قصة الخلق اليونانية

سعود سالم
2022 / 8 / 6

أركيولوجيا العدم
العودة المحزنة لبلاد اليونان
١٨ قصة الخلق اليونانية

لقد تعودنا من نيتشة الكثير من الأفكار المتناقضة تصل أحيانا حد الهلوسة، غير أنه في بعض لحظات الصفاء، وهي كثيرة للحق في سنواته الأولى، يمكنه أن يكتشف حقائق وأشياء في غاية الصحة والعمق، مثل هذه الفكرة على سبيل المثال بان "الوجود والعالم لا يمكن تبريرهما سوى بكونهما ظاهر جمالية لا غير"، رغم أنه تراجع على ما يبدو عن هذه الفكرة، أو على الأقل تأسف لأنه لم يبرر هذه الفكرة بالأدلة والبراهين العلمية، رغم أن ذلك ليس من عادته، فهو شاعر قبل أن يكون فيلسوفا رغم أنه يدعي العقلانية في بعض الأحيان. غير أن كل ذلك لا يقلل من أهمية هذه الفكرة، والتي تخترق أغلب أعمال نيتشة. وقد كون هذذه الفكرة ولا شك في بداية حياته الفكرية حين كان مهتما بالميثولوجيا اليونانية كمدرس للفيلولوجيا. ومن الواضح لكل من يهتم بهذا التاريخ الغني بالقصص والأساطير والمغامرات لأبطال وآلهة الأولمب، لابد له من أن يكتشف بأن الأمر كله يرتبط بالفن والجمال وخلق عالم خيالي تلجأ إليه البشرية بدلا من الإهتمامات اليومية المزرية. فالعالم الإبداعي الذي يجسد نظرة الإغريق لبداية العالم وقصة التكوين تجعلنا نشعر بالدهشة والإنبهار لهذه المخيلة الإبداعية ولتعقد الشخصيات وترابطها وتعددها، فيبدو الأمر كلوحة فنية رومانسية مليئة بالألوان والأحداث أو كرواية ملحمية متواصلة تنمو وتتجدد بدون إنقطاع. هذا البعد الجمالي لتصور الإغريق لبداية الكون والآلهة والكينونة عموما يدل بكل وضوح على القدرة الخيالية والإبداعية لهذا الشعب الغريب، رغم أنه يمكننا القول بطبيعة الحال نفس الشيء فيما يخص شعوب أخرى كالشعب المصري أو مجتمعات بلاد النهرين وغيرها، غير أن الفرق يكمن في النصوص والشواهد، وكذلك في مواصلة البناء الفكري وتجاوز الرواية الأسطورية إلى بناء فكري فلسفي ما نزال نلجأ إليه ونستنير به اليوم.
وأساطير الخلق اليونانية، متعددة ومتشابكة، وسنستعين بكتاب الشاعر الإنجليزي روبرت جريفز، الميثولوجيا الإغريقية Robert Graves – The Greek Myths، لإضاءة هذا البناء الفني.
ففي البداية كانت هناك "يورينومي - Eurynome"، إلهة كل الأشياء، أنبثقت عارية من الفوضى الأولى Chaos، ولكنها لم تجد شيئًا متماسكا لتستقر عليه وتضع عليه قدميها، وبالتالي فصلت البحر عن السماء، وبدأت ترقص وحيدة وعارية على أمواج البحر. رقصت ورقصت طويلا، ثم اتجهت في رقصها نحو الجنوب، مما حرك الرياح أثناء رقصها، وبدا خلفها شيئًا جديدًا ومستقلًا لبدء عمل الخلق. واستمرت في الرقص، وأمسكت بهذه الرياح الشمالية، وفركتها بين يديها، حتى تكون منها الثعبان العظيم أوفيون Ophion. رقصت يورينومي لتدفئ نفسها من نسيم الشمال البارد، واستمرت في الرقص بشكل جامح وأكثر عنفًا وشهوانية، مما أثار أوفيون وأيقظ فيه رغبة لم تفتأ تنمو وتنمو حتى ألتف حول جسدها ثم واصلها ليهديء شبقه الحيواني. بعد ذلك، أي بعد أن تسببت رياح الشمال ـ المتمثلة في الثعبان أوفيون ـ في خصوبتها، اتخذت شكل حمامة، وعلى صفحة الأمواج وضعت البيضة الكونية Universal Egg. بناءً على طلبها، لف أوفيون نفسه سبع مرات حول البيضة، حتى فقست وأنكسرت قشرتها وخرجت منها كل الأشياء الكائنة : الشمس، القمر، الكواكب، النجوم والأرض وما تحتويه من جبال وأنهار وأشجار وأعشاب وكائنات حية وغير حية. ثم اتخذت هي وأوفيون جبل أوليمبوس Mount Olympus مقرا لهما، غير أن الثعبان أزعجها من خلال الادعاء بأنه هو خالق الكون، فما كان منها إلا أن كدمت رأسه بكعبها، وكسرت أسنانه، وطردته من مقرهما وبعثته إلى الكهوف المظلمة تحت الأرض. ثم أنشأت الإلهة قوى الكواكب السبع، حيث وضعت جبار أو عملاق Titan وجبارة Titaness لإدارة كل كوكب من الكواكب السبعة، وكان من نصيب ريا Rhea، والتي سنتحدث عن أهميتها لاحقا، وكرونوس Cronus كوكب زحل. في هذا النظام الديني القديم، لم يكن هناك حتى الآن آلهة ولا معابد ولا طقوس، فقط إلهة كونية تتحكم في كل شيء وتابعاتها، والمرأة كانت هي الشخصية الأساسية المهيمنة وصاحبة القدرة على الخلق والإنجاب، ولم تكن الأبوة معروفة في هذا الوقت والرجل لم يكن له أي دور يذكر في الحياة أو الإخصاب، وتنسب ظاهرة الحمل إلى الريح، أو أكل بعض البقوليات مثل الفول أو الفاصوليا، أو الإبتلاع العرضي لبعض الحشرات؛ كان النظام الإجتماعي المتعلق بالقرابة والميراث نظام يرتبط بالعلاقة بالأم matrilineal، وكانت الثعابين والأفاعي تعتبر تجسيدا incarnation للموتى. كان إسم الإلهة يورونومي يعني التيه الكبير أو الفسيح wide wandering، وتمثل القمر المرئي؛ ولا شك أنه مستوحاة من الآلهة السومرية، حيث أن اسمها السومري هو ياهو Iahu أو الحمامة المتعالية أو المجيدة وهو الإسم الذي انتقل فيما بعد إلى يهوه Jehovah العبري باعتباره الخالق الأعظم للكون.

يتبع

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان