الحرية تاج على رؤوس الأحرار

حسين علي
2022 / 8 / 5

ي كتاب بعنوان «إشكالية الإنسان وعلم النفس» تأليف « رولو ماي» ترجمة د. أسامة القفاش، والذي صدر عن مكتبة دار الكلمة بالقاهرة عام 2006، سرد المؤلف في الفصل الحادي عشر قصة «الرجل الذي وُضِعَ في قفص» هى قصة ملك كان يقف في شرفة قصره متأملاً، فلمح رجلاً يسير في الطريق، كان رجلاً عاديًا لا يتسم بشئ يميزه عن سائر أهل المملكة.
فطن الملك إلى أن هذا الرجل يسلك الطريق نفسه، في التوقيت ذاته يوميًا، مواظبًا على ذلك منذ سنوات. يبدو أن الرجل كان عائدًا من عمله متجهًا إلى بيته، لأن النهار أوشك على الانتهاء. أسند الملك مرفقيه على سياج الشرفة، وراح بخياله يرسم في ذهنه صورة محتملة لخط سير ذلك الرجل. رآه قد قطع الطريق إلى منزله، استقبلته زوجته عند الباب، منحها قبلة فاترة، ونظر إليها بعدم اكتراث، بعد أن تناول وجبة العشاء، سألها عن أحوال الأولاد. (ص 201) وما إذا كانوا مواظبين على استذكار دروسهم. طلب من زوجته تشغيل التليفزيون، شعر بسأم، وذهب إلى فراشه، قد يكون ضاجع زوجته، أو لا يكون، ثم غلبه النعاس فنام. يصحو صباحًا ويذهب للعمل كالمعتاد ... وهكذا تمضي أيامه.
تملك الفضول الملك، فانتصب معتدلاً في وقفته، ونفض عنه تلك الخيالات، وأخذ يقطع الشرفة جيئة وذهابًا، متسائلاً بجدية تامة:
«ماذا سيحدث لو وضعنا ذلك الرجل في قفص مثل الحيوانات؟!»
تحمس الملك لهذه الفكرة، وشرع في تنفيذها. (ص 202) في الصباح استدعى الملك واحدًا من أكبر علماء النفس بالمملكة، وشرح له فكرته، وأمره أن يشرف على تنفيذ هذه الفكرة عمليًا!! وحين اعترض عالِم النفس قائلاً للملك بصوت مرتجف:
« مولاي .. إنه أمر غير مقبول، ولا معقول أن نضع إنسانًا في قفص دون ذنب اقترفه!!»
رد الملك بحزم وبلهجة غاضبة:
«إن كثيرًا من الحكَّام منذ عصور الرومان، مرورًا بجنكيزخان وصولاً إلى هتلر وسائر القادة المستبدين قد ارتكبوا ما هو أبشع وأفظع!!»
واستطرد الملك:
«إننا لا نعتزم معاقبة أحد، كل ما في الأمر إننا نود القيام بإجراء تجربة علمية لمعرفة ما يعتري الإنسان من تغيرات في سلوكه حين يُوْضَع في قفص».
وحين أدرك عالِم النفس أن التجربة سوف تتم سواء وافق هو عليها أم لا، في تلك اللحظة سيطر الفضول على العالِم، وأراد معرفة حقيقة ما سيحدث لو وضعنا رجلاً في قفص.
أمر الملك بإحضار قفص كبير من حديقة الحيوان كان مأوى لأسد. وُضِعَ القفص في جناح خاص بالقصر. جُلِبَ الرجل، ووُضِعَ داخل القفص، وأُغْلِقَ باب القفص عليه.
جلس عالِم النفس يراقب المشهد، في البداية كان الرجل مندهشًا، وظل يردد مخاطبًا عالِم النفس:
«لابد أن ألحق بالمترو، لابد أن أذهب للعمل، انظر كم الساعة الآن؟ سوف أتأخر عن عملي»
بعد أن انتصف النهار بدأ الرجل يدرك ما قد حدث له، فصرخ معترضًا:
«لابد أن في الأمر خطأ ما!! لماذا أنا هنا؟ ليس من حق الملك أن يفعل بي هذا! هذا ظلم! هذا انتهاك للقانون».
كان يصرخ بقوة، وعيناه جاحظتان، ووجه محتقن غضبًا وحنقًا.
أحب عالِم النفس الرجل بسبب غضبه وأدرك، ولو بشكل غامض أن هذا الغضب شعور يعتري كثيرًا من الناس الذين يسعون لمحاربة كل ما هو خطأ. استمر الرجل في احتجاجه الشديد طوال الأسبوع الأول؛ وعندما مر الملك بالقفص - كما اعتاد أن يفعل كل يوم – احتج عليه الرجل مباشرة، لكن الملك خاطب الرجل قائلاً:
«اسمع يا هذا .. أنت تأكل طعامًا طيبًا وتنام على فراش وثير، ولا تؤدي عملاً من أي نوع، ونحن نرعاك أفضل رعاية من كل النواحي .. فلماذا تحتج؟» (ص ص 202 - 203)
بعد مرور عدة أسابيع خفَّت احتجاجات الرجل، ثم توقفت تمامًا، ولاذ بالصمت وانزوى داخل القفص، رافضًا الحديث مع أحد، غير أن عالِم النفس كان يلمح في عينيه حقدًا يلمع. كان بريق عينيه يكشف عن شخص تملَّكه شعور جارف بالكراهية، نظرات شخص يعرف من يكره، ولماذا يكره.
في كل مرة يمر فيها الملك بالقفص تتأجج نار الحقد والحنق في عيني الرجل. (ص 203)
لاحظ عالِم النفس أن الرجل كان في البداية لا يأبه بكلمات الملك، ثم بدا الأمر كما لو أنه يصمت للحظة بعد حديث الملك، وقد اختفت نظرات الحقد والحنق من عينيه للحظة، على ما يبدو كان الرجل يسائل نفسه:
«هل من الممكن أن يكون الملك على حق في كل ما ذكره؟!»
وبعد عدة شهور شرع الرجل في مناقشة عالِم النفس قائلاً:
«كم هو مفيد أن يحصل الإنسان على غذائه ومسكنه، وعلى المرء أن يتقبل قدره ويرضى به في كل الأحوال، لأن قبول المكتوب هو الحكمة بعينها».
وسرعان ما صار الرجل يقدم نظرية فلسفية متكاملة عن الأمن والاستقرار وقبول الأمر الواقع. لاحظ عالِم النفس أن صوت الرجل بات خاويًا مسطحًا، صار صوته أشبه بصوت الإعلاميين الذين يطلون عبر شاشات وهم يحاولون أن يتظاهروا بأنهم يقولون الحقيقة. ولاحظ عالِم النفس أيضًا أن أركان فم الرجل صارت تتدلى لأسفل دائمًا. وللمرة الأولى بدأ يشعر بقلق شديد على مصير الرجل، لأنه يعلم أنه متى أحكم الخزي قبضته على الإنسان فإنه كفيل بتدميره. عاِلم النفس على يقين إنه من الصعب مساعدة إنسان لا يدري من يكره!!
في الأيام التالية شكر الرجل الملك عند قدومه، وحمده على الطعام والمأوى. لكن عند خروجه؛ وعندما لم يكن الرجل يدرك أن عالِم النفس موجود؛ كانت تعبيرات وجهه مختلفة بشدة؛ كان الحزن واليأس يكسوان وجهه. طرأت على سلوك الرجل مظاهر اضطراب واضحة، كانت الأطباق تسقط من بين يديه، وينسكب الماء حين يقدمون له الطعام. بات يشعر بالحرج لغبائه أو سخفه. كف عن تقديم النظريات الفلسفية، وصار يكتفي بترديد عبارات مقتضبة مثل «القدر»، يكررها مرارًا أو ربما يغمغم بها لنفسه. (ص 204)
أصاب الذهول عالِم النفس عندما وجد أن الرجل صار سخيفًا وغبيًا، لأنه كان يعرف من اختباراته السابقة التي أجراها على الرجل؛ أنه كان يتمتع بذكاء فوق المتوسط. وأدرك عالِم النفس أن هذا هو نمط السلوك الذي لاحظه في بعض الدراسات الأنثروبولوجية التي أجراها على أولئك البشر الذين أجبروا على تقبيل اليد التي استعبدتهم وأطعمتهم، ولم يعودوا يستطيعون الكره أو التمرد. لقد لاحظ عالِم النفس أن وجه الرجل فقد كل تعبير، ولم تعد لديه سوى ابتسامة بلهاء فارغة من أي معنى. (ص 205)
والآن لم يعد الرجل يستخدم كلمة «أنا» مطلقًا، لقد ارتضى إقامته داخل القفص، لم يعد غاضبًا ولا حاقدًا، ولا متفلسفًا، صار الآن يجلس دون حركة منطويًا على نفسه، في حالة ذهول هى أقرب ما تكون إلى الجنون. (ص 206)
غلب النوم عالِم النفس، وداهمه حلم مفزع، رأى فيما يرى النائم جموع من البشر تحيط بالقفص، والرجل واقفًا منتصبًا في قوة وعنفوان، ولم يعد خاملاً أو يائسًا (ص 207) صرخ عبر القضبان قائلاً:
«لم تكن حريتي وحدي هى التي سلبت» وتابع «لم يضعني الملك وحدي في القفص، بل وضعكم جميعًا، وسلب حرية كل فرد فيكم ... لابد أن يذهب الملك». وأخذت الناس تصيح في مظاهرة كبرى:
«لابد أن يذهب الملك»
وكسروا قضبان القفص الحديدية وحولوها إلى رماح وهاجموا القصر. استيقظ عالِم النفس والحلم يملؤه بإحساس عظيم من الأمل والفرح. وقال العالِم لنفسه وهو ينزل من فراشه:
«ربما كان من الأفضل تفعيل بعض الأحلام»

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان