سد النهضة.. أزمة مستديمة ونقاش موسمي

عصام شعبان حسن
2022 / 8 / 6

مع حلول موسم ملء سد النهضة الإثيوبي، يتجدّد النقاش ليصبح موسميا، ومع سنوات تفاوض طويلة، منذ اتفاق إعلان المبادئ في العام 2015، تبقى الأزمة مستديمة، هذا غير ما سبق الاتفاق، من اتصالات وجلسات حوار. وليس إيمانا بنظرية المؤامرة، بقدر ما أننا أمام المحصلة النهائية، أن الأزمة تحاصر مصر، ويلتقي ذلك مع مساعي أطراف إقليمية ودولية حاليا، ومستقبلا يضيّق الحصار خيارات التنمية، ومنها تقليص إمكانيات الاستثمار الزراعي نتيجة انخفاض حصة مصر من مياه النيل (تعتمد في 97 من احتياجاتها على النيل). ومعها تصبح مشاريع التوسّع الزراعي بلا أفق، ولم نكن في حاجة لتصريحات أطلقها مدير السد، كيفلية نورو، نهاية مايو/ أيار الماضي، عن الآثار الجانبية للملء على مصر والسودان، أو تصريحات أوروبية وأميركية تحمل المضمون نفسه، ويتبقى الخطر في الضرر الجسيم، إذا ما تعرّضت مصر لنقصان المياه في موجة جفاف، كما يؤكّد خبراء مصريون وغير مصريين.
يبدو أن الأزمة مستمرّة، وهناك عوامل لاستدامتها، منها عدم حدوث تغيير في موازين القوى، وفشل الوساطات المختلفة، وعدم توفر عوامل لنجاحها أصلا، بحيث تكون الخيارات أمام القاهرة محدودة، في ظل أزماتٍ متشابكة، وبالتالي، إثيوبيا ماضية في طريقها، حتى وإن تجدّد الجدل عن خيارات مصر في المواجهة، سلما أو حربا، بينما تمارس إثيوبيا ضغطها وتريد تحقيق أقصى استفادة من السد، وهناك من يستفيد من هذا المشهد ويوظفه.
أرسلت الخارجية المصرية خطاب احتجاج إلى مجلس الأمن، متأخرا، بعد شروع إثيوبيا في الملء الثالث (11 يوليو/ تموز 2022)، وطالبت القاهرة مجلس الأمن بالتدخل من أجل الوصول إلى اتفاق ملزم، وشرحت ما هو معلوم بالضرورة، تمسّك مصر بمبادئ التفاوض التي أفشلتها إثيوبيا، وحقها في أن تتخذ ما يلزم لحماية مصالحها، وفقا لقواعد القانون الدولي، رسائل معادة ترسلها مصر، وقد سبق أن طلبت عقد جلسة في مجلس الأمن لنقاش الأزمة، بوصفها تؤثر في حالة السلم والاستقرار في المنطقة، وتمثل خطرا وجوديا وتهديدا لسيادة مصر والسودان، على حد تعبير وزير الخارجية سامح شكري، حينها، لكن الاجتماع الذي عقد في يوليو/ تموز من العام الماضي، أحال الأمر إلى الاتحاد الأفريقي الذي لم يصنع تأثيرا قبل مجلس الأمن أو بعده، رغم مراهنة بائسة عليه وسيطا ضمن مراهناتٍ ليست موضوعية، وحققت إثيوبيا ما أرادت، كرّرت رفض الوساطة غير الأفريقية، ولم يأخذ مشروع قرار تونس، المقدم لمجلس الأمن خلال فترة عضويتها (2020-2021)، ممثلة المنطقة، طريقه للنفاذ، رغم ما تضمّنه من مطالب عادلة، منها وقف الملء بشكل أحادي، والتوصية بمعاودة المفاوضات للوصول إلى اتفاق خلال ستة أشهر، ذهبت تونس، وجاءت الإمارات عضوا غير دائم في مجلس الأمن (2022-2023)، وحثت بعثتها الدائمة لدى الأمم المتحدة مصر وإثيوبيا والسودان على مواصلة التفاوض بحسن نية! هذا على اعتبار أن مواقف الدول الثلاث متشابهة، وأنها على المسافة ذاتها، وعلى دور الإمارات ومبادراتها للوساطة مآخذ كثيرة.
لم تتغيّر خريطة الوساطة وأدوار الفاعلين، الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ولا نتائج حقيقية لتصريحات يصدرها الجانبان تهدف إلى طمأنة القاهرة، وترى فيها أديس أبابا انحيازا لمصر. إذن، هناك افتقاد للوساطة أولا غير عدم توفر عامل الجدية والنزاهة لدى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وثانيا توظيف أزمة سد النهضة كإحدى نقاط مواجهة بين تكتلات دولية تتنافس على النفوذ في أفريقيا، غير توظيف إثيوبي لقضية السد، إطارا يجمع دولة مهدّدة بالتناحر الإثني، وتريد تنمية متسارعة معتمدة على السد.
لا تدفع الأطراف الدولية للتوصل إلى اتفاق عادل يوقف إثيوبيا عن المضي في طريقها. وفي ظل غياب أدوات قوة حقيقية في قبضة السودان ومصر، أو تعطّل بعضها، يستخدم سد النهضة أداة ضغط على دولتي المصبّ، وتسير الإدارة الأميركية الموقف حسب مصالحها، رغم ما قد تشير إليه لقاءات من ممثلي الإدارة الأميركية من تفهم لحقوق مصر المائية، كما لقاء ثنائي بين الرئيسين عبد الفتاح السيسي وجو بايدن في قمّة جدة (رفض أن يكون موضوعا رئيسيا في القمة)، الشهر الماضي (يوليو/ تموز) أو تصريحات للمبعوث الأميركي في القرن الأفريقي، مايك هامر، خلال جولته، أخيرا، في القاهرة وأديس أبابا وأبوظبي.
لم تمارس الولايات المتحدة دورا حقيقيا طوال فترة الأزمة باستثناء مفاوضات شاركت فيها وزارة الخزانة الأميركية في عام 2020، وقد تهرّبت فيها إثيوبيا وتحفظ السودان على مسودة اتفاق مشترك، وما جاء بعد ذلك من تصريحات أميركية دبلوماسية لا يمكن رؤيتها من دون خيوط علاقات تمدّها الولايات المتحدة مع إثيوبيا، وترى فيها، كما أطراف دولية، قيادة جديدة بازغة في أفريقيا، ولا تمارس عليها ضغوطا حقيقية بشأن قضية السد، ويمكن، في السياق أيضا، تأمل ردود الفعل الأوروبية والأميركية تجاه جرائم حرب ارتكبها رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد (صاحب جائزة نوبل للسلام)، وجبهته، في صراع إثني محتدم، لم يمس نظامه بالعقوبات. وفي النهاية، التكتلات الكبرى والمجتمع الدولي ليست جمعية خيرية. ولا قيمة حقيقة لمجلس الأمن اليوم إلا كونه أداة تستخدمها الدول الكبرى لحفظ مصالحها وصيانتها، ذلك أن توفرت عوامل استخدام الأمم المتحدة أو كانت هناك حاجة لاستخدامها في الصراعات الدولية التي عادت في فصول حرب باردة وأخرى مشتعلة في أوكرانيا.
كما يبرز سد النهضة ساحة صراع متعدّد الأوجه، إقليميا ومحليا ودوليا. في إثيوبيا هناك أداة حشد وتحلق حول السلطة، ويعزّز ذلك اتهام أديس أبابا كلا من السودان ومصر بتدبير المؤامرة ودعم المتمرّدين، وذلك ضمن توظيف سياسي، ومواجهات بين أطراف الأزمة الثلاث. وفي الساحة الدولية، تقف الصين وروسيا بوضوح داعمةً مشروع السد، وكان موقفهما في اجتماع مجلس الأمن واضحا، وهناك مصالح اقتصادية للصين، وتعويل عليها في زيادة مساحة النفوذين الصيني الروسي في مقابل نفوذ أوروبي يتقلص تدريجيا، لكنه يحتفظ بدور أفريقيا تاريخيا باعتبارها مصدرا للموارد، واستراتيجية أميركية للعودة إلى القارّة والحضور، خصوصا في القرن الأفريقي.
وتكشف جولة المبعوث الأميركي إلى القرن الأفريقي، مايك هامرن، وزيارتاه إلى مصر وإثيوبيا إحدى حلقات صراع دولي يدور في منطقة القرن الأفريقي، سد النهضة أحد فصوله، حيث تزامنت زيارتاه مع جولة أفريقية لوزير خارجية روسيا، لافروف، شملت مصر وإثيوبيا وأوغندا والكونغو، وكان خطابه دفاعا عن مواقف روسيا ومهاجمة للهيمنة الأميركية على العالم وتحفيز للدول الأفريقية لإنتاج عالم متعدّد الأقطاب، بينما تحضر الولايات المتحدة لعقد قمة القادة الأميركية الأفريقية، منتصف ديسمبر/ كانون الأول المقبل، وستكون القمة فرصة للولايات المتحدة لأن تلعب دور الوساطة مجدّدا.
يبقى المشهد أن إثيوبيا تعلن "عدم رغبتها في إحداث ضرر بالغ لدولتي المصبّ"، لكنها تؤكد رفضها توقيع اتفاق ملزم بشأن الملء والتشغيل والإدارة، وهو المطلب المصري والسوداني لتلافي حدوث ضرر بالغ، إذا تعرّضت مصر لسنوات الجفاف. وتراهن إثيوبيا على موازين القوى مستقبلا، أملا في تطورها ورجحان الكفة لصالحها، وفي الوقت نفسه، تراجعت عن السقف العالي الذي وضعته سابقا في ما يخصّ فترة ملء بحيرة السد، حيث امتدّ من ثلاث سنوات إلى سبع، وهو ما تراهن عليه مصر لتفادي نقصان المياه بدرجةٍ لا تُحدِث أزمة كبيرة، لكن هذا السقف يظلّ مرهونا بتغيراتٍ سياسية في الساحتين، الإقليمية والدولية، وقدرات إثيوبيا وردود أفعال مصر مستقبلا، إذ ما ظلت الأزمة قائمة. ولا يعني تعهد إثيوبيا قولا وتطبيقه خلال مراحل الملء الثلاث أنها ستلتزم مستقبلا بهذا الاتفاق غير المكتوب، أي أننا ما زلنا أمام أزمةٍ تواجه فيها إثيوبيا مصر والسودان، وترسم خطواتها ومصائرها بعوامل عدة، منها وضع أطراف الأزمة، وبما فيها تعقد ظروفها السياسية والاقتصادية، كما حال الخرطوم، والذي يؤثر في إمكانات مؤسّساتها في عملية دفع التفاوض بشأن السد. وفي سياقٍ متصلٍ، يمكن رؤية صراعات أخرى بجانب التصريحات المتبادلة والتسابق الدبلوماسي بين مصر وإثيوبيا لحيازة نفوذ في الساحة الدولية، فهناك مناوشات عسكرية على الحدود الإثيوبية ــ السودانية مع إعلان عملية الملء الثالث، وإعدام إثيوبيا جنودا وأسرى سودانيين، وغيرها من رسائل مبطنة، غير عملية التوظيف السياسي لقضية السد إثيوبيا.
إجمالا، يمثل خطاب مصر إلى مجلس الأمن إعلانا بفشل الوساطات، وطلباً لتجدّدها مرة أخرى، وإعلانا ثالثا أو تحذيرا لإثيوبيا بأن تلتزم بسبع سنوات فترة لتعبئة بحيرة السد حتى لا يُحدث الملء ضررا بالغا. والخطاب أيضا خطوة تعلن فيها القاهرة موقفها مجدّدا.
في كل الأحوال، بقاء الأزمة بهذا الوضع يعني أنه لا تطورات مؤثرة حدثت، وهذا ما يستدعي من مصر والسودان مراجعة الوساطة وموقف الوسطاء وطبيعة أدوارهم. أما إذ ما فشلت جهود الوساطة مرة أخرى، فستبقى المخاطر تهدّد مصر والسودان، وتتعاظم بالنسبة للقاهرة بوصفها المتضرّر الأكبر في ما يتعلق بالمياه، وما يرتبط بذلك من معيشة المصريين ومستقبل التنمية في سنوات مقبلة، وهذا يفتح الباب مجدّدا لخياراتٍ تتجاوز التصريحات لمواجهة تهديد حقيقي قائم، والتعامل فعليا مع الأزمة، كما تصريحات رسمية، بأنها أزمة وجودية.




عصام شعبان
06 اغسطس 2022

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان