536 ميلادية: العام الذي غابت فيه الشمس وجموح الخيال التاريخي

كلكامش نبيل
2022 / 8 / 6

نشهد اليوم ثوران بركان فاغرادالسفيال Fagradalsfjall، الذي يقع على بعد 32 كم جنوب غربي العاصمة الآيسلندية ريكيافيك. يذكرنا هذا بثوران بركان إيافيالايوكل Eyjafjallajökull في نيسان/ أبريل عام 2010، الذي تسبب في إغلاق مطول للمجال الجوي الأوروبي، حيث ألغيت 100,000 رحلة جوية خلال أزمة الرماد البركاني التي أثرت على حياة أكثر من 10 ملايين شخص.

يذكرنا ذلك، بما حصل في التاريخ في عام 536 للميلاد، حيث حل الظلام الدامس في مصر لمدة ثلاثة أيام. في ذلك العام، ظل معظم العالم مظلماً لمدة 18 شهرًا كاملة، حيث انتشر ضباب غامض في أوروبا والشرق الأوسط وأجزاء من آسيا. أدى الضباب إلى حجب أشعة الشمس أثناء النهار، مما تسبب في انخفاض درجات الحرارة وفشل المحاصيل وموت الناس. في حينها، لم يعرف الناس سبب ذلك الظلام.

في عام 2018، وصف مايكل ماكورميك، الباحث في تاريخ العصور الوسطى، عام 536 على أنه "أسوأ عام يمكن أن تكون فيه على قيد الحياة" بسبب الظواهر الجوية الشديدة، وعزا ذلك إلى ثوران بركاني محتمل في وقتٍ مبكر من العام، مما تسبب في انخفاض متوسط درجات الحرارة في أوروبا والصين، وفشل المحاصيل وحدوث المجاعة لأكثر من عام. مع ذلك، لا يزال هذا التفسير مجرد فرضية في الواقع، ولكن الكثير من كتاب السوشيال ميديا انطلقوا لبناء فرضيات كبرى في عام 2018 لتفسير ما يحلو لهم من أمور.

ذكر أحدثهم أن ذلك تسبب في استيراد القمح من مصر وأن هذا القمح جلب معه الطاعون الذي ضرب بيزنطة في عهد جستنيان، وقد يكون ذلك ممكنًا، ولكنه يبقى فرضية. لأن طاعون جستنيان حدث ما بين 541 و549 للميلاد، وكان أول تفشٍ كبير لوباء الطاعون، وأول جائحة للطاعون في العالم القديم.

اعتراف بخطأ

عند نشر الأخبار في عام 2018، تبنى البعض فرضية أن ذلك الطاعون والمجاعة الناجمة عن غياب الشمس قد تسببا في إضعاف بيزنطة وبلاد فارس وأن هذا هو السبب الذي مكّن المسلمين من هزيمة جيوش الإمبراطوريتين. في تلك الفترة تبنيت هذه النظرية ووجدتها مقنعة للغاية.

قبيل أسابيع، وفي نقاش مع صديقٍ مسلم، أخبرته عن هذه الفرضية فطالبني بمصدر وكانت الصدمة. ما أن شاركت الروابط معه، حتى قال: لكنك تتحدث عن العام 536 للميلاد! قلتُ: نعم، وأين الخلل؟ قال: لقد ولد محمّد في مكة في حدود العام 570 أو 571 للميلاد!

فكرتُ في نفسي، وبحثتُ عن التواريخ، فوجدت أن محمّد قد توفي في عام 632 للميلاد، وقد بدأ الإسلام عندما كان في سن الأربعين، أي أن الفاصل بين بدء الإسلام وحادثة غياب الشمس حوالي 75 عامًا، وهناك قرن من الزمان تقريبًا بين ذلك الحدث والحروب الإسلامية في القرن السابع للميلاد.

شعرتُ بالاحراج بصراحة، لأنني لم أدقق في صحة تلك الفرضية وفاتني وضوح عدم دقتها، وتنبهت إلى مدى خطورة أن نسرح في خيالنا لربط الأحداث التاريخية ونتائجها كما نشاء، ونبني عليها فرضيات تتجاهل الواقع، وتبني واقعًا جديدًا نصدره كحقائق، مع أنه أضعف بكثير من كل التاريخ المدون الذي نعرفه، ومبنٍ على أسس هشة وخيالية للغاية.

نصيحتي أن نتحقق من كل شيء، ولا ننجرف بسرعة وراء الفرضيات المعاصرة لتفسير أسباب أحداثٍ قديمة، لأننا في الواقع عاجزون عن تفسير أحداث راهنة نمر بها، ولا نتفق على رؤية واحدة لتفسير أسبابها، فضلاً عن أن لكل حدث تاريخي جملة متداخلة من الأسباب، لا سبب واحد يمكن تبسيطه بهذا الشكل.

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان