ذكريات الصبا..الشيخ، اتحاد الطلبة الصدور .18.

مهند البراك
2022 / 8 / 6

ذهبت مع والدي الى مجلس الشيخ الدهوي الاسبوعي في داره، بعد ان دعى والدي و من يرى استصحابه معه، لجلسة ذكر للمرحوم (سيد لطيف) الشخصية الإجتماعية السياسية التقدمية الذي اغتيل قرب منزله في (القطانة) بعدة طعنات خناجر و تبيّن ان الفاعل كانوا مجموعة، امكن تشخيص احدهم الذي كان من (جماعة الشيخ) و كان قد هدد السيد اكثر من مرّة بالقتل ان لم يكف عن نشر افكاره المؤيدة للإصلاح الزراعي . .
و قال الشيخ الدهوي في المجلس الذي ضمّ اكثر من عشرة رجال بينهم المحامي الطائي و حكوّمي (ابو نهرو) و مهدي الملاك :
ـ وصلتني كثير من الأخبار المقلقة فعلاً و خاصة ممن هم على صلة وثيقة بالحوزة . . كما تعرفون ان الدولة الإيرانية و المرجعيات الدينية العليا فيها، و بغض النظر عمّن يحكمها تشكّل ركناً اساسياً في بناء و تمويل مرجعية النجف العليا لأسباب تأريخية متعددة (اضافة الى التمويل المستمر لوقف "اوده" البريطاني ـ الهندي) . . و قد لعبت الدولة الشاهنشاهية دوراً كبيراً في ايصال السيد محسن الحكيم ليكون المرجع الأعلى فيها، من جهة.
من جهة اخرى فإن ثورة 14 تموز و اجراءاتها الثورية لصالح الفقير و المجتمع بقوانين الإصلاح الزراعي، و قانون الأحوال الشخصية الذي انصف المرأة ، ثم الى قانون رقم 80 بتأميم اكثر من 90% من عائدات النفط و حقوله . . اثارت الاحوال في ايران و انعشت اليسار و الحركة الشعبية الإيرانية التي ازدادت نشاطاتها و تأييد الجماهير لها . . حتى صارت تشكّل رعباً حقيقياً لحكم الشاه و دوائره، فعمل على دعم القوى التي تناوئ حكم عبد الكريم قاسم و اخذ ينسّق معها و طلب من السيد الحكيم ان يبذل جهده في تأسيس حزب اسلامي شيعي (على غرار الاسلامي السنيّ) يناوئ الحزب الشيوعي العراقي الذي يزداد شعبية لضربه ضربة قاصمة، و يناوئ عبد الكريم قاسم لإسقاطه، و زوّد السيد الحكيم بأموال هائلة لتأسيس هكذا حزب و تغطية مصاريفه . .
فعمل السيد الحكيم مع المراجع التي يثق بها على تأسيس هذا الحزب، و على تمويل انواع العصابات و الجماعات لضرب الشيوعيين و من يؤيدهم من المراجع الدينية و كان المرجع الديني (سيد لطيف) آخر ضحاياهم حتى الآن، و استفاد الحكيم من ان ابناء عدد من المراجع الموالين له، هم قياديون في حزب البعث ممن كانوا يعدوّن لإسقاط الزعيم، في الوقت الذي فيه آخرين يعودون للشيوعي و لعموم اليسار و الديمقراطية . .
و سأل حكوّمي (ابو نهرو) :
ـ شيخ الدهوي، كيف يقوم شباب او رجال مسلمين متدينين من عصابات، بقتل مجتهدين اسلاميين ؟؟ اليسوا هم مسلمين و يهابون كبار رجال الإسلام ؟؟ يعني كيف مسلمون يقتلون مسلمين بأوامر من مرجعية اسلامية عليا و غيرها، كما قتلوا سيد لطيف، و الاّ كيف ؟؟ اليس في ذلك معصية لله و للدين الاسلامي الداعي الى الأخوّة و نصرة الفقير و قوله تعالى (و جادلهم بالتي هي احسن) و حديثه الكريم (انما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق) ؟؟
ـ عزيزي ابو نهرو، كما فهمتُ من رجال مهمين في الحوزة . . ان المرجعيات مثل قيادات دينية اخرى كالفاتيكان لديها عصابات تنفّذ اوامرهم . . عندنا تقوم باستدراجهم و تجمّعهم كأطفال من عوائل فقيرة جداً و ممزقة و بخطوات مدروسة، يقوم بها (ساقطون) من اتباعها الذين يعتاشون على المرجعيات في اكلهم و مصاريفهم و سكنهم . . يبدأون بـ (كسر عينهم) كما يقال عندنا، اي كسرهم اخلاقياً ليكونوا تابعين اذلاّء لهم، و ليحطّموا شعورهم و احاسيسهم و يدرّبوهم ليكونوا قتلة بدم بارد (ينفذون اوامر فقط، بفتوى دينية خشية من عقاب الله) . . ليكسبوا حظوة او جائزة ما كهدية من الكبير، و وعد منه بأن يكون شفيعه يوم القيامة و يحصل على مكان في الجنة . .
ـ نرجع الى موضوعنا، هناك جبهة تتشكّل لإسقاط النظام يشترك فيها : البعثيون، ناصر و القوميون العرب، القوميون الأكراد، شركات النفط، ايران الشاه، المرجعية العليا لسيد محسن الحكيم، بقايا النظام الملكي السابق و بقايا الإقطاع . . لإسقاط حكم الزعيم عبد الكريم الذي لايزال لايصدّق بخطورتهم الفعلية عليه، بعد ان سامحهم و حكمهم باحكام مخففة (عدا عدد من الضباط لإنطباق القانون العسكري عليهم) في محاولاتهم السابقة للإجهاز عليه و على حكمه بـ (عفا الله عمّا سلف) . . . فالوضع صار (ظلمة و دليلها الله) و الله يستر من القادم !!
و بعد نقاشات متنوعة و اثباتات متزايدة، شعر الجميع بخطورة الأوضاع فعلاً و ان عليهم ترتيب شئ ما لإيقافها او للوقوف ضدها، فيما فكّر بعض آخر بضرورة مغادرة البلاد خوفاً على عوائلهم و على ما يملكون، و الاّ سيتدمّرون.
و لابد من القول هنا، انه بعد سنين اشار مؤرخون و باحثون جادوّن الى ان فتوى (الشيوعية كفر و الحاد)، جاءت بدفع من دوائر شاه ايران و تمويلها ، في زمن ذهبت فيه مرجعية السيد محسن الحكيم العليا في النجف، ذهبت بعيداً في خروجها عن خط و نهج الحوزة العلمية الشيعية العليا التأريخي في النجف منذ مئات السنين . .
اخبر الدهوي ضيوفه في بداية صيف ذلك العام بان الجلسة الأسبوعية ستتواصل لشعوره بالقلق لما ستؤول اليه الأحداث . . و على ان تكون كل اسبوعين، لأن عليه زيارة الشامية كلّما تطلب الأمر، ووفق ما يسمح به وقته لإنشغاله المتزايد بأمور اهله هناك بسبب التجاوزات التي تحصل عليهم و على الأراضي الزراعية العائدة لهم هناك، من قبل سراكيل الإقطاعي السابق في المنطقة، والتي صارت تأخذ مديات خطيرة على وصفه لها، و لما قد تتسبب بصدامات مسلحة بين اهله و ناشطي الإصلاح الزراعي من جهة و السراكيل من جهة اخرى، بسبب الأرض و مياه السقي و ما تحقق من تطبيق الأصلاح الزراعي، الذي يعتبره الإقطاع و من معهم، تحديّ لإرادة الله كما ورد في القرآن في سورة البقرة (و الله يرزق من يشاء بغير حساب)، كما يوجّه و يتعكّز عليه وكلاء المرجع الاعلى السيد الحكيم و يحرّضون به.
استمرت الجلسات على ذلك المعدّل وكان الجميع متشوقين لتلك اللقاءات التي كان الدهوي يدعو اليها و صارت تضم اضافة الى الحضور الإسبوعيين، وجوهاً وطنية معروفة من قادة الحزب الوطني الديمقراطي المشاركين في الحكومة و دوائرها، السيد (الحيدري) قائمقام الكاظمية، محامين مرموقين و اطباء معروفين . . لتبادل اخبار وشؤون البلد المتنوعة التي كان الجميع متشوقين لمعرفة المزيد عنها و عن تطوراتها الأخيرة . . . خاصة وان التوترات الأجتماعية والسياسية والدينية كانت في تصاعد مستمر لايهدأ . .
رغم ان الحالة في الكاظمية، كانت جزءاً من حالة الركود الظاهري و مسار الحياة اليومية، الاّ انها كانت مليئة بالحذر والترقب السائد في البلاد و الذي كان يهدد بحصول انقلاب عسكري . . وكانت لقاءات رجال السياسة والمتأثرين بها والديمقراطيين الذين التجأوا بعوائلهم الى الكاظمية حفاظاً على ارواحهم من محلات بغداد التي تنمّرت فيها القوى الرجعية والقومية المتطرفة اكثر من السابق، بعد ان زادت من نشاطاتها في التكسير و الحرق و التحطيم و مطاردة الديمقراطيين و عوائلهم، التي قامت بها عصابات و جماعات صارت اكثر تنظيماً و عدوانية من السابق . .
في وقت كانت فيه اللقاءات و المجالس في العاصمة بغداد تكبر وتزداد و صارت تضم ضباطاً متقاعدين و آخرين لم يُحالوا بعد على التقاعد لكونهم يساريين، كان قسم منهم منظمّين في الحزب الشيوعي و الديمقراطي اليساري و منظمات ديمقراطية و نقابات صارت اغلبها محظورة او مجمّدة بقرارات من مكتب الزعيم . . الاّ انهم كانوا يدورون في حلقات شبه مفرغة . . ان حصل انقلاب، هل سيدافعون عن الزعيم ام كيف ؟؟ . . في اوساط ضمّت عوائل متداخلة سنية شيعية كردية مسيحية صابئية و يزيدية متآلفة، سواءً في المذاهب او الاديان و القوميات . . لشعورهم بوحدة المصير و وحدة الحقوق، بعد ان ضعف التماسك القومي و الديني و المذهبي، بفعل المصالح الأنانية و الصراعات السياسية التي كانت تزداد حدة آنذاك ولاتفرّق بين انتماء ديني او قومي . .
في الكاظمية كانت مأثرة و بطولة الإمام الحسين و احياء و حضور مجالس التعزية و المواكب الحسينية و التشابيه و شعائر محرم و عاشوراء و الملابس السوداء و جاذبية الالوان على البشرة و المشاركة الكبيرة للشابات و الشباب فيها و التزام الجميع بالأدب (عدا جماعة الشيخ)، الأدب الذي فرضته قدسية تضحية الإمام الحسين و رهطه في سبيل الشعب و الفقراء، اضافة الى طعام المناسبة الخاص في احياء ذكرى الرجولة و سند و إباء النساء و وقفات البطولة، التي كانت تُنشد في الفعاليات . . و كانت تحفّز و تديم و ترفع روح تحديّ الظلم و الظالمين و تدعو الى الانتفاض و الثورة و روح الاستعداد لما قد يحصل في البلاد !!
و كانت المواكب الحسينية و خاصة موكب الصفّارين تثير مشاعر متنوعة من الحب و الألم على الفقدان، و تعزز الأمل في تحقيق ماعجز عنه السابقون الذين ان عجزوا، الاّ انهم رسموا ملامح تغوص عميقاً في النفوس، ملامح البطولات و التضحيات في سبيل الحق و العدالة . . كل ذلك و غيره كان يحفّز و يثير في نفوس اهالي الكاظمية سلوكاً و خُلُقاً ثورياً . .
و في احد الايام في المتوسطة و بعد انتهاء الفرصة الأخيرة بين درسين و كنا في حالة الذهاب الى الصفوف حدث ارتباك بين الطلبة و صار احدهم ينظر للآخر و البعض يسرع و الآخر يقف و الكل عيونهم مفتوحة بكاملها، و من الهمسات عرفت ان مجموعة من رجال الأمن كانوا يلاحقون و يحاولون محاصرة احد الطلبة الذي كان يسرع نحو الحمامات، كان الطالب في الصف الثالث (عباس) ان لم تخني الذاكرة، و كان معروفاً بين الطلبة كطالب يساري نشيط في توزيع المناشير السرية، و اشتهر بين الطلبة بكتابة شعارات الحائط . .
و دون سابق معرفة شخصية بيننا، اقتربت منه و تبادلنا الإبتسام و اخبرته بأنه يستطيع القفز من سياج المتوسطة الى بيت (الشيخ الدهوي) و ان يختفي بين اشجار النارنج و شجيرات ورد الجوري هناك، و اني سآتي الى هناك بعد انتهاء الدوام و اخبر الشيخ بما حصل، و عليه ان يطمئن . . في وقت كان فيه سياج المتوسطة مرتفع و في اماكن اخرى منطبق على ابنية الجيران الاكثر ارتفاعا، او مرتفعاً ان تمكن الفرد عبوره، فإنه سينفذ الى عائلة اخرى لا يُعرف كيف ستتصرّف بوجود غريب عندها دون استئذان . .
و بسرعة ابتسم عباس ابتسامة سريعة و اجابني :
ـ صار عزيزي و الف شكر !
تم ذلك في ثواني و كنت ذاهباً الى الصف و بقيت اقلّب فكري و احدّث نفسي . . (كأنه يعرفني و الاّ كيف وثق بي ؟؟ . . كيف ؟ ) و مضى الأمر بهدوء من جانب، و من جانب آخر كان النقاش بين المدير (عريف عودة) و رجال الأمن صاخباً مسموعاً :
ـ شنو داتقشمر علينا ؟؟ ولك تبقى قَشْمَرْ . .
ـ ليش خابرتنه على عباس و هذا المجرم لم يداوم اصلاً هذا اليوم، كما اخبرنا الفراش (كان الفراش يسارياً و يحمي الطلبة اليساريين) ؟؟
ـ عزيزي بس على كيفكم لاتصيّحون احنا في مدرسة مو بالمكتب رجاءً . . آني شفته بعيني.
ـ يابه دروح هاي عينك بدأت تسورب . . مو سويّناك مدير و هلله هلله ؟؟
و بعد انتهاء الدرس الاخير استطعت تخليص عباس بذهابي الى بيت الشيخ الدهوي و مقابلتي ايّاه و اخباره بما حصل، و ثمّن الشيخ موقفي و ربّت على كتفي و قال :
ـ اتفضل ابني بيتي بيتكم، تحبوّن استريحوا بالحديقة الى ان نشوف ان الشارع خالي . .
و بعد خروجنا الى الشارع و حديثنا، اخبرني عباس بأنه صديق مفيد و محمود و بانه رآني عدة مرات معهما و عرف اني اخوهما . . و بعد ايام اخبرني محمود بأن هناك صديق عزيز عليه يريد يشوفني و ان هذا الصديق هو (شندي) و انه من قادة الحركة الطلابية السرية ؟!، و ان عليّ ان احفظ اسرار الحديث معه و لا اتحدث بها لأقرب الناس . .
كان (شندي) شاباً نحيفاً طويل القامة يعتمر بيرية رمادية انيقة، يتحدّث بهدوء و بكلمات بسيطة بلكنة اهل الكاظمية عرفت بعد سنوات انه كان طالباً جامعياً، و اشار الى اعتزازه و اعتزاز (الرّبُعْ) بما قمت به في مساعدة عباس للافلات من الإعتقال، و دخلنا في نقاشات متعددة عن محلات و حواري الكاظمية و اسمائها، و فرح بهوايتي بركوب الدراجة الهوائية و معرفتي بتفاصيل مناطق الكاظمية . .
و في النقاش قال شندي :
ـ احنا و منذ فترة نلاحظ نشاطاً متزايداً لجماعات (اسلاموية) من موامنة و من مهن متنوعة و ليسوا طلبة ، بغطاء الدعوة الى الصوم والصلاة، يقومون بزيارات للمدارس الثانوية والمتوسطة بحجج متنوعة و قسم منهم مزوّدون بهويات فيها اسمائهم، باتفاق مع مدراء المدارس او مع خفراء الباب سواءً بالتهديد او بدفع اموال . . و يعملون على التحريض ضد القوى الوطنية و يكتبون شعارات على الحيطان الداخلية للمدارس يعتبرون فيها السياسة (كفر و الحاد) اثر فتوى السيد الحكيم . .
بل واكثر من ذلك فانهم يشكّلون مجاميع مسلحة يؤمّنْ لها السلاح من ملازم محمد ابن الشيخ الخالصي الذي تنشط جماعاته باسم (جماعة الشيخ) او (جماعة شيخ محمد) . . و علينا ان ندافع عن انفسنا بالعمل السري و بما يتوفر من سلاح للدفاع عن النفس . . و اتحاد الطلبة يحتاج لأصدقاء يساعدوه بالأخبار التي تحمي اعضائه من المخاطر، اصدقاء ليس بالضرورة ان يكونوا اعضاء لجان و يحضرون اجتماعات و لكن مخلصين و يساعدون الوطنيين . .
. . . .
. . . .
سفرة اتحاد الطلبة العام الى (الصدور)

من جانب آخر سعت الإتحادات و الجمعيات و النقابات المجمّدة اجازاتها، الى القيام بنشاطات اجتماعية توفّر مجالات لتلاقي و لنقاش و تبادل اخبار و تصورات لأعضائها و عضواتها، كالسفرات و اقامة حفلات بمناسبة الأعياد و الأعراس و الموالد المتنوعة، و قد نشط اتحاد الطلبة العام في مجال السفرات . .
كانت سفرة يوم السباع الخالد في 14 نيسان التي تأجلت لأسباب فنية الى بداية صيف عام 1962 ، كانت سفرة لاتنسى، بحشد طلابي كبير بل وكبير جداً على سفرة طلابية، حيث جرت السفرة بمشاركة آلاف من الطلبة والطالبات ملئوا اكثر من مئة باص كبير، يوم تم اختيارنا كأشبال لـ (اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية) ضمن فرع الإتحاد في اعدادية الكاظمية للبنين .
كانت السفرة الى سد ديالى الغاطس في بساتين (الصدور) على اطراف (خانقين) . . وكانت قد جرت رغم امتناع السلطة على اجازتها تحريريا ـ كما جرت العادة آنذاك ـ وانما وافقت موافقة تليفونية شفهية بالأتصال بمقر الأتحاد الكائن في الوزيرية مقابل كلية التربية آنذاك . في زمان حشدت فيه الشرطة ورجال الأمن امكاناتهم لمواجهة الفعاليات الجماهيرية المطالبة بـ : الديمقراطية وباطلاق سراح الموقوفين السياسيين ورفع الأحكام العرفية بحقهم، والفعاليات المطالبة بـ (الديمقراطية للعراق والسلم في كردستان)، وبدأت تضيّق على الطلبة . .
واضافة الى لافتة (الطلبة سند امين للجمهورية) التي زيّنت مقدمة الباص الأول، كانت لافتات (السلم في كردستان)، (على صخرة الأتحاد العربي الكردي تتحطم مؤامرات الأستعمار و الرجعية)، (من اجل حياة طلابية حرة، من اجل مستقبل افضل)، و من قصيدة الجواهري الخالد (يوم الشهيد) :
" يوم الشهيد طريقُ كل مناضل وعرٌ، ولانُصْبٌ ولااعلامُ " . . تزيّن جوانب الباصات المتتالية .
و وسط جوّ مرح وحميمية رغم الحذر والأنتباه مما يمكن ان يعرقل سير الباصات، كانت حتى الملابس تحكي وتعني الكثير، فاضافة الى الملابس العادية، وارتداء البعض الملابس العربية بالعقال والعباءات الرجولية الأنيقة، كانت الملابس الكردية الفضفاضة التي زادت من وسامة و زهو مظهر الشباب، و زادت من جمال الشابات الكرديات، كانت الملابس القومية الكلدانية و الآشورية شيئا جميلاً من شكل آخر وشيئاً جديداً على كثير منا آنذاك من العرب، وسط تفهم واحترام مَن تحدين الأوضاع القائمة آنذاك، وحضرن بحجابهن ولم ينزعنه . هناك انتبهت للمرة الأولى ان العراقيين وليس غيرهم يتحدثون بعدة لغات هي كلّها لغاتهم ! بعد ان كنا كطلبة فتيان نتصور ان هناك عربي وكوردي فقط . . و(عجمي) يتكلم به غير العراقيين ؟ !
وقد غنىّ في السفرة الوجه الجامعي المعروف (عبد الرحمن شمسي) الشهير بـ (بلبل الجامعة) آنذاك . . غنىّ " عمي يابياع الورد، كليّ الورد بيش كليّ ؟ "، "فوك النخل فوك . . "، " هه ر بجي كورد وعرب رمز النضال . . هاي خوّتنا وتاريخ انكتب، النا حافل بالمجد والتضحيات . . صلبه وحدتنا ومعدنها صلب، ما تهزهزها العواصف للأبد ! ! " و التي كان كل مقطع منها، يقاطع بعواصف من التصفيق والهلاهل التلقائية الوجدانية حماساً لمعانيها .
ثم القيت قصيدة " الريل وحمد " التي القاها الشاعر المعروف (مظفر النواب) نفسه، والتي كانت تقاطع بالترديد بحرارة وبالتصفيق معه، اضافة الى قصيدته الشهيرة الأخرى التي غناها بلبل الجامعة، " سعد يا سعود يابيرغ الشرجية" التي اهاجت المشاعر ورفعت الأحاسيس وكانت تقاطع بهوسات منسجمة الأيقاع " هذي يشامغ الثوار تبرج نار حربية" .
والقيت اغاني وقصائد عن انتصار الثورة الجزائرية، وصياغة مناشدات للأسراع باطلاق سراح المناضلة الجزائرية البطلة (جميلة بوحيرد) هي والمناضلة (جميلة بو باشا) رغم انتصار الثورة واستقلال الجزائر . . ـ و قد أُطلق سراح البطلة جميلة بوحيرد اثر مناشدات اممية متنوعة بعد فترة قصيرة و دعاها الزعيم لزيارة العراق، فزارت بغداد التي غنّت طرباً في استقبالها، و زارت مرقد الامامين الكاظميين وسط استقبال رسمي و شعبي قلّ نظيره في الكاظمية ـ . .
و في السفرة اقيم معرض كبير في الهواء الطلق للصور التي رسمها طلاب وطالبات معهد الفنون الجميلة في بغداد، لاازال اذكر منها الرسوم الجميلة للرسام الكاظمي الشهير " اتحاد كريم"، التي كانت بقلم الرصاص العادي والذي كان مستعدا لرسم بورتريه لمن كان يلحّ عليه لرسمه، بخطوط سهلة ممتنعة امتاز بها قلمه الرشيق .
وتحت الشمس التي لم نكن نحسّ بحرارتها العالية و وسط نسائم نهر ديالى (سيروان) والروافد والبساتين المحيطه هناك، في بدء ذلك الصيف، تجمع الشباب والشابات الكرد يدبكون الدبكة الكردية وكنا نحن الشبيبة نحنجل معهم بعد ان دعونا بود للمشاركة معهم، و صرنا مشغولين بجدية كبيرة بالتدقيق بحركة اقدامهم، كي نضبط ايقاع الدبكة الذي كان يجري سريعاً وبحماس، وسط فرح وضحك وتشجيع البعض للبعض، على انغام ساحرة وصوت يخلب النفس، عرفت بعدئذ انها كانت اغاني والحان المغني الكوردي الشهير (حسن زيرك)، كانت تُبثّ من مكبر جهاز تسجيل كبير (لم يكن يوجد أخف منه بعد، آنذاك)، كان متصلاً ببطارية احدى الباصات .
في طريق العودة الى بغداد، جرت اكثر من محاولة من مجاميع كانت تحمل عصي، لايقاف السيارات بشتائمها وبقذفها الباصات بالحجارة، الاّ ان تلك المجاميع كانت ترتد بعد اكتمال رؤية مشهد طول القافلة وصدوح اناشيد " من السجون تهفو قلوب بحنين وباشتياق . . ياليت انّا و النصر دانٍ في الطريق مع الجموع " ، التي كانت تهيج التصفيق وعلامات التضامن من سكنة القرى والمدن الفقيرة الصغيرة المترامية على الطريق . .
وكانت تهيج النفوس وتجدد العزم على التضامن مع سجناء الحرية، وسجناء الفعاليات الهائلة المتنوعة التي كانت تجري بجهود الحزب الشيوعي والوطني الديمقراطي من اجل السلم في كردستان ، يوم كانت الحرب العدوانية ضد الشعب الكردي، الشغل الشاغل للعراقيين رجالاً ونساءً في الوسط والجنوب خاصة، ونظّموا من اجلها مظاهرات ووجهت بقسوة، حين عمّت مدن العراق من اقصاه الى اقصاه، وملئت شوارع بغداد العاصمة بشتى الأشكال .
واضافة الى اجواء الفرح والتفاؤل وتجديد العزائم وتربية النفوس، لعب " اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية " دوراً لاينسى، طيلة العقود التي كان فيها الشارع العراقي يموج ويغلي بالنشاط من اجل الديمقراطية والحقوق ومن اجل صيانة ما تحقق من مكاسب للبلاد، فالطلبة شكّلوا و يشكّلون الشريحة التي اضافة الى انها تمتلك الطاقات والحيوية والثقافة، فأنها تريد ـ ومن حقها ـ ان تعيش، وان يعيش البلد حياة سعيدة افضل، كبقية بلدان العالم .
لقد رسخت فعاليات الأتحاد في عقولنا وافئدتنا الفتية منذ ذاك، الروح الوطنية، روح التآخي القومي والعرقي، روح حب الناس واحترام المرأة ودعم الضعيف وعدم السكوت على الظلم، وفيه ومنه تعلّمنا ان مواجهة الظلم لاتتم بالتهريج ولابالتمني فقط، بل فتّح عيوننا انذاك على ان هناك قوى حاكمة واخرى تدفع للتهريج، لأمتصاص النقَمْ ضدّ تلك القوى، و بالتالي توجيهها للصدام بالمنظمات الجادة في العمل من اجل الحرية و الديمقراطية، من اجل حرف و تشويه واجهاض المطالب . . لقد نبّه الأتحاد، الشباب وحذّرهم من المآسي التي قد تنجم بسبب الأستهانة والأستخفاف بالطغيان واهمال بناء الوسائل الفاعلة لمواجهته . .
هناك في سفرة " الصدور "، التقيت بالمناضل الطلابي المعروف رغم تكتّمه (الشندي) الذي حيّاني مبتسما مصافحاً وكأني ندّه، لتجمعنا الشهور معاً بعد اقل من عام بالشهيد البطل (سعيد متروك) حين كان يقود المقاومة المسلحة ضد الأنقلاب الفاشي عام 1963 في " الكاظمية " و كنّا من ربعه . . كما سيأتي . . (يتبع)

6 /8 / 2022 ، مهند البراك

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان