطعام وانضمت اليهم هيلين بوليك في تموز 2019.
وتوفيت في 3 ابريل عام 2020 بعد اضراب عن الطعام استمر 288 يوما في منزلها في استانبول والذي تم كوسيلة للاحتجاج على سوء معاملة الفرقة التركية من قبل الحكومة التركية بزعامة اردوغان وان الشعب التركي حزن لوفاتها الماساوية وبدأ السير نحو بيت الجمع لكن الشرطة التركية عرقلت ذلك وحاولت الحشود الذهاب الى المقبرة لكن الشرطة منعت ذلك أيضا فهي المغنية الكردية الجميلة اليسارية الثورية الذي كتب عنها الصحفي (تايفون غوتشتاف) في مقال لموقع قنطرة (يقول انها ضحية لقمع الدولة التركية للتيار اليساري عموما والفنون والموسيقة والثقافة بشكل خاص).
ومن الجدير بالذكر انه في عقد الستينات والسبعينيات نشأت حركة شبابية يسارية قوية داخل تركيا وداخل التنظيمات الاشتراكية وكانت هذه الحركات تجوب حينها الحشود المليونية حالمة الاعلام الحمراء التي كتب عليها شعارات مطالبة بتخليص الإنسانية من الرأسمالية المتوحشة.
يمكن الإشارة الى فرقة يوروم الموسيقية والتي تم تأسيسها عام 1985 احتجاجا على الظلم والعنف المسلطين من قبل الحكومات التركية المتعاقبة على الاكراد وفئة اليساريين والاشتراكيين وان هذه الفرقة تعزف الموسيقى والاناشيد التي تصف مشاعر الحياة والحب والطبيعة ولقد حملت الحانها البسيطة المستقاة من موروث موسيقى الاناضول الشعبية ذات التوزيع الموسيقي والبعد الجمالي الأوربي رسائل مؤثرة لقلوب واذان الجماهير .
ونتيجة للاضطهاد والتعذيب هاجر العديد من الاكاديميين والادباء والشعراء والأطباء والثوار اليساريين الى بلاد المهجر وخاصة اوربا سواء كانوا من أصول كردية او تركية او من الطائفة السنة او العلوية وكانت أغاني فرقة يورو اشبه بـ(نشيد الامل) المعبر عن الشوق وحلم العودة الى الوطن .
وفي تركيا ان من يستمع الى أغاني فرقة يوروم يتعرض للملاحقة كون هذه الأغاني تبث اثناء الحفلات التضامنية والوقفات الاحتجاجية وفي كل الأحوال فان المدى الايدولوجي لمن وصلتهم أغاني الفرقة مثير للدهشة وقد ساهم في ذلك سرعة تفاعل الفرقة المستمر مع احداث راهنة (مثل هجمات حريق مدينة سيواس عام 1993) عبر اصدار أغاني جديدة.
ان المتابع لمسيرة واخبار المطربة هيلين بوليك في عامها الأخير سيدرك انه امام شخصية نسائية مناضلة وصلبة ومثقفة انتمت الى مجموعة موسيقية يحمل أعضاؤها أفكارا يسارية واشتراكية ذو توجه ثوري وهي أيضا فنانة ملتزمة خاضت نضالا مع رفاقها الفنانين من اجل اعلاء مواقف إنسانية وحقوقية وفرقة يوروم هي تؤدي أغاني الاحتجاج السياسي وبطريقة معبرة منذ بداية الثمانينات وفي الوقت الذي تصاعد فيه القمع ضد الفرقة وفي أجواء تجييش الشارع التركي الموالي لاردوغان لدعم العمل العسكري التركي ضد الشعب التركي في شمال سوريا فقد دخل أعضاء الفرقة في اضراب عام عن الطعام وقررت هيلين بوليك الانضمام اليهم وقد استلم جسد هيلين بوليك دون ان تستسلم روحها الى الرفيق الأعلى حيث أصبحت أواخر ايامها عبارة عن جثة هامدة فقط تلفظ أنفاسها وعن الرحيل التراجيدي والموجع للفنانة بوليك المعبر عن التزام الفنان بقضايا إنسانية قدمت بوليك انموذجا عظيما في التضحية بالنفس وكان الالف من السجناء دخلوا ضاربا جزئيا عن الطعام اذ امتنعوا عن الأطعمة الصلبة ولا يتناولون الا الماء وانتحر (8) منهم منذ بداية التحرك الداعم لـ عبد الله اوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني وصوت الشعب الكردي في تركيا المعتقل منذ عام 1999 في مدينة بورصة
وقد كتب السياسي اليمني علاء عبد الكريم القيادي في حزب التجمع اليمني قصيدة نعى بها الشهيدة هلين بوليك يقول
هلين بوليك .... مهلا
ترحلين زمن الكورونا
من اغتالك؟ كان من سوءات
الزمان ... اردوغان ذو القرنين
فاقد البصر البصيرة العينين
هليك بوليك فرق يوروم
وصلات غناء من
معامل الكادحين
رحلت هيلين... اغتالتها أصابع اليمين
هيلين كانت شفق الدردلين
نجمة أكتوبر
رفيقة اسبارتوكس
تاج الزمان المغنى
للعابرين .... خير السبيل
رحلت هيلين كانت تغني
فتفيق استانبول وعلى البحيرات وعلى
كل التلال والجبال..... جبال
من فرقة العمال .... من فرقة يوروم .. فيطير النوم
من غرفة الحراس من قصر باشوات الترك القساة
قساة الدردنيل
هليلن ظلت بسجنهم صوت شجي
كانوا من صوتها يرتعبون
وهي ما زالت تغني تقاوم
هي ضمير كل اماني الكادحين

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان