وثيقة ملكية الدولة في مصر ومستقبل التنمية

محمد حسن خليل
2022 / 8 / 6

مقدمة
في أعقاب خطاب الرئيس السيسي في إفطار الأسرة المصرية 26 إبريل 2022 الذي تناول فيه ملامح الأزمة الاقتصادية واتجاهات الخروج منها، طرحت الحكومة وثيقة ملكية الدولة (1) باعتبارها المرحلة الأحدث لخطة الإصلاح الاقتصادي التي تتبناها الحكومة. وقد صرح رئيس الوزراء قبيل طرحها بأن الاجتماع الأسبوعي لمجلس الوزراء قد أدخل الرتوش الأخيرة على الوثيقة تمهيدا لطرحها على الحوار الوطني، وحسنا فعل. إن الوثيقة تعد تطويرا كبيرا في نفس اتجاه خطة الإصلاح الاقتصادي التي تتبعها الحكومة، وربما لهذا رأت الحكومة أهمية محاولة تحقيق نوع من الإجماع الشعبي حولها، وفتح المجال لعلاقة أفضل بالمعارضة، بما يتضمن توسيع المجال العام المحدود أصلا.
وما يهمنا هنا هو مناقشة تلك الوثيقة، وخطة الإصلاح التي تمثل تلك الوثيقة أساسا وتطويرا لها. ونسعى في تلك المناقشة إلى تحليل السياق التاريخي لتلك الوثيقة، وكذلك إلى تحليل محتواها، والمشاكل والإجراءات التي استدعت ضرورتها من وجهة نظر الحكومة. كما يستوجب هذا مناقشة البنية القانونية لذلك الإصلاح، نعني قانون 185 لسنة 2020 بشأن تعديل قانون قطاع الأعمال العام، وقانون الصندوق السيادي رقم 177 لسنة 2018، والمعدل بالقانون رقم 197 لسنة 2020. ثم ننتقل إلى تقويم هذه السياسة وتلك الإجراءات من المنظور التنموي الذي نطمح له لتنمية بلادنا ومصلحة جماهير شعبنا ورخائها.
***
سياق وثيقة ملكية الدولة ومحتواها
تطرح الوثيقة تصورا لأزمة مصر الاقتصادية ومراحل حلها، فتتحدث عن تغير دور الدولة حسب العصر، في إطار الفكر الليبرالي، حيث مرت مصر، في رأي الوثيقة، بثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: ضرورة تدخل الدولة في الفترة 2012- 2015 وتنفيذ مشروعات إصلاح البنية الأساسية.
المرحلة الثانية: 2016- 2019 الإصلاح الاقتصادي مرحلة أولى.
المرحلة الثالثة: 2021 المرحلة الثانية من الإصلاح الاقتصادي دعم الاستثمار الخاص المحلي والأجنبي. بدأت بصدور قانون 185 لسنة 2020 بتعديل 203 لسنة 1991 تغيير وإعادة هيكلة للقطاع العام .(2)
ولعل أفضل شرح لأسباب اختيار هذا الإصلاح والمناخ الذي أتت فيه، هو ما طرحه الرئيس السيسي في خطابه في الإفطار الصباحي للأسرة المصرية في أغسطس 2021، (3) (وهو بالطبع سابق للخطاب الأخير في إفطار الأسرة المصرية في 26 إبريل 2022) . يتحدث الرئيس عن الأزمة السابقة لبدء الإصلاح الاقتصادي لسنة 2016 فيقول: «لو إحنا فاكرين كويس هنلاقي إن الأمور ماشية في الطريق مش جيد، كانت خلاص مبقاش فيه عملة حرة، وبالتالي مش قادرين نجيب مستلزمات الإنتاج للمصانع، والناس اللي في القطاع الخاص كانت هتقفل مصانعها وتمشي الناس، كانت هتمشي بالملايين. ثم يردف: "طب الناس دي كانت هتعيش ازاي، الناس اللي شغالة في مصر وعاوزة تطلع أرباحها بره هتجيب منين؟، طب إحنا عاوزين نجيب مستلزمات أخرى لحياتنا، هنجبها ازاي؟".
ثم يتحدث الرئيس عن اختيارين، اخترنا منهما الاختيار الصعب للحل، حيث نتحمل الصعوبات من أجل حل المشكلة. ويقول عن الخيار الذي اختارته الحكومة: "قلنا نعمل إصلاح اقتصادي ويبقى ده برنامج وطني إحنا ألزمنا نفسنا بيه كدولة. وأضاف: «خلينا صندوق النقد جهة دولية محايدة ذات خبرات تبقى متابعة لينا في هذا الأمر، وتقيم ما فعلناه" .(4)
ثم تأتي الوثيقة للحديث عن المرحلة الثالثة الحالية، فتقول إنها بدأت بالبرنامج الوطني للإصلاحات الهيكلية في النصف الأول من 2021 كمرحلة أولى بإعادة هيكلة بعض الشركات المملوكة للدولة (القابضة للغزل والنسيج، القابضة للصناعات المعدنية)، ثم يأتي قسمها الثاني المتمثل في وثيقة ملكية الدولة الحالية.
ولعل أفضل تلخيص لمحتوى وثيقة ملكية الدولة هو ما طرحه الدكتور محمد معيط وزير المالية في اجتماعه بأعضاء جمعية رجال الأعمال المصرية الأمريكية حينما قال إن الدولة تتوجه إلى التخارج من 79 مجالا استثماريا، وطرح ما قيمته 40 مليار دولار للبيع من أملاكها.
وتهدف الوثيقة إلى تغيير خريطـة تواجـد الدولة فـي النشـاط الاقتصـادي"، و "سياسـة ملكيـة الدولـة للشـركات العامـة"، من أجل تحقيق أهداف رفع معدل الاستثمار إلى 25- 30% لرفع معدل النمو الاقتصادي إلى 7- 9% لتوفير فرص العمل. وتعمل الدولة على تمكين القطاع الخاص، وتركيز الدولة على الاستثمار في المجالات الضرورية لتحسين بيئة الاستثمار للقطاع الخاص؛ والتحـول مـن إدارة مؤسسـات الدولـة إلـى إدارة رأس مـال الدولـة، وذلك بتواجد الدولة بالقطاعات ذات الأولوية، والخروج من دونها بالتدريج، بهدف تحقيق وفورات مالية لدعم الموازنة ودعم شبكات التضامن الاجتماعي. وتقسم الدولة المشاريع في مختلف جوانب الأنشطة إلى ثلاثة أنواع من الأنشطة: أنشطة تتخارج منها نهائيا خلال 3 سنوات، وأنشطة تقلل وجودها فيها مع إشراك متزايد للقطاع الخاص بها، وأنشطة تعتزم الدولة الإبقـاء مـع تثبيـت / زيـادة الاسـتثمارات الحكوميـة مع السماح بمشاركة القطاع الخاص، وذلك على النحو التالي:
أولا: تعتزم الدولة التخارج خلال 3 سنوات من قطاعات: الحبوب (ماعدا القمح)، والثروة السمكية، الثروة الحيوانية، المحاصيل البستانية، زراعة الغابات، إنشاء الموانئ البرية والجافة والنقل النهري، إنتاج مياه الشرب من محطات التحلية، أنشـطة البرمجيـات، واستشـارات الحاسـب، وأنشـطة نشـر وإنتـاج برامج التلفزيون، أنشطة خدمات الإقامة والغذاء والمشروبات، أنشطة التشييد والبناء ماعدا الإسكان الاجتماعي دون المتوسط وأنشطة التشييد المتخصصة.
أما على مستوى الصناعات التحويلية فتعقد النية على تخارج الدولة خلال 3 سنوات من صناعات الجلود، منتجات الأخشاب، الأجهزة الكهربائية والمعدات والآلات والالكترونيات، الصناعات الغذائية والمشروبات، المشغولات الذهبية والمسابك، صناعات الورق والأسمدة والزجاج وفحم الكوك، صناعات كبس القطن، والطباعة والملابس والمفروشات، صناعة وطباعة الكرتون، صناعة العطور والنباتات الطبية.
ثانيا: كما تعتزم الإبقـاء مـع تثبيت / تخفــيض الاسـتثمارات الحكومية مع السماح بمشاركة القطاع الخاص في مجالات: تشغيل وصيانة الحاويات، تشغيل وإدارة وصيانة مترو الأنفاق، التعليم قبل الابتدائي، الألبان، الصرف الصحي وتدوير المخلفات، التعدين واستغلال المحاجر والمناجم، قطاع توليد الكهرباء وشبكات التوزيع والغاز وتكييف الهواء، الملكية العقارية، الوساطة المالية، خدمات الإنترنت والمحمول والبريد.
وكذلك الإبقـاء مـع تثبيت / تخفــيض الاسـتثمارات الحكومية مع السماح بمشاركة القطاع الخاص في مجالات مثل: نشاط الطاقة الجديدة، صناعـة اللحـوم والطيـور والأسـماك، وصناعـة الأعـلاف، وصناعة السكر والحلوى، وصناعة السجائر والدخان، تشـكيل المعادن كالحديد والنحاس، وصناعة الألومنيوم والنحاس، البطاريات، والفحم النباتي، وفحم الكوك، نشـاط صناعـة حلـج ونسـج القطـن والصـوف فــي الصناعات النسيجية، أنشطة تكرير البترول.
ثالثا: تعتزم الدولة الإبقـاء مـع تثبيـت / زيـادة الاسـتثمارات الحكوميـة مع السماح بمشاركة القطاع الخاص: في مجالات: إنشـاء الأرصفـة والبنيـة التحتيـة لـكل مـن النقـل البحـري، السـكك الحديديـة، ومتـرو الأنفـاق، وإدارة وتشـغيل وصيانـة السـكك الحديديـة، والنقل الجوي، قطـاع التعليـم بـدءا مـن مرحلـة التعليم الابتدائـي حتى مرحلة التعليـم الثانـوي العـام والصناعـي والزراعـي والتجـاري، إنتاج ورفع مياه الشرب، قناة السويس، قطاع الصحة، أنشطة العمل الاجتماعي، تجارة الجملة، الوساطة المالية والتأمين والمعاش، الاتصالات السلكية واللاسلكية، والنشر، والبث الإذاعي والتلفزيوني وأنشطة خدمة المعلومات.
وكذلك الإبقـاء مـع تثبيـت / زيـادة الاسـتثمارات الحكوميـة مع السماح بمشاركة القطاع الخاص في مجالات مثل: صناعة السفن والقوارب، وأشباه الموصلات، طباعـة الأوفست، والطباعة الرقمية، وطباعة الصحف والمجلات، نشاط صناعة الأدوية فـي الصناعات الدوائية.
وتذكر الوثيقة، في نطاق الاتجاهات المستقبلية، مشاركة القطاع الخاص في الاستفادة من منجزات الثورة الصناعية الرابعة والذكاء الصناعي وغيره من مقومات تلك الثورة، دون وجود أي خطة حقيقية بحثية وعلمية وعملية لاقتحام مثل تلك المجالات، رغم تخلف ميزانيات البحث والتطوير الحكومية.
***
اقتران مراحل الإصلاح الاقتصادي بقروض الصندوق
نلاحظ هنا أن مراحل الإصلاح الاقتصادي الثلاث الأخيرة التي تتحدث عنها الوثيقة، المرحلة المسماة بالمرحلة الأولى للإصلاح الاقتصادي لعام 2016- 2019، والمرحلة الثانية للإصلاح الاقتصادي لعامي 2020-2021، تتوازى مع مراحل الاتفاقات الخاصة بقروض البنك الدولي: القرض الأول بقيمة 12 مليار جنيه على ثلاث سنوات من 2016- 2019، والقرضين التاليين لعامي 2019- 2021 بقيمة 8 مليار دولار. أما المرحلة الثالثة الحالية، والتي تُنَظِّر لها وثيقة ملكية الدولة، فترتبط بطلب مصر، في أواخر مارس الحالي عام 2022، بطلب قرض رابع ل(5)ها خلال 6 سنوات(5)
والسياسة المعتادة من صندوق النقد الدولي عند التفاوض على قرض أن يربط الصندوق القرض بما يسميه ب "إصلاحات اقتصادية" يتم التفاوض والاتفاق حولها بين الدولة المقترضة والصندوق، وتضعها الدولة المقترضة في صورة "خطاب نوايا" تتوجه به الدولة للصندوق، فيوافق مجلس الصندوق على القرض؛ ولكنه لا يكتفي بالتعهدات الواردة في خطاب النوايا، بل يعطي القرض بعد بدء تنفيذ بعض بنود هذا الإصلاح، ويعطي القرض على دفعات ترتبط بالالتزام بالشروط. في قرض 2016 مثلا كان القرض على ست دفعات نصف سنوية متساوية، مع حضور لجنة متابعة من الصندوق قبل صرف كل دفعة للتأكد مما تم تنفيذه من "إصلاحات"، وترفع اللجنة تقريرها إلى مجلس إدارة الصندوق، فيوافق على صرف الدفعة.
وتوصيات الصندوق تدور في إطار سياساته المعلنة التي يوصي بها الجميع، السياسات النيوليبرالية التي تنطلق من توافق واشنطن لعام 1989، وهي سياسات تقشفية تحض على فتح الأسواق بدون قيود للسلع ورؤوس الأموال، وتخفيض الإنفاق الحكومي، وتخفيض سعر العملة، والخصخصة الواسعة لممتلكات الدولة. ولكننا قبل أن نناقش تلك السياسات فلنستمر في استعراض أركان خطة الإصلاح الاقتصادي منذ 2016 وحتى الآن. وتتجلى تلك الإصلاحات بأفضل شكل في التغيرات التي تحدث على صعيد البنية القانونية، أو القوانين التي صدرت في تلك الفترة ذات الصلة بتنفيذ خطة الصندوق.
***
قانون رقم 185 لسنة 2020
القانون 185 لسنة 2020 (6)مخصص لتعديل بعض أحكام قانون شركات قطاع الأعمال العام الصادر بالقانون رقم 203 لسنة 1991. ومن الجدير بالذكر أن القانون الأصلي رقم 203 لسنة 1991 هو الذي حَوَّل القطاع العام إلى قطاع الأعمال العام، وأنشأ الشخصية القانونية للشركات القابضة لكي تحل محل مؤسسات إدارة القطاع العام (مثلا الشركة القابضة للصناعات المعدنية بدلا من الهيئة المصرية العامة للصناعات المعدنية، وهكذا) لكي تنتهي وظيفة الدولة في إدارة القطاع كوحدة واحدة تنفذ سياسة إنتاجية متكاملة، وتحيل سلطات واسعة من الوظيفة الإدارية للدولة من تلك الجهات إلى الشركة القابضة وأكثر منها إلى الشركات التابعة) إلى مديري الشركات التابعة لإدارتها كشركات منفردة مثل القطاع الخاص. كما أعطى القانون للشركة القابضة كل صلاحيات الإدارة والملكية على تلك الشركات بما فيها من صلاحيات: عرضها في البورصة وبيعها لمستثمر رئيسي والمشاركة مع آخرين ببيع نسبة منها وكل ما يخص التصرف في محافظها المالية، وبالتالي وفَّر الأساس القانوني لخصخصة القطاع العام لأول مرة.
ومضمون التعديلات التي يدخلها القانون 185 على القانون 203 تتعلق كلها بتسهيل تصفية تلك الشركات وخصخصتها، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص (المساهمين) في إدارتها، وإيكال سلطات البيع والخصخصة إلى ممثلي السلطة التنفيذية وحدها. يتضح هذا في نص (المادة 3): "يتولى إدارة الشركة القابضة مجلس إدارة يصدر بتشكيله قرار من الجمعية العامة بناء على اقتراح رئيسها.....على أن يعكس التشكيل حقوق الملكية بالشركة......أعضاء يمثلون المساهمين بالشركة وفقا لهيكل ملكية الشركة بمراعاة قواعد التمثيل النسبي...دون الإخلال بحق الشخص الاعتباري المساهم في الشركة في تغيير ممثليه خلال مدة المجلس".
ويتم نفس التعديل على الشركات التابعة وفق (المادة 20): "يتكون مجلس الإدارة من ....المساهمين من الأشخاص الاعتبارية الخاصة أو الأفراد في رأسمال الشركة....والتصويت بنسبة الأسهم".
ويعطي القانون كامل سلطة التصرف لما يسمى الجمعية العمومية للشركة القابضة، وهي على عكس ما يوحي به الاسم، مجرد كيان إداري محدود تعينه السلطة التنفيذية، وذلك وفق (المادة 9): "الجمعية العامة للشركة يرأسها الوزير وتشمل أعضاء من ذوي الخبرة بين 12 و14 منهم ممثلا عن الاتحاد النقابي الأكثر تمثيلا وممثلا عن وزارة المالية وكذلك الجمعية العمومية للشركة التابعة". كما يقلل القانون من التمثيل العمالي في مجلس الإدارة ليقتصر على شخص واحد على الأقل، ممثلا عن الاتحاد النقابي الأكثر تمثيلا ولا يجعله بالانتخاب من العمال ولكن يختاره مجلس الإدارة ممن يرشحهم الاتحاد.
ويعطي القانون الحق للشركة القابضة والشركة التابعة في إنشاء شركات جديدة، وهو، كما هو معروف، يستخدم كشكل من أشكال الخصخصة بإنشاء شركات مع شركاء آخرين. بل وتعطي (المادة 30 مكرر) لرئيس مجلس الوزراء بموافقة مجلس الوزراء نقل ملكية أسهم أي من الشركات التابعة المملوكة أسهمها بالكامل لإحدى الشركات القابضة إلى أي من الأشخاص الاعتبارية العامة أو إلى صندوق مصر السيادي للاستثمار والتنمية على أن تخضع الشركة الجديدة لأحكام القانون 159 لسنة 1981، وهو قانون الشركات المساهمة الذي ييسر طرح الشركات في البورصة وبيعها وخصخصتها بمجرد قرار إداري دون رقابة.
ويلزم القانون الشركات القابضة والتابعة في المادة 35 مكرر بنشر تقارير نصف سنوية وتقرير مجلس الإدارة وقرارات مجلس الإدارة والبيانات والمعلومات التي تحددها اللائحة التنفيذية، إعمالا لأسس الإفصاح وقواعد الحوكمة والإدارة الرشيدة، وكلها بالطبع ضرورية لإتاحة البيانات لكل الراغبين في الشراء.
وتنص المادة 39 مكرر على أنه " إذا ترتب على طرح أسهم الشركة في البورصة وصول نسبة المساهمين بخلاف الدولة والأشخاص الاعتبارية العامة والبنوك إلى 25% يتم نقل تبعية الشركة لأحكام القانون 159 لسنة 1981". بل وتتحول التصفية أو خصخصة الشركات الخاسرة إلى شبه واجب حتمي حينما ينص القانون في (المادة 38) على: "إذا بلغت قيمة خسائر الشركة كامل حقوق المساهمين يتم العرض على مجلس الإدارة لزيادة رأس المال لتغطية الخسائر المرحلة، وفي حالة عدم تنفيذ هذا وجب العرض على الجمعية العامة غير العادية لحل وتصفية الشركة أو دمجها في شركة أخرى" ويعطي القانون مهلة 3 سنوات لتطبيق هذا القانون، بما فيه بالطبع تصفية الشركات الخاسرة أو إدماجها في شركة أخرى. نلاحظ أن القانون قد صدر عام 2020، لذلك فالعام القادم، 2023، هو آخر المهلة التي يجب فيها التصرف بالدمج أو بالتصفية.
قانون إنشاء صندوق مصر السيادي
رقم 177 لسنة 2018 المعدل بالقانون 197 لسنة 2020 (7)
يعمل الصندوق على جذب الاستثمار، وتعزيز نهج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وبالذات للاستفادة من الثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي.
فينص القانون في المادة 3: "يهدف الصندوق إلى المساهمة في التنمية الاقتصادية المستدامة وذلك من خلال إدارة أمواله وأصوله أو أموال وأصول الجهات والكيانات والشركات المملوكة للدولة أو التابعة لها أو التي تساهم فيها التي يعهد إلى الصندوق بإدارتها وفقا للضوابط المنصوص عليها في النظام الأساسي، وتحقيق الاستغلال الأمثل لتلك الأموال والأصول وفقا لأفضل المعايير والقواعد الدولية، وذلك لتعظيم قيمتها من أجل الأجيال القادمة، وللصندوق في سبيل ذلك التعاون والمشاركة مع الصناديق العربية والأجنبية النظيرة والمؤسسات المالية المختلفة"
ويعطي القانون للسلطة التنفيذية كامل الصلاحيات لخصخصة أصول الدولة دون الرجوع للمجلس التشريعي كما يتضح من المادة 6: "لرئيس الجمهورية، بناء على عرض رئيس مجلس الوزراء والوزير المختص نقل ملكية أي من الأصول غير المستغلة المملوكة ملكية خاصة للدولة أو لأي من الجهات التابعة لها إلى الصندوق أو أي من الصناديق التي يؤسسها والمملوكة له بالكامل. وبالنسبة للأصول المستغلة، فيكون العرض من رئيس مجلس الوزراء والوزير المختص بالاتفاق مع وزير المالية وبالتنسيق مع الوزير المعني."
بل وتنص المادة 6 مكرر على: "يودع قرار رئيس الجمهورية بنقل ملكية الأصول المنصوص عليها بالمادة (6) من القانون رقم 177 لسنة 2018 بإنشاء صندوق مصر مكتب الشهر العقاري المختص، بغير رسوم، ويترتب على هذا الإيداع آثار الشهر القانونية. ومع عدم الإخلال بحق التقاضي لأصحاب الحقوق الشخصية أو العينية على الأموال محل القرار، يكون الطعن في قرار رئيس الجمهورية بنقل ملكية الأصول أو الإجراءات التي اتخذت بناء على هذا القرار من الجهة المالكة للأصل أو الصندوق المنقول له الملكية دون غيرهما"
تتحدث مادة 7 عن أغراض الصندوق فتحددها في:
1- المساهمة بمفرده أو مع الغير في تأسيس الشركات أو في زيادة رؤوس أموالها.
2- الاستثمار في الأوراق المالية المقيدة بأسواق الأوراق المالية وغير المقيدة بها وأدوات الدين وغيرها من الأوراق المالية داخل جمهورية مصر العربية أو خارجها.
3- الاقتراض والحصول على التسهيلات الائتمانية وإصدار السندات وصكوك التمويل وغيرها من أدوات الدين.
4- شراء وبيع وتأجير واستئجار واستغلال الأصول الثابتة والمنقولة والانتفاع بها.
5- إقراض أو ضمان صناديق الاستثمار والشركات التابعة التي يملكها أو يساهم فيها مع الغير.
كما تتحدث مادة 8 عن أشكال التصرف في الأصول: " البيع، أو التأجير المنتهي بالتملك، أو الترخيص بالانتفاع.
ويسمح الصندوق باستغلال كل أشكال تخارج الدولة، والتزاوج مع القطاع الخاص مثل:
1- الطرح في البورصة
2- البيع لمستثمر رئيسي
3- المشاركة بين القطاع العام والقطاع الخاص PPP
4- عقود الامتياز CONCESSION CONTRACTS تشغيل أصول الدولة لفترة تعود بعدها الأصول للدولة
5- عقود التشييد والتشغيل ونقل الملكية BOT
6- عقود التشييد والملكية والتشغيل ونقل الملكية BOOT
7- عقود التشييد والامتلاك والتشغيل (أي مع احتفاظ القطاع الخاص بالملكية) BOO
وتوضح هذا المادة 12 " للصندوق إدارة أمواله وأصوله بذاته، كما له أن يعهد بإدارتها أو بعضها إلى شركات ومؤسسات متخصصة في إدارة الأصول" ومادة 13 " للصندوق تأسيس صناديق فرعية بمفرده أو بمشاركة مع الصناديق المصرية والعربية والأجنبية النظيرة والمصارف والمؤسسات المالية والشركات المصرية والأجنبية.... وللصندوق أن يعهد بإدارة الصناديق الفرعية التي يؤسسها بمفرده أو يساهم فيها إلى الشركات والمؤسسات المتخصصة في هذا المجال "
كما تسلب المادة 14 صفة القطاع العام أو الحكومي وتحول الكيانات الحكومية إلى القطاع الخاص كما يلي: "يعد الصندوق والصناديق الفرعية والشركات التي يؤسسها الصندوق أو يشارك في تأسيسها من أشخاص القانون الخاص أيا كانت نسبة مساهمة الدولة أو القطاع العام أو قطاع الأعمال العام فيها، ولا يتقيد أي منها بالقواعد والنظم الحكومية"
وتتضح الصفة التنفيذية الخالصة والبعد الكامل عن الخضوع لمساءلة البرلمان في المواد 15، و18، و19 على النحو التالي: تنص المادة 15 على: " يشكل مجلس إدارة الصندوق بقرار من رئيس الجمهورية، بناء على عرض رئيس مجلس الوزراء ويتكون من: الوزير المختص (رئيسا لمجلس الإدارة غير تنفيذي)، خمسة أعضاء مستقلين من ذوي الخبرة، ممثل عن كل وزارة من الوزارات المعنية بشئون التخطيط والمالية والاستثمار".
كما تنص المادة 18 على: " يكون للصندوق جمعية عمومية، تشكل بقرار من رئيس الجمهورية برئاسة رئيس مجلس الوزراء وعضوية الوزير المختص، والوزيرين المعنيين بالشئون المالية والاستثمار، وأحد نائبي محافظ البنك المركزي، بالإضافة إلى سبعة أعضاء من ذوي الخبرة في المجالات المالية والاقتصادية والقانونية وفي إدارة الصناديق النظيرة والشركات الاستثمارية العالمية يرشحهم رئيس مجلس الوزراء". وتنص المادة 19 على: " تعفى المعاملات البينية للصندوق والكيانات المملوكة له بالكامل من جميع الضرائب والرسوم وما في حكمهما، ولا تسري هذه الإعفاءات على توزيعات الأرباح".
ورغم أن القانون الأول لتأسيس الصندوق قد تم عام 2018، إلا أن توسيع صلاحياته بشدة بالقانون 197 لسنة 2020 قد جعله، كما تنص وثيقة ملكية الدولة، أداة رئيسية للخصخصة الواسعة لأصول الدولة، وبقرارات إدارية من قبل السلطة التنفيذية وحدها، ودون رقابة تشريعية.
المبادئ الحاكمة لتواجد الدولة في النشاط الاقتصادي
وفي إطار معالجة الإطار القانوني الذي تستظل به وثيقة ملكية الدولة، لابد وأن نضيف موضوعا ثالثا بجانب قانون تعديل قطاع الأعمال العام وقانون الصندوق السيادي، وهو ما أطلقت عليه الوثيقة الاسترشاد ب "المبادئ التوجيهية بشأن حوكمة الشركات المملوكة للدولة" الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
والوثيقة المذكورة وضعتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عام 2005 وتم تحدثها عام 2015، وعلى أساسها تتعاون المنظمة اقتصاديا مع مختلف البلدان. وتقول الوثيقة أنها تهدف إلى جعل الدولة مالكا محترفا، مع الالتزام بالكفاءة والشفافية والمساءلة، وتحقيق المنافسة العادلة بين الدولة والقطاع الخاص. من أجل هذا الهدف تقر الوثيقة مبادئ توجيهية في سبعة جوانب: مبررات ملكية الدولة، دور الدولة كمالك، التزام شركات الدولة بقوانين السوق، المعاملة المتكافئة للمساهمين والمستثمرين الآخرين، العلاقات مع أصحاب المصالح وممارسة الأعمال، الالتزام بالإفصاح والشفافية، مسئوليات مجالس إدارات شركات الدولة
وتتعهد الدولة بالحياد التنافسي والبيئة التشريعية المواتية للنشاط الاقتصادي، وبالمساواة بين شركات الدولة والشركات الخاصة في مجالات: الحياد الضريبي، الحياد في المديونيات، الحياد التنظيمي التشريعي.
الإطار التنفيذي لسياسة ملكية الأصول
ووفقا للالتزام بتلك الوثيقة الخاصة بالاتحاد الأوروبي، تتعهد وثيقة ملكية الدولة بالالتزام بالآتي:
1- إصدار جدول سنوي للطروحات للأصول التي سيتم خصخصتها
2- تحديد المشروعات المشتركة بين القطاع العام والخاص التي سيتم تنفيذها سنويا
3- تحديد المشروعات المشتركة بين الصندوق السيادي والقطاع الخاص
4- المراجعة الدورية لتحديد ما إذا كانت ملكية الشركات المملوكة للدولة ما زالت ضرورية
ومن المهم معرفة أنه بعيد إصدار وثيقة ملكية الدولة في منتصف يونيو 2022، قام وزير الخارجية المصري بزيارة لبروكسل مقر الاتحاد الأوروبي، غطتها جريدة الأهرام في عدد 21 يوليو 2022، حيث تبشر المقالة بتطوير هام في العلاقة بين مصر والاتحاد الأوروبي، فتنص على " دخلت العلاقات بين مصر والاتحاد الأوروبي مرحلة جديدة بالتوقيع على وثيقة أولويات المشاركة حتى عام ٢٠٢٧."(8)
وتذكر المقالة أنه "فى ختام زيارة وزير الخارجية سامح شكرى للوكسمبورج، نشرت وزارة الخارجية أمس ترجمة للبيان الصحفى المشترك للاجتماع التاسع لمجلس المشاركة بين مصر والاتحاد الأوروبى، حيث أكد هذا الحدث قوة وتعدد أوجه الشراكة بين الجانبين، كما أقر مجلس المشاركة أولويات المشاركة الجديدة والتى ستوجه العلاقات حتى عام ٢٠٢٧، بما يتوافق مع أجندة الاتحاد الأوروبى الجديدة لمنطقة المتوسط وخطتها الاقتصادية والاستثمارية وإستراتيجية مصر للتنمية المستدامة رؤية ٢٠٣٠."
وقال البيان: «سيقوم الاتحاد الأوروبى ومصر، مسترشدين فى ذلك بأولويات المشاركة، بمزيد من التعميق للحوار والتعاون بينهما حول الأولويات الثلاث الأشمل: اقتصاد حديث مستدام والتنمية الاجتماعية؛ الشراكة في السياسة الخارجية؛ وتعزيز الاستقرار. وأكد الجانبان الطبيعة الإستراتيجية والإمكانات التي تنطوي عليها تلك الشراكة.
كما أبلغ الاتحاد الأوروبى بالموافقة كذلك على البرنامج الإرشادي متعدد السنوات ٢٠٢١ ــ ٢٠٢٧، وسوف تتم إتاحة الشريحة الأولى تحت مظلة البرنامج بقيمة ٢٤٠ مليون يورو خلال الفترة ٢٠٢١ إلى 2024 لدعم مصر فى مجالات التنمية الخضراء والمستدامة؛ التنمية البشرية؛ المرونة الاقتصادية بناء الرخاء من خلال التحول الأخضر والرقمي؛ التماسك الاجتماعي؛ ودولة حديثة وديمقراطية وفقا للأولويات المحددة بأولويات المشاركة.
وهكذا، وعلى غرار اتفاقات مصر مع الصندوق وتعهداتها لقاء القروض، تتفق مصر مع الاتحاد الأوروبي على قرض تغيب فيه الشفافية، ولم يعرض على البرلمان، ولم تعرف الشروط، ولم تعرف القيمة الإجمالية له، حيث لم يعلن غير أن قيمة الدفعة الأولى منه 240 مليون يورو، ولم تعلن نسبة المعونة ونسبة القرض في ذلك الاتفاق. ولكن الحديث السابق عن "المبادئ التوجيهية بشأن حوكمة الشركات المملوكة للدولة" في وثيقة ملكية الدولة يعطي فكرة عن فكر المؤسسة، المتماشي تماما مع الفكر النيو ليبرالي لصندوق النقد الدولي.
هل صندوق النقد الدولي جهة محايدة وذات خبرات؟
النقطة المحورية هنا هي ما هو أساس الثقة الكبيرة في صندوق النقد الدولي (وغيره من مؤسسات التمويل الدولية) حتى يصبح مرجعية جديرة بالثقة، وتصبح خبراته دليلا مرشدا للسياسات الاقتصادية، بل ونجعل تلك المؤسسة جديرة بأن تتابعنا في تنفيذ سياسات الإصلاح الاقتصادي؟
لقد نشأ صندوق النقد الدولي مع البنك الدولي كمنظمات دولية أمريكية المنشأ في مؤتمر بريتون وودز عام 1944 تعبر عن المرحلة الجديدة من الاقتصاد العالمي التي تتصدرها الولايات المتحدة الأمريكية، وأقر قاعدة الدولار المضمون بالذهب بسعر ثابت يضمنه بنك الاحتياط الفيدرالي الأمريكي، حيث يعتب الدولار عملة التبادل التجاري الدولي، وعملة الاحتياط الدولي الأساسية. وتخصص صندوق النقد الدولي في إقراض الحكومات لحل مشاكل عجز موازين مدفوعاتها في نظير برامج سميت ببرامج تثبيت؛ بينما تخصص البنك الدولي في إقراض مشروعات بعينها وفق برامج سميت برامج تكيف هيكلي. وصندوق النقد والبنك لا يتبعون مؤسسة الأمم المتحدة، بل هم منظمات مستقلة. ورغم أن صندوق النقد الدولي يضم 190 دولة أعضاءً فيه، إلا أن التصويت يتم بمقدار المساهمة في رأسماله مما يجعل قراراته معبرة عن مصالح الدول الغربية الغنية وعلى رأسها أمريكا التي تحوز نصيب الأسد في رأسماله.
إذن، وفي الفترة الحالية، أين تقع مصالح الدول الغربية التي يدافع عنها صندوق النقد الدولي، وما هي مشاكلها الاقتصادية؟ تعاني الدول المتقدمة حاليا من فائض إنتاج، وتسعى بالتالي إلى تسويق سلعها في العالم. كما تملك تلك الدول فائض رؤوس أموال تسعى للتوظيف في مجالات مربحة. وتحقيقا لهذه المصالح تعمل تلك الدول من خلال الصندوق وشركاؤه من المؤسسات النيوليبرالية وعلى رأسها البنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية غيرها، على نشر سياسات التجارة الحرة، وفتح الأسواق أمام السلع ورؤوس الأموال، والحد من تدخل الدولة في الاقتصاد، والخصخصة وبيع الأصول.
تلك الحزمة من السياسات المعروفة بالسياسات النيوليبرالية واتباع نهج توافق واشنطن، والتي خبرناها في بلادنا منذ الأخذ بسياسة الانفتاح الاقتصادي التي بنيت على تبني نهج صندوق النقد وغيره من مؤسسات التمويل الدولية، وعقد الاتفاقات معها والالتزام بسياساتها منذ الأخذ بسياسة الانفتاح الاقتصادي منذ عام 1974. بدأت تلك السياسات في بلادنا بتقنين التحرير التدريجي لتبادل السلع مع الخارج. بالطبع لا يعني هذا أن الاستيراد (والتصدير بالطبع) كان محظورا قبلها، ولكنه كان مقيدا بموافقة الدولة التي تحتكر التحكم في موارد النقد الأجنبي لكي تحدد الأولويات الاستيرادية من أجل دعم الإنتاج وسد النواقص الحياتية الأساسية التي نحتاج إليها من نوع الغذاء والآلات ومستلزمات الإنتاج والأدوية وغيرها.
وبالتالي فإن تقنين حرية التجارة منذ 1974 والتوسع فيها تدريجيا اشتمل على التوسع في استيراد سلع الاستهلاك الترفي مع تخفيض إجراءات الحماية الجمركية عليها. وبدأ المسلسل التدريجي بتحرير التجارة بزيادة عدد السلع المسموح باستيرادها، ولكنه انتهى بتحديد قلة من السلع الممنوع استيرادها إلا من قبل الحكومة. كما ارتبطت تلك السياسات بتحرير تدفق رؤوس الأموال العربية والأجنبية للاستثمار في مصر. وبالطبع لم يكن السماح بقدوم رأس المال الأجنبي ممنوعا قبلها أيضا، ولكنه كان محصورا في مجالات الاحتياج مثل استخراج البترول وصناعة الأدوية، مع العمل التدريجي على تقليص الواردات وفق سياسة التصنيع من أجل إحلال الواردات. ولكن بعد فتح الأسواق أمام الأسواق الأجنبية رأينا قدوم رؤوس الأموال الأجنبية في مجالات مثل السلع الاستفزازية، وفروع المؤسسات الأجنبية للترفيه من نوع الكافيهات والمطاعم وغيرها. وبالطبع فإن تحرير التجارة وتحرير حركة رؤوس الأموال لابد وأن يرتبط أيضا بتحرير العملة، أي تحرير حيازة وتبادل العملة الأجنبية مقابل الجنيه المصري، وهو ما جرى أيضا بشكل تدريجي.
ومن أهم أركان السياسات النيوليبرالية للصندوق الحد من تدخل الدولة، والخصخصة المتزايدة لأصولها الإنتاجية؛ وبنص كلمات وثيقة ملكية الدولة: "إطلاق يد القطاع الخاص وتركيز الدولة على الاستثمار في المجالات الضرورية لتحسين بيئة الاستثمار للقطاع الخاص"؛ ثم تلا ذلك خصخصة الأصول الخدمية أيضا. ولقد تم تقنين وإتاحة خصخصة ملكية الدولة في مصر لأول مرة في القانون رقم 203 لسنة 1991 الذي أتاح بيع شركات ومصانع القطاع العام، ثم تتالت خطوات خصخصة المشروعات الإنتاجية والخدمات انتهاءً حاليا بوثيقة ملكية الدولة. والآن وبعد 48 سنة من الانفتاح، نتذكر كلمات السادات حول أن الانفتاح يعني رؤوس أموال وتكنولوجيا لكي نجد أنفسنا أمام انفتاح لم يأتِ بتكنولوجيا جديدة، ولم يطور صناعات تذكر، ولكنه فقط استولى على مصانع وشركات قائمة من القطاع العام، ومن القطاع الخاص أيضا. وأيضا تمت تصفية قطاعات صناعية هامة، تعتبر حلقات حاكمة في الاحتياجات الحيوية لاقتصادنا مثل شركة المراجل البخارية وشركة طنطا للكتان والحديد والصلب، لأن افتقار الإنتاج المحلي لتلك السلع يفتح الباب واسعا أمام استيراد بدائلها من الغرب، وإن بأضعاف الثمن، وتسويق الإنتاج الغربي الذي يحتوي على الكثير من الإنتاج الراكد.
ومن المهم توضيح جانب هام من سياسات الصندوق النيوليبرالية، فيما يدعوه التوازن بين العرض والطلب. يدعو الصندوق إلى إصلاح سياسات التسعير من أجل حل مشاكل عدم التوازن بين العرض والطلب على السلع في السوق المحلي. يتمثل حل الصندوق لما يراه زيادة في الطلب في مجموعة من الإجراءات أهمها سياسات التسعير التي يطالب فيها بإعمال قوانين السوق الحرة دون تدخل من جانب الدولة. لهذا فهو يرفض إجراءات تدخل الدولة بما فيها سياسة التسعيرة الجبرية، وسياسات الدعم التي تقف ضد إعمال قوانين السوق الحرة في تحديد الأسعار.
ومن أجل هذا أيضا ينصح بتقليص الدعم وتقليل نسبة الأجور إلى الناتج المحلي الإجمالي(9)، وفرض الضرائب على كل السلع مثل ضريبة المبيعات وضريبة القيمة المضافة. كما يدعو إلى تقليل الجمارك إلى أدني حد ممكن، ومنع القيود الكيفية على استيراد السلع، بمعنى حظر سلع بعينها، ومنع القيود الكمية بتحديد سقف لاستيراد أي نوع من المنتجات، والاقتصار على الجمارك، والتي يتم تخفيضها بالتدريج. وهكذا تنتفي كل الإجراءات الحمائية للإنتاج المحلي. كما ويدعو أيضا، في إطار السياسات الانكماشية، من أجل "إصلاح اختلال العلاقة بين العرض والطلب" إلى تقليل نسبة إجمالي الأجور (وكذلك الدعم) إلى الناتج المحلي الإجمالي.
كما يرفض الصندوق "تشوه الأسعار" وهو ما يعني به اختلاف الأسعار المحلية عن نظيرتها الدولية، ويدعو إلى تطابق الأسعار المحلية مع الأسعار الدولية باعتبارها "الأسعار الحقيقية". ويعتبر الصندوق أن إقرار الأسعار الحقيقية وعدم تشويهها يؤدي إلى كفاءة تخصيص الموارد، بمعنى أن المنتج الذي ينتج بتكلفة أعلى من متوسط السوق يفلس، وهذا جيد، ويستمر في السوق فقط المستثمر الذي يملك ميزة تنافسية، وبالتالي تكون هناك كفاءة في تخصيص الموارد للاستثمار على النحو الأمثل. ولا يهم إذا ما أدى ذلك إلى انهيار الإنتاج في مجالات كاملة في دولة ما (كما حدث كثيرا) فهذه قوانين السوق التي تنادي بالحياة فقط للأصلح!
محصلة سياسات الاندماج في السوق العالمي
بعد نحو نصف قرن من الاندماج المتزايد في الاقتصاد العالمي، نتوقف لكي نرى أثر تلك السياسات من منظور التنمية في بلادنا، لكي نختتم بالسياسات البديلة التي نقترحها للسياسة الحالية. محصلة نصف قرن هي "المزيد من الاندماج في السوق العالمي" بمعنى أن الهيكل الإنتاجي موجه، في المحل الأول، لإشباع احتياجات السوق الرأسمالي العالمي، مثل الأسمنت وحديد التسليح، والسيراميك، والأسمدة، والتي نبذها الغرب كصناعات ملوثة للبيئة؛ كما ويحتاج إلى المواد الأولية الداخلة في الصناعة مثل القطن، كما يحتاج أيضا إلى الخضر والفاكهة التي لا تنمو في المناخ البارد بالشمال. وبالتالي لا يتوجه في المحل الأول إلى إشباع الاحتياجات الداخلية للسكان.
أما ما يسميه الصندوق، أو بالأحرى ما تسميه السياسات النيوليبرالية بالسلع التي تزيد فيها تكلفة الإنتاج عن السلع المستوردة فمن "العدل" أن تترك للمنتج الأمثل، ويتم استيراد تلك السلع منه. تطبيق تلك السياسات قاد إلى نتائج خطيرة نعيشها الآن: أدت سياسة فتح الأسواق أمام الملابس الصينية الرخيصة إلى تراجع الاعتماد على المنتج المحلي. كما أدى إلى تدهور إنتاج القطاع العام بالحصار ووقف أو تقليل التمويل الحكومي، وأدى كما رأينا إلى تصفية القطاعات المتقدمة منه كما رأينا في الحديد والصلب. ومن هنا ندرك خطورة تخارج الدولة أو تقليص مساهمتها في صناعات أساسية تشمل تشـكيل المعادن كالحديد والنحاس، وصناعة الألومنيوم والنحاس كما تنص وثيقة ملكية الدولة. وفي الواقع فإن كل التجارب التنموية تضمنت دورا للدولة في مرحلة ما، وبالذات في مراحل التأسيس وفي مراحل الأزمات. إن بداية التنمية في كوريا الجنوبية واليابان ارتبطت بتدخل كثيف للدولة في الإنتاج.
وفي أوروبا، بالذات بعد الحرب العالمية الثانية، وبعد تدمير المصانع والهياكل الإنتاجية الرئيسية، استلزم إحياؤها تدخلا كثيفا من الدولة. ولقد رأينا الدول الأوروبية تتدخل بقوة في صناعة الحديد والصلب، وتنشئ اتحاد الصلب والفحم في أوروبا بين مختلف الدول، باعتبارها صناعة ضرورية للتنمية ولكنها لا تحقق مكاسب. وقد كان اتحاد الصلب والفحم هو ما تطور بعد هذا إلى السوق الأوروبية المشتركة. وفي أمريكا يكفي أن نلقي نظرة على مستوى تدخل الدولة الكثيف، بالذات في أوقات الأزمات مثل أزمة انفجار فقاعة الرهن العقاري عام 2008. لقد أفلس بنكان، ثم تدخلت الدولة لتأميم بنوك، وضخ المليارات لدعم بنوك وصناعات وشركات كبيرة، وكان هذا على يد جورج بوش الابن، الجمهوري المنتمي إلى المحافظين الجدد ومن غلاة النيو ليبراليين. ونعرف بالطبع كيف ارتبط الدخول في الصناعة بكثافة في مصر في الخمسينات والستينات بتدخل الدولة وإنشاء قطاع عام قوي، كما ارتبط بسياسات حمائية.
وفي الحقيقة فإن السياسات الحمائية كانت دائما ضرورية لحماية نشأة صناعات محلية من منافسة غير متكافئة مع صناعات متقدمة تكنولوجيا وعمالة أعلى تعليما وتدريبا في الدول المتقدمة. بل إن مثال الدول المتقدمة نفسه يرينا أهمية الحماية. في أوروبا في أعقاب الحرب العالمية الثانية وتدمير قسم رئيسي من مصانعها، استعانت الدول الأوروبية بفرض السياسات الحمائية ضد حرية التجارة، وطبقتها في مواجهة الولايات المتحدة. لولا تلك الحماية لما كان من الممكن الصمود أمام غزو الصناعات الأمريكية الأرخص. ورغم عقيدة مؤسسات التمويل الدولية بحرية التجارة، فقد وافقت الولايات المتحدة على هذا السلوك الأوروبي للحماية من أجل النهوض بالصناعة المدمرة، نظرا لاحتياج أمريكا لتلك الدول في الحرب الباردة وفي تمكينها من النفاذ للأسواق الأسيوية والأفريقية. تم إلغاء حرية التجارة وفرض السياسات الحمائية منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية حتى عام 1954 حينما تطور الهيكل الإنتاجي الأوروبي، فقررت الدول الأوروبية فتح الأسواق بين 14 بلدا أوروبيا مع استمرار فرض الحماية في مواجهة السلع الأمريكية. وتم فتح الأسواق وإعمال حرية التجارة مع الولايات المتحدة فقط عام 1958 حينما تم إعادة بناء هيكل إنتاجي يستطيع المنافسة. وقد رأينا حديثا كيف لجأ ترامب الجمهوري إلى سياسات حمائية لمواجهة رخص السلع الصينية، وقبلها كيف لجأ ريجان إلى سياسات حمائية ضد اليابان.
كما رأينا عمليا كيف ارتبط فرض السياسات النيو ليبرالية على مصر وتقليص قطاع الدولة على تقلص الهيكل الإنتاجي كما رأينا. ويعد قطاع الزراعة قطاعا شديد الأهمية يعلمنا دروسا مهمة. لقد ارتبطت السياسة الزراعية في الخمسينات والستينات بتدخل الدولة لحماية الفلاح من سطوة التجار والبنوك التجارية والمرابين حينما أَمَّنَت للفلاح توفير مستلزمات الإنتاج من أسمدة وبذور وتقاوي ومبيدات بسعر معقول، وكان التسليف التعاوني بضمان المحصول مهما لنهضة الزراعة الفلاحية، كما كان التسويق التعاوني حاميا للفلاح من جشع التجار.
ولكن جاءت السياسات النيوليبرالية منذ بداية الانفتاح بسياسات جديدة حررت تجارة مستلزمات الإنتاج، وألغت التسويق التعاوني ليحل محله التجار الذين اتسمت علاقتهم بالفلاحين بعدم التكافؤ وخضعوا لأسعار منخفضة لشراء المحاصيل منهم كما خضعوا لأسعار مرتفعة لشراء مستلزمات الإنتاج كذلك. كما حرمتهم من التسليف التعاوني الميسر، والذي يمكن أن يمنح بضمان المحصول، واستبدلت به التسليف التجاري مثل بنك القرية ذو الفائدة التجارية المرتفعة. ولكن من أخطر التغيرات التي حدثت كانت قرارات مؤتمر تطوير الزراعة الذي عقدته وزارة الزراعة بالاشتراك مع هيئة المعونة الأمريكية عام 1992، والذي ألغى الدورة الزراعية. وانتشرت نظرية يوسف والي وزير الزراعة التي سميت في الصحافة وقتها بخيار يوسف والي، ونظَّر خلالها للزراعة التجارية والتصديرية على حساب الاعتماد المحلي على توفير الاحتياجات الزراعية، وقال إن تصدير إنتاج عشرين ألف فدان من الفراولة يوفر ثمن وارداتنا من القمح!
نقطة أخرى هامة أثرت على الزراعة والخدمات والإنتاج، وهي القرار الصادر عام 1984 بتوصيات جهات التمويل الأجنبية بمنع تعيين الخريجين بذريعة علاج تضخم وترهل الهيكل الحكومي. ومن الواضح الآن أثر تلك السياسات. لقد تم الإلغاء التدريجي للإرشاد الزراعي ودعم الإنتاج الحيواني للفلاح بمنع تعيين خريجي كليات الزراعة والطب البيطري.
كما أثر إلغاء الالتزام بتعيين خريجي كليات التربية ومنع تعيين المدرسين على ما رأيناه من تدهور التعليم حتى صرح وزير التعليم الحالي بأننا نعاني نقصا في المدرسين مقداره 327 ألف مدرس! وفي الواقع فإن ترهل الهيكل الحكومي يعود إلى نقص الوظائف الفنية كما رأينا في الأمثلة السابقة، مع زيادة الوظائف الإدارية. في مصر تمثل الوظائف الفنية في وزارة الصحة (الأطباء والتمريض والصيادلة والفنيين الصحيين) 30% من موظفي الوزارة بينما تمثل الوظائف الإدارية 70%، وهذه هي بالضبط عكس النسبة الموجودة في بريطانيا حيث الوظائف الفنية 70%! حتى في وظائف غير الجامعيين هناك نقص في وظائف الفنيين والحرفيين مثل السائقين والسباكين والميكانيكيين في مقابل زيادة الوظائف الإدارية.
كان من الممكن بالطبع علاج تلك المشكلة بشكل عقلاني بالتخطيط، والتحكم في التعليم وربطه باحتياجات التنمية، وعلاج مشاكل الهيكل الراهن بالتدريب التحويلي من أجل توفير التخصصات التي تعاني عجزا، ولكن وقف التعيينات على الصورة التي رأيناها ساهم بشدة في تدهور كفاءة مختلف المؤسسات الخدمية بما فيها الخدمات الإنتاجية مثل المقدمة إلى الفلاحين؛ وانعكس هذا بالطبع على تدهور الإنتاج الزراعي، وسيادة نمط الزراعة الذي لا يستجيب لاحتياجات المجتمع، فتدهورت نسب الاكتفاء الذاتي من مختلف المحاصيل، كما مرت العديد من السنوات حيث لم يمكن تصدير السلع التي ارتبطت بالسوق العالمي مثل فواكه أو خضروات سواء نتيجة لعدم مطابقة المواصفات أو نتيجة لاهتزاز السوق العالمية مثل أوقات الحروب أو الأزمات الاقتصادية أو وباء كوفيد الأخير.
نأتي الآن لخطورة آثار سياسات التسعير وفرض ما سموه "عدم التدخل في قوانين السوق في التسعير، وعلاج التشوه في الأسعار"، وموضوع الأسعار العالمية. إن الصناعات الاستراتيجية المحلية التي كانت مقوما هاما من مقومات التنمية مثل الأسمدة والأسمنت في ظل فتح الأسواق الكامل وإعمال مبدأ الربح كمبدأ وحيد موجه للإنتاج إلى أن أصبحت الأسعار العالمية العالية لتلك المنتجات حافزا على التصدير وليس على الإنتاج للسوق الداخلي؛ وبالطبع فإن ما يطرح في السوق المحلي كان يطرح بالسوق العالمي، مما تسبب في القفزة الضخمة بمضاعفة الأسعار، ومثال الأسمنت والأسمدة واضح للجميع.
ولكن إذا كانت الأسعار في بلادنا قد أصبحت أسعارا عالمية فما هو موقف الأجور؟ لم تصل الأجور إلا إلى متوسط 10% من الأجور العالمية: الحد الأدنى للأجور في مصر نحو 30 ألف جنيه سنويا (2400 جنيه شهريا) تعادل أقل من ألفي دولار سنويا في حين يبلغ الحد الأدنى للأجور في الولايات المتحدة 15 ألف دولار سنويا، وهو أقل من الحد الأدنى للأجور في فرنسا وألمانيا وانجلترا! إذن ماذا يحدث في ظل عالمية الأسعار مع أجور حوالي عشر الأجور العالمية؟ تزايد الفقر ووجود نحو ثلث المجتمع المصري تحت خط الفقر الأول، بل إن ثلثي المجتمع المصري يقع تحت خط الفقر أو على حدوده، المهدد بالفقر، وهذه إحصائيات البنك الدولي!
بل إن الحكومة المصرية شديدة الاقتناع بموضوع الأسعار العالمية إلى درجة أنها تتحدث لفترات طويلة عن دعم البترول، ودعم الكهرباء، حيث الدعم في عرفها لا يمثل الفرق بين تكلفة إنتاج تلك السلع وبين سعر بيعها، كما هو معروف في أركان الأرض الأربعة، ولكن حكومتنا تعتبره الفرق بين سعر بيعها في مصر وبين السعر العالمي (!!) وفق ما يسمى بنظرية الفرصة البديلة (!!) أي أن الحكومة لا يجب أن تبيع للشعب المصري بسعر كان يمكنها أن تحصل على أعلى منه في السوق العالمية!!
خطورة هذه النظرية هي أنها، من حيث منطقها، تكاد تصرح بأن ثروات البترول في باطن الأرض المصرية هي ملك للحكومة وتملك بيعها للمصريين أو للأجانب وفق نسبة ربحها في كل حالة! وكأن تلك الثروات ملك للحكومة وليست ملكا للشعب!! وتعتبر الحكومة حافز الربح هو الحافز الوحيد الموجود والمقدم على حق الفقراء في الحياة مادام البنك والصندوق الدوليين لا يكفون عن الإلحاح على ما يسمونه "رفع دعم الطاقة" بمعنى إيصال سعرها بالداخل إلى السعر العالمي!!
أزمة نمط الاقتصاد والاستثمار المتبع حتى الآن
أدي نحو نصف قرن من اتباع السياسات الاقتصادية النيوليبرالية القائمة على تحرير التجارة وتحرير حركة رؤوس الأموال، وتحرير تداول العملة الأجنبية وحرية انتقالها من الداخل للخارج، وسياسات تقليص دور الدولة في الاقتصاد ليقتصر على تيسير الاستثمار الخاص (بالطبع المحلي والعربي والأجنبي بدون تفريق) وما يقود إلى الخصخصة الواسعة لملكية الدولة، أدى إلى الوضع الراهن من تراجع الأنشطة الإنتاجية، وتوجه الاقتصاد إلى الاعتماد على الخدمات (حوالي نصف الناتج المحلي الإجمالي حاليا). ومع تقلص الإنتاج تحول الاقتصاد إلى اقتصاد ريعي يعتمد أساسا على ريع البترول، وريع الموقع المتمثل في قناة السويس، وريع التاريخ والمناخ المتمثل في السياحة، بالإضافة إلى عائد تصدير قوة العمل المصرية للخارج (تحويلات العاملين بالخارج). وأصبح اقتصادنا بالتالي اقتصادا هشا شديد الحساسية للتأثر بالعوامل الخارجة عن إرادته مثل الإرهاب والأزمات العالمية والحروب وتقلبات السوق الدولية.
ورأينا أن محصلة نحو نصف قرن من اتباع سياسة تركيز الدولة على توفير البيئة الاستثمارية للقطاع الخاص لكي يتقدم لصنع التنمية، وانسحاب الدولة من التنمية قد أديا إلى تراجع قطاعات الإنتاج السلعية وتراجع الاكتفاء الذاتي الغذائي والصناعي، في نفس الوقت الذي لم يتقدم القطاع الخاص المحلي والأجنبي لتحقيق أي تنمية إنتاجية تذكر في بلادنا. وقاد هذا إلى تدهور مستوى المعيشة وتزايد الفقر المطلق والنسبي والمعاناة الشديدة للفقراء وتآكل الطبقة المتوسطة.
وساد نمط النمو الذي يتميز بالتركيز على المرافق، واستمرار وتزايد الإسراف في الإنفاق الحكومي وبروز الاستقطاب المجتمعي الرهيب بتزايد الفقر مع تعاظم الغنى المرتبط بالإنفاق الترفي السفيه في قمم المجتمع، حيث توارت سياسات التراكم للطبقات الغنية التي كانت سائدة منذ نحو قرن لتخلي مكانها للإنفاق الاستهلاكي المستفز الحالي.
أدت سيادة تلك الأنماط من الإنتاج والاستهلاك إلى تعاظم الديون الخارجية حتى بلغت 157.8 بليون دولار في نهاية الربع الأول من العام 2022، بينما بلغت الديون الداخلية حوالي 5500 بليون جنيه بإجمالي عجز داخلي والخارجي أكثر من ثمانية ترليون جنيه مصري. وتفاقمت أعباء خدمة الدين (فوائد الدين + أقساطه) حتى التهمت 57% من موازنة العام 2021/ 2022 وينتظر أن تلتهم 54% من موازنة العام الحالي (10). ومن الواضح أن تفاقم الديون هو السبب وراء طرح الحل المتمثل في وثيقة ملكية الدولة من أجل سداد الديون من خلال الخصخصة الواسعة للممتلكات الحكومية، والتخفيض الشديد في الإنفاق العام في الموازنة (بالذات على الأجور والمعاشات والدعم والتعليم والصحة) من أجل تعظيم القدرة على سداد الديون. وبالطبع فإن وضع المدين أمام الجهات الدائنة مثل صندوق النقد الدولي ومؤسسات التمويل الدولية والدول الغربية يشكل ضغطا قويا من أجل إلزام الحكومة بتلك القيود الشديدة في الخصخصة والسياسات التقشفية.
ضرورة التنمية المتوجهة نحو إشباع الاحتياجات الأساسية للشعب
ولكن رغم حدة الأزمة الحالية فإن الخضوع لتوصيات صندوق النقد الدولي و"المبادئ التوجيهية بشأن حوكمة الشركات المملوكة للدولة" الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية يفاقم المشكلة بدلا من أن يحلها. إن الخضوع لسياسات الخصخصة الواسعة لأصول ملكية الدولة من أجل سد عجز الموازنة الجارية وسداد الديون هو إهدار لما تم بناؤه حتى الآن (حتى من الأجيال السابقة) من أصول إنتاجية ونقل أغلبها للأجانب، هو تأخر للتنمية لعقود مقبلة، والتعهد بالقيود المفروضة هو تخلي عن الحلم بمستقبل إنتاجي يحقق رفاهية متزايدة للشعب المصري.
خبرة هامة يهمنا نرجع إليها، أزمة الأسواق الأسيوية أعوام 1997-1999، حيث فرض صندوق النقد الدولي على معظم الدول الخضوع للسياسات التقشفية المنضوية على الخصخصة الواسعة للأصول وتخفيض العملة، ولكن ماليزيا وحدها، في عهد رئيسها مهاتير محمد، رفضت الخضوع لتوصيات الصندوق، وتراجعت عن مشروع قرضها منه، ونجحت في تجاوز الأزمة بتعبئة مواردها الداخلية وتعديل سياساتها (11).
والبديل للسياسات الحالية يتلخص استراتيجيا في العودة إلى السياسات التنموية القائمة على حسن إدارة موارد الدولة وكل إقليم من أقاليمها (الصحراوية، الزراعية، سيناء، إقليم القناة...الخ) وتنميتها بما يكفل توفير الاحتياجات الأساسية لجماهير شعبنا. والمهم البدء بالسياسات الإنتاجية بتنمية الصناعة، ووقف مخطط تصفية الأصول الصناعية للدولة، والتركيز على قطاع الصناعة التحويلية باعتبارها القطاع القائد للتنمية (وليس الخدمات)، مع توجه الإنتاج لإشباع الاحتياجات الأساسية لجمهور المصريين، وبناء هيكل متكامل للصناعة يشتمل على الصناعات الثقيلة لتوفير الآلات والسلع الوسيطة ومستلزمات الإنتاج. يتضمن هذا استعادة مصنع الحديد والصلب وتطويره؛ والبعد عما حددته الوثيقة ب " الإبقـاء مـع تثبيت / تخفــيض الاسـتثمارات الحكومية مع السماح بمشاركة القطاع الخاص في مجالات مثل .... تشـكيل المعادن كالحديد والنحاس، وصناعة الألومنيوم والنحاس”.
كما يجب التركيز على تطوير البحث العلمي، والبدء بتوفير النسبة الدستورية للإنفاق عليه، أي 1% من الناتج المحلي الإجمالي، علما بأن إسرائيل تنفق 4.4% من ناتجها المحلي على البحث العلمي مما يوضح أهميته الشديدة، والتي تنعكس على تطوير الزراعة والصناعة ومختلف المجالات؛ فالاستثمار في البحث العلمي يعطي عائدا 1000%. إن استنهاض الجامعات والمعاهد والمؤسسات البحثية المتعددة في مصر، ودعم ميزانيتها التي تعاني الإهمال والتقشف الشديد، هو خطوة أولى لاستعادة وتطوير البحث العلمي.
كما تشتمل السياسات التنموية البديلة على تطوير الزراعة والسعي لتحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي، وهذا ليس مستحيلا كما يحاول البعض إقناعنا، فقد استطاعت دول آسيا كثيفة السكان، والتي كانت تواجه المجاعات، استطاعت تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي بأبحاث استنباط سلالات حبوب عالية الإنتاجية ومقاومة للملوحة والآفات. لقد أهدرت مصر فرصا هامة للاستفادة من البحث العلمي الذي توصل لتلك البذور المقاومة للملوحة بما يتيح توسيع المساحة الزراعية عن طريق الري بمياه مختلطة بمياه البحر أو مياه المصارف الزراعية (مخلوطة أو بكاملها). جاءت أول فرصة في نجاح تجارب العالم الكبير المرحوم الدكتور أحمد مستجير مصطفى وتم إهدار الفرصة، وتجددت الفرصة مع الدكتورة زينب الديب، وتم إهدارها أيضا. ومؤخرا توصلت هيئة الطاقة الذرية في مصر لاستنباط أصناف حبوب قمح عالية الإنتاجية ومقاومة للملوحة، ولا يجب أن نضيع تلك الفرصة الثالثة. من العجيب أن تقوم دولة الإمارات العربية بزراعة الحبوب على المياه المالحة بتكنولوجيا صينية وهي البلد الصحراوية الخالية من الأنهار! ويجب العودة للدورة الزراعية لتحقيق احتياجاتنا الغذائية وتوفير المواد الأولية للصناعة. استعادة الإرشاد الزراعي لمساعدة الفلاحين على تطوير الإنتاج الزراعي.
ولابد أن يتضمن ذلك البديل التنموي وقف نزيف الاستدانة والتوقف عن القروض المشروطة، واستبدالها بسياسات اقتصادية قائمة على تعبئة الفائض الاجتماعي برفض الإسراف الحكومي، وإخضاعه لرقابة شعبية لمنع الإسراف، والتقشف على الطبقات القادرة من خلال ضرائب تصاعدية، وضرائب مختلفة، مع الحرص على ألا يمس التقشف الطبقات الشعبية التي تعاني حاليا بشدة، بل وتوفير الحدود الدنيا لها بما فيها الحرص على تنمية التعليم والصحة من أجل دفع التنمية البشرية كمحور رئيسي للتنمية. وفيما يلي نستعرض أهم الإجراءات التي تستهدف تحقيق تلك الغايات.
السياسات المقترحة من أجل بديل تنموي لبرنامج الصندوق
1- التراجع فورا عن طلب القرض الحالي من صندوق النقد الدولي، والتوقف عن الاستدانة المشروطة بسياسات التقشف والخصخصة والسياسات التي لا تخدم التنمية.
2- التراجع عن الاتفاق مع مجموعة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD وعدم صرف الدفعة الأولى من التسهيل الذي يمنحه في ظل ربطه بتقليص ملكية الدولة كما توضح وثيقة ملكية الدولة.
3- الحفاظ على أصول الدولة الإنتاجية التي راكمتها الأجيال السابقة وعدم التفريط فيها لإنفاق عائدها إنفاقا استهلاكيا؛ مع البدء بإصلاح وتطوير مصنع الحديد والصلب، وتطوير إدارة القطاع العام وتخطيط أهدافه في خدمة الإنتاج والتنمية وتوفير احتياجات الشعب.
4- تطوير الصناعات التحويلية باعتبارها قاطرة التطور الإنتاجي، وتوجهها نحو إشباع الاحتياجات الأساسية للشعب.
5- تطوير الزراعة بالعودة للإرشاد الزراعي مساعدة للفلاح على زيادة إنتاجه، العودة إلى الدورة الزراعية لتخطيط الإنتاج بما يتوافق مع الاحتياجات الغذائية للشعب. وتطوير البحوث في مجال تطوير البذور وطرق الري لزيادة الإنتاج.
6- الاستثمار في البحث العلمي باعتباره الاستثمار الأعلى من حيث العائد الذي يبلغ 1000%، والبدء بالالتزام بالنسبة الدستورية للإنفاق على البحث العلمي، وهي 1% من الناتج المحلي الإجمالي.
7- البدء فورا بتعبئة الموارد للتمكن من سداد أعباء الديون من فوائد وأقساط وتبني برنامج طوارئ لمدة ثلاث سنوات، يطبق أقصى شروط التقشف على الطبقات الغنية والمتنفذة في المجتمع، مع توفير مقومات الحياة الأساسية للطبقات الفقيرة. ويتم ذلك من خلال مختلف الإجراءات الواردة فيما سيلي.
8- فرض الضرائب التصاعدية، بدءا بعودة أعلى شرائح الضريبة إلى تلك التي كانت موجودة في مصر سابقا (40%) وينظر في زيادتها عن ذلك لفترات مؤقتة حسب الاحتياج.
9- تحديد الحد الأقصى للأجور (التي تشمل كل ما يتقاضاه الموظف الحكومي بمختلف البدلات والمسميات) بما لا يزيد عن عشرين ضعفا للحد الأدنى للأجور، ويتم التثبت من ذلك بربط إجمالي ما يتقاضاه كل موظف برقمه القومي من خلال قاعدة بيانات موحدة. ويجب وقف كل أشكال شراء وتحديث السيارات لكل المناصب القيادية بالحكومة والقطاع العام، ووقف كل تجديد في مكاتب الإدارة، ومراجعة كل جوانب المصروفات والإنفاق غير الضروري، على أن يتم ذلك بتفعيل الرقابة الديمقراطية على ميزانيات المؤسسات من خلال العاملين بها، مع أقصى شفافية وإعلان لتفاصيل موازنات الهيئات على مواقعها على الإنترنت ونشرها بالصحف.
10- العودة لفرض ضريبة تركات ورسم أيلولة كما تفعل جميع دول العالم، وكما كانت مصر تطبق في الماضي، على أن تكون تصاعدية، ويتم مناقشة شرائحها وحدود الإعفاء منها ديمقراطيا.
11- النظر في فرض ضريبة ثروة لمرة واحدة، فمن واجب أغنياء ذلك الوطن الذين حققوا ثرواتهم من العمل في ظله أن يمدوا يد العون له في أثناء الأزمات.
12- فرض ضريبة مجزية على البورصة وعند رحيل الأموال الساخنة المضاربة في البورصة.
13- فرض ضريبة على أشكال البذخ المترفة مثل الأفراح التي تتكلف الملايين، وملاعب الجولف التي تهدر المياه في ظل أزمتنا المائية، وغيرها من أشكال الإسراف المسف.
14- تطوير قانون حماية المنافسة ومنع الاحتكار، والحرص على التطبيق الحقيقي له، وتحديد الأسعار بتكلفة الإنتاج مع إضافة هامش ربح معقول؛ لقد تم فرض التسعيرة الجبرية لأول مرة في مصر في ظروف الحرب العالمية الثانية، ولا نظن أن أوضاعنا الآن بأقل سوءا.
15- وقف تبديد الفائض من العملة الصعبة والعملة المحلية بوقف استيراد سلع الترف مثل السيارات الفارهة ومختلف السلع الأخرى الاستهلاكية وطعام القطط والآيس كريم وخلافه، وذلك خلال برنامج السنوات الثلاث حتى يتم عبور عنق الزجاجة في الوفاء بالالتزامات الدولية، وهو إجراء تبيحه حتى قوانين منظمة التجارة العالمية في أوضاع الطوارئ والأزمات لمدة محددة.
16- تعبئة الشعب لمواجهة الأزمة بالحرص على توفير احتياجاته الأساسية من خلال حد أدنى عادل للأجور يكفل الوفاء بالمتطلبات الأساسية للحياة، وتحسين الخدمات الأساسية بدءا بالالتزام بالنسبة الدستورية للإنفاق على التعليم والصحة، وتحسين أوضاعهم من أجل التنمية البشرية الضرورية للتنمية الإنتاجية.
17- استعادة سيادة الجنيه المصري على أرضه باعتباره وسيلة الدفع الوحيدة القابلة للتداول، ومركزة العملة الأجنبية وقصر التعامل فيها على التعامل البنكي في رقابة مشددة للبنك المركزي تجميعا لموارد النقد الأجنبي من أجل القيام بأعباء سداد الديون، أي فرض الرقابة على الصرف التي فرضت لأول مرة بالقانون 50 لسنة 1947.
إن تعبئة موارد المجتمع، والعودة لسياسات تطوير الإنتاج، واتباع سياسة تقشفية على الطبقات القادرة، وتوفير الاحتياجات الأساسية للشعب وإقرار حقه في حد أدني عادل للأجور، وخدمات كفؤة بالذات في مجالي التعليم والصحة، ومحاربة الإسراف الحكومي، وفرض ضرائب للحد من الإنفاق المسرف في الترف والسفاهة، واتباع سياسات مالية ونقدية تخدم كل ذلك، هو الضروري من أجل عبور عنق الزجاجة الذي نمر به. ويجب أن يتم ذلك كله بتحقيق إجماع أو أغلبية وطنية من خلال أشكال ديمقراطية. وشعبنا الذي طالما قدم التضحيات في كل الحروب وأوضح معدنه في مواجهة التحديات القومية، لهو قادر على صنع حقه في الحياة رغم المحن.
المصادر:
(1) الننبه هنا إلى أنه قد تسربت عدة نسخ غير نهائية من الوثيقة تباعا، حتى جاءت النسخة النهائية المنشورة في بعض الصحف وعلى العديد من المواقع الحكومية، واعتمدنا هنا النسخة المنشورة على موقع الهيئة العامة للاستعلامات على الرابط: https://www.sis.gov.eg/Story/236934/%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%82%D8%A9-%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%80%D9%80%D8%A9-%D9%85%D9%84%D9%83%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%80%D8%A9?lang=ar

(2)نص الوثيقة.. المصدر السابق
(3) خطاب الرئيس السيسي في إفطار الأسرة المصرية في أغسطس 2021، كما نشرته جريدة الوطن على الرابط التالي: https://www.elwatannews.com/news/details/5638489

(4) خطاب الرئيس...المصدر السابق
(5) صندوق النقد الدولي "مصر تتوقع التوصل لاتفاق مع صندوق النقد الدولي خلال أشهر قليلة جدا" بالإنجليزية: " Egypt expected to reach agreement on new IMF programme within ‘very few months’" على موقع صندوق النقد الدولي على الرابط: https://english.ahram.org.eg/NewsContent/3/12/466265/Business/Economy/Egypt-expected-to-reach-agreement-on-new-IMF-progr.aspx

(6) القانون 185 لسنة 2020 بتعديل القانون 203 لسنة 1991، وقد اعتمدنا على النسخة المنشورة على موقع منشورات قانونية على الرابط: https://manshurat.org/node/67613


(7)اعتمدنا هنا على نص القانون 177 لسنة 2018 شاملا التعديلات المقرة بالقانون 197 لسنة 2020 على موقع منشورات قانونية على الرابط: https://manshurat.org/node/71107


(8) مقال "خلال زيارة شكرى للوكسمبورج: وثيقة أولويات المشاركة تدشن مرحلة جديدة من العلاقات بين مصر والاتحاد الأوروبى" الأهرام 21 يونيو 2022.

(9) انظر عن ذلك دراستنا المعنونة "قراءة في الموازنة العامة لمصر للعام المالي 2022- 2023"، والمنشورة على موقع الحوار المتمدن على الرابط: https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=762929

(10) أنظر دراستنا "قراءة في الموازنة العامة لمصر....." المرجع السابق
(11) أنظر "مهاتير: ماليزيا نجحت فى مواجهة الأزمة المالية لأنها خالفت صندوق النقد» في المصري اليوم بتاريخ 7 مايو 2010 على الرابط التالي: https://www.almasryalyoum.com/news/details/43296

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان