ميديا 1988(لارس فون تراير):عن الاسطورة والبدايات

بلال سمير الصدّر
2022 / 8 / 6

من بدايات لارس فون تراير،يحقق مخرجنا فيلما عن اسطورة ميديا التي عالجها ذات مرة بيير باولو بازوليني في أوخر الستينات بنفس الاسم.
الفيلم مقتبس عن نص من كتابة كارل ثيودور دراير وبريير توماسن...في مقدمة الفيلم،يقول تراير:
بعد مسرحية يوروبيدس (ميديا)،لم يضع كارل ثيودور دراير فيلمه عنها،هذه ليست محاولة لصنع فيلم دراير ولكنها تقدير لتأثير مادته وتفسير شخصي للنص وبالتالي تكريما للاستاذ.
ينسج الفيلم على خطين متازين،الخط الدرامي والخط الوثائقينبحيث يستخدم تراير التص الذي يظهر على الشاشة،ومع تقدم الفيلم أكثر يتغيب الخط الوثائقي ليسير الفيلم ضمن سردية معينة تحاكي اسطورة ميديا الاغريقية من زاوية معينة....
ميديا:اي الماهرة في السحر وهي اسطورة اغريقية:فيلم للارس فون تراير
بنى جايسون سفينة آرغو وابحر الى كولشيس للحصول على الصوف الذهبي الذي كسبه بمعاونة ميديا الجميلة والحكيمة التي عطته حبها وقلبها...حبها الذي تحول الآن الى كراهية.
ويتابع تراير مستخدما الجمل السردية:
خان جايسون ميديا وابنيهما الصغيرين اللذين انجبتهما منه،هربا معا من كولشيس،وبعد رحلة محفوفة بالمخاطر استقروا في كورنيت بوصفهم خارجين عن القانون...
يتوبى جايسون الحكم:يقول كريون:
لإثبت ايماني بجايسون،سأربط مصيره بمصيري وبمصير دولتنا عبر تزويجه بابنتي...
جايسون وغلاوس سيكونان ملك وملكة المستقبل....
اتسمعيني ميديا...الملك كريون استدعى الشيوخ الى القصر...انه يتحدث عن جايسون وعن ابنة الملك كريون
تطلب غلاوس دليلا عغلى حب جايسون،وتتطور الحبكة بأن يطلب كريون من ميديا أن تغادر البلاد.
ينكسر الخط السردي ذو اللكنة الوثائقية،ويبدأ الخط السردي السينمائي بالبروز أكثر وأكثر،حتى ينفى تماما الحو الوثائقي الذي كان محيطا ببدايات الفيلم،وتتحول أجواء الفيلم الى الغرائبية والفنتازيا المناسبان تماما لسرد اسطورة...
ويسير السرد في أغلب ومعظم حالاته بدون موسيقى تصويرية مع ضباب كثيف يغطي مشاهد بأكملها،وفي بعض المشاهد نشاهد الممثلين من خلال هذا الضباب والغبار الكثيف،وهو اللأمر الذي جعل من لارس فون تراير ناجحا في خلق عالم مواز للأسطورة على الرغم من غرابة وتقشف الفيلم...
تقول ميديا مخاطبة كريون:
ليس هناك حزن اعظم من الحب،كل ما اطلبه منك هو يوم واحد فقط يا ملك كريون من اجل اطفالي
أنا أمنحك هذا اليوم...
ربما،بشاعة الانتقام الذي ستنفذه ميديا هو سبب شهرة هذه الاسطورة
الاسطورة اساسية في فهم التاريخ الانسانيي،او بالاحرى،لفهم اساسيات التكوين الادبي الجمالي الانساني-فالاسطورة متعلقة بالفن أيضا-كما ان الكثير من التحليلات في علم النفس قامت على الاسطورة،ففرويد مثلا استفاد من عقدة أوديب وعقدة اليكترا،بحيث بات يعرف بالمحلل النفسي الذي استقى عقده من شخصيات ادبية،كما ان كتابه الطوطم والحرام اعتمد فيه على خط تاريخي مشابه للأسطورة ليتوصل فيه الى لغز نشوء الألوهية وزواج المحارم...
ومن ناحية ظاخرى،فمن الممكن النظر الى الاسطورة على انها خط أساسي في فهم تكون الأديان من ناحية مادية،فمنها من الممكن ان يفهم انبثاق الطقس أو الشعيرة الذي جاء موازيا ومشابها الى الطقس والشعيرة الدينية التي بوتقتها الأديان فيما بعد.
تبدو العلاقة بين الاسطورة والدين مختلطة جدا،تلتقي في بعض الأحيان وتنفصل في احيان اخرى،ولايمكن القول بأنهما يسيران في خط متواز على الاطلاق،وأتى الدين-من خلال الوحي-ليحطم الفجوات التاريخية التي خلقتها الاسطورة وخلفتها من دون اي تفسير.
من الممكن دراسة التاريخ القديم من خلال الاسطورة كأحد المعطيات أو احد الأمثلة،ولكن لايمكن أن تكون تامة لدراسة هذا التاريخ،فمن الممكن فهم بعض الأشياء فيه من خلال زمن الأسطورة وواقعها والظروف المحيطة بها،ولكن،في نفس الوقت،لايمكن ان تكون الأسطورة مفسرة للتاريخ.
هذا المقال ليس عن الأسطورة أو العلاقة بينها وبين التاريخ او الدين....
تهدي ميديا تاج عرسها هدية لعروس زوجها...ولكن:
كيف يقبل جايسون هدية زوجته بحسن نية،على الرغم من ان زودته مشعوذة وهو يعلم ذلك تماما...؟
تتميز الأسطورة بأنها ذات منحى عالي من التقرير،وتسير في مسارات ميلودرامية تقريرية غير قابلة للتصديق أبدا،والغاية هي تحقيق الغاية المرجوة والمطلوبة منها.
ما الذي ستفعليه يا ميديا...؟!
أنا أفكر في الأطفال وفي نفسي....
كيف
كنت آمل أن ينثروا علي التراب عندما اموت...إذا خذيهم معك
عبر موتهم يمكنني أذية والدهم
تسممت غلاوس وذهب الملك لمساعدتها ولكنه خدش أيضا وتسمم
ولكن جايسون يعود من عالم الأموات رغبة في تحقيق انتقامه من ميديا...ولكن اي انتقام سيحققه جايسون
في الاسطورة،الموت والحياة مرتبطان جدا...ليس هناك حاجة لأي عمق فلسفي لفصل الحياة عن الموت.
ميديا تقوم بخنق ابنها الأول الصغير ولاحقا طفلها الثاني يقوم باعدام نفسه طوعا تحقيقا لرغبات والدته.
ويبدو ان غايسون ينتقل فعليا هذه المرة الى عالم الأموات بعد علمه ومشاهدته لما يحدث...
الالنتقام دافع غريزي بشري،لكن تطوره الى هذه الدرجة شيء يوحي بالاستغراب،فأساس الحضارة قام على السيطرة على الغرائز الهدامة في الطبيعة البشرية.
باختصار،نحن نجد في هذه الاسطورة بدايات بزوغ الأدب بتطوراته ومذاهبه،بالاضافة الى الميلودراما وشيئا من افلام الرعبنومن دون مبالغة شيء من شكسبير ايضا،ولايمكن الحكم على حبكة الاسطورة بالتماسك أبدا،ولكنها خاضعة ايضا تماما للزمن الذي كتبت فيه.
حقق تراير فيلما مشهديا عالي المستوى من هذه الناحية،وذو معالجة بسيطة لاتحمل اي اشكاليات خلف النص،والفيلم يستحق المشاهدة على اي حال من الأحوال.
5/5/2022

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان