من تُراثنا - أساتا شاكور، كاتبة ومناضلة أُمَمِيّة

الطاهر المعز
2022 / 8 / 5

أساتا شاكور إحدى رموز نضال الأمريكيين السّود

من أقوالها:
يدعوننا باللصوص وقطاع الطرق. يقولون إننا نسرق ولكننا لم نكن نحن الذين سرقنا ملايين السود من قارة إفريقيا. لقد ارتكب حكّام هذه الدولة وأعوانهم أكثر الجرائم وحشية وبشاعةً في التاريخ، وهم قطاع الطرق والقتلة، ويجب أن يُعاملوا على هذا الأساس... لقد هاجمت الولايات المتحدة دولًا مثل غرينادا وبنما وليبيا … وقائمة ضحايا الإرهاب الأمريكي تكاد لا تنتهي، ومشاركة حكومة الولايات المتحدة في التعذيب، سواء في السلفادور أو غواتيمالا أو تشيلي، وغيرها، موثقة ومعروفة على نطاق واسع
لا أحد في العالم، لا أحد في التاريخ، حصل على حريته من خلال مناشدة الحس الأخلاقي للأشخاص الذين كانوا يضطهدونهم... إن أساليب الإحتجاج السّلمي، من أجل إصلاحات تدريجية، غير قادرة على أن تكون فَعّالة... لن يمنحك أحد التعليم الذي تحتاجه للإطاحة بهم. لن يعلمك أحد تاريخك الحقيقي ، ويعلمك أبطالك الحقيقيون ، إذا كانوا يعلمون أن هذه المعرفة ستساعدك على تحريرك... لقد كُنّا حمْقَى، لأننا سمحنا لِمُضْطَهِدِينا بتعْيين عَدَوِّنا (المُفْتَرَض)، فتعلمنا في سن مبكرة مُعاداة الشيوعية والشيوعيين، ولكن معظمنا ليس لديه أدنى فكرة عن ماهية الشيوعية.
حيثما يوجد القهر توجد مقاومة، والمقاومة تتطلب تخطيطًا، ويتمثل الجزء الأول من التخطيط في الإيمان بقُدْرَتِك على تنفيذ خططك، فالأحلام والواقع مُتضادّان، يمكن التقاؤهما بالعمل على تغيير الواقع، لكن اسأل نفسك، قبل الإنخراط في عمل ثوري: هل أنت مستعد للتضحية من أجل القضاء على الجوع في العالم؟ للتضحية لإنهاء الاستعمار؟ لإنهاء الاستعمار الجديد؟ لإنهاء العنصرية؟ لإنهاء التمييز على أساس الجنس؟... قبل العودة إلى الكلية ، كنت أعلم أنني لا أريد أن أكون مثقفةً، وأمضي حياتي في الكتب والمكتبات دون أن أعرف ما يجري في الشوارع. النظرية بدون ممارسة غير مكتملة مثل الممارسة بدون نظرية، بل يجب أن تَسِيرا معًا، جنبًا إلى جنب.
كان ابن أخيها الراحل "توباك شاكور" موسيقيا معروفًا في مجال "الرّاب"، استلهم كلماته من نضال عَمَّتِهِ، فكتَبَتْ: "يمكن أن يكون الهيب هوب سلاحًا قويًا للغاية للمساعدة في توسيع الوعي السياسي والاجتماعي للشباب. ولكن كما هو الحال مع أي سلاح ، إذا كنت لا تعرف كيفية استخدامه ، أو إذا كنت لا تعرف إلى أين توجهه ، أو ما الذي تستخدمه من أجله ، فقد ينتهي بك الأمر بإطلاق النار على قدمك أو قتلك. الاخوات او الاخوة"، وكانت "أساتا شاكور" مصدر إلهام العديد من مُغَنِّي "الهيب هوب"، إذ يعتبرونها "مُتَمَرِّدَة في كل شيء"، وحازت على تكريم العديد منهم، من خلال أغانيهم، وتم تكريمها من قِبَل بعض السينمائين...
وُلِدت بنيويورك يوم السادس عشر من تموز/يوليو 1947 باسم جوانا ديبوراه بايرون، في بيئة متوسّطة الدّخل (كانت أُمُّها مُدَرِّسَة)، ثم اختارت لنفسها إسمًا إفريقيا "أسَّاتا أولوغبالا شاكور"، وهي مناضلة في حزب الفهود السّود، ثم بالمجموعة التي انشقت عنه (جيش التحرير الأسود) ما جعل منها أول امرأة مُسجّلة في قائمة مكتب التحقيقات الإتحادي (إف بي آي) للإرهابيين المبحوث عنهم، وأدانها القضاء الأمريكي، سنة 1977، بتهمة قتل جندي، لكن رفاقها تمكنوا من مساعدتها على الفرار من السّجن ثم التّخفِّي قبل اللجوء إلى كوبا، وفسّرت انتماءها إلى الحركة الثورية بما عاشته منذ طفولتها من الميز العُنصُري ومن الظُّلْم والقَهْر، بحسب ما وَرَدَ في مذكراتها التي نُشرت سنة 1987، وكتبت بعنوان "رسالة إلى شَعْبِي"، بتاريخ الرابع من تموز/يوليو 1973، من داخل السّجن:
«يدعوننا باللصوص وقطاع الطرق، ولكننا لم نَختطف ملايين السود من قارة إفريقيا، وهم أجْدادُنا الذين فقدوا من يوم خَطْفِهم لُغتهم وآلهتهم وثقافتهم وكرامتهم وإنسانيتهم وحياتهم... نحن أو أجدادُنا لم ننهب ولم نقتل ملايين الهنود لننتزع وطنهم، ثم ندّعي إننا "رُواد" ( Pionners ) كما لم نَنْهَبْ إفريقيا وآسيا وأميركا الجنوبية من مواردها الطبيعية وحرّيات أهلها الذي لا يزالون يُعانون من الجوع والأمراض. لقد ارتكب حكّام هذه الدولة وأعوانهم أكثر الجرائم وحشية وبشاعةً في التاريخ وهم قطاع الطرق والقتلة ويجب أن يُعاملوا على هذا الأساس... لقد بُنِي نِظام هذه الدّولة - التي تحتفل بالرابع من تموز/يوليو كيوم استقلال وحُرِّيّة - على الإبادة والظلم التاريخي والقائم ضد السود والملونين والشعوب الأصلية وأبناء وبنات العالم الثالث..."، وفي موضع آخر كتبت:
غادرت الدراسة مُبكِّرًا ثم عادت، بعد مشاركتها في نقاش عن حرب فيتنام، سنة 1964، وتمكنت من الإلتحاق بجامعة نيويورك، حيث شاركت في النضالات والإعتصامات والتجمُّعات والإحتجاجات، حيث تعلّمت "إن العدو ليس الإنسان الأبيض، لكن الرأسمالية التي تستغل والإمبريالية التي تحتل بلدان الآخرين وتضطهد شُعُوبها"، وشاركت مع حزب الفهود السود في العمل اليومي ضمن برنامج الحزب الذي نَفَّذَ خططًا ملموسة لمساعدة مجتمع السود، مثل إنشاء برنامج إفطار مجاني للأطفال ذوي الدخل المنخفض.، والدّفاع عن ضحايا القمع، قمع المؤسسات ومنها الشرطة والقضاء، ليتم اعتقالُها سنة 1967، وتعرفت بالجامعة على زوجها "لويس تشيزيمارد"، قبل أن يحصل الطلاق بينهما سنة 1970...
انتقدت حزب الفهود السود، وأحد الزعماء المؤسسين (Huey P. Newton ) قبل أن تَنْضَمَّ إلى منظمة جيش التحرير الأسود التي شكّلها بعض المنشقين، ووصفت شاكور هذه المنظمة بأنها "حركة شعبية، مقاومة" للقمع السياسي والاجتماعي والاقتصادي للأمريكيين من أصل أفريقي"، وأدّى انتماؤها ونضالها السياسي إلى مُراقبتها باستمرار من قِبَل مكتب التحقيقات الإتحادي (إف بي آي)، قبل أن يتم إطلاق النّار عليها، في محاولةٍ لاغتيالها، وقبل أن تُوجّهَ لها اتهامات عديدة، منها المُشاركة في السطو المُسلّح على مصرف، واتهامات تتعلق بقتل تاجر مخدرات ومحاولة قتل شرطي، في عملية تبادل إطلاق النّار، عند حاجز مُراقبة، توفي خلالها مُناضلان من منظمة جيش التحرير الأسود، وجُرحت شاكور، وتم اعتقالُها ( وهي ليست المرة الأولى) في الثاني من أيار/مايو 1973، وأمضت عدة سنوات، في عدّة سُجُون مختلفة، منها أكثر من سنة في الحبس الإنفرادي في سُجُون المُخصّصة للرجال، قبل محاكمتها، حيث تعرضت للتعذيب البدني والنّفسي والحرمان والإستفزاز، وكانت جريحة وحاملاً، وأنجبت، سنة 1974 ابنتها "كاكويا"، خلف القضبان، ولم تتم محاكمتها سوى سنة 1977، بعد أربع سنوات من اعتقالها، وتمت إدانتها والحكم عليها بالسّجن المُؤَبَّد، بتهم عديدة، منها ارتكاب جرائم قتل والعديد من الإعتداءات المُسلّحة، وكانت محاكمة غير عادلة، حيث تم التنصت على فريق الدفاع ، وتم تسريب الوثائق إلى قسم شرطة مدينة نيويورك، وتجدر الإشارة أن عشرات المحاكمات كانت بتُهَم مُلفّقة، ولا يزال بعض المناضلين السود يواجهون حكم الإعدام، مثل "موميا أبو جمال"، بتُهم مُلفّقة، وأُطلق سراح بعضهم بعد قضاء خمسة عُقُود في السجن...
تمكّن رفاق أساتا من أعضاء منظمة جيش التحرير الأسْوَد من تحريرها وإخراجها من السجن، يوم الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر 1979، بعد عامين من إدانتها بالقتل، وعاشت مُتخَفِّيَة لخمس سنوات قبل تهريبها إلى كوبا، سنة 1984، حيث حصلت على حق اللجوء السياسي، ولا تزال السلطات الأمريكية تتهمها بقتل ضابط الشرطة "فيرنر فويستر"، وعلى العموم واجهت أساتا شاكور ست محاكمات سابقة، بتهم الإعتداء المُسلّح والسّطو والاختطاف والسرقة، قبل أن تتم تبرئتها، إما بسبب غياب الإثباتات، أو بسبب انكشاف عملية تلفيق التُّهَم من قِبَل مكتب التحقيقات الإتحادي، إلى أن تمت إدانتها سنة 1977، بعد أربع سنوات من اعتقالها وهي حامل، ولم تتمكّن الشرطة أو جهاز القضاء من تقديم أي دليل على حملها سلاحًا ناريا، عند الحاجز الذي شهد تبادل إطلاق النّار، كما لم تتمكن الشرطة من تبرير إطلاق النار عليها في ظهرها بينما كانت ترفع ذراعَيْها، علامة عدم مُقاومة الإعتقال، بعد اغتيال رفيقَيْن من مُرافقيها داخل السيارة.
تأكّدت الإستخبارات الأمريكية من وُجُودها في كوبا، سنة 2005، ومنذ ذلك الحين سجّلتها السُّلُطات الأمريكية على رأس قائمة أكثر الإرهابيين العشرة المبحوث عنهم من قِبَل مكتب التحقيقات الإتحادي، ووعدت الوُشاة بمكافآت مُجَمَّعَة بقيمة مليونَيْ دولار لمن يُدْلِي بمعلومات تساعد في القبض عليها، ومنذ 2005، يُطالب سياسيون مثل الرئيس دونالد ترامب وحاكم نيوجيرسي السابق كريس كريستي كوبا بتهجيرها إلى الولايات المتحدة، فرفضت سلطات كوبا، بل قال الزعيم الراحل "فيدل كاسترو"، منذ سنة 2005: "لقد أرادوا تصويرها كإرهابية، لكنها كذبة شائنة وظُلْم ووحشية تميز بها النّظام الأمريكي"، الذي سن قوانين الفصل العُنصري، الموروثة عن عَصْر العُبُودِيّة، والمعروفة باسم "قوانين جيم كرو"، منذ القرن التاسع عشر، والتي لم تنته بنهاية الحرب الأهلية، سنة 1865، بل بقي المواطنون السود لفترة تزيد عن القَرْن، بعد الحرب الأهلية، ممنوعين من ارتياد مرافق عديدة منها حديقة الحيوان والمُنتَزهات ومرافق التّرفيه، ومعظم الشواطئ والفنادق والمطاعم والمقاعد والعربات الأمامية في المواصلات العامة، وكانت للبيض أحياؤهم وطُرُقاتهم المُعَبّدة وأرصفتهم النّظيفة، ومدارسهم وكنائسهم، ومناطقهم المَحْمِيّة من دُخول السّود بواسطة قوانين «جيم كرو»، خصوصًا في مدن جنوب الولايات المتحدة، أما في مدن الشمال فتتميز العُنصرية بشكلها المُختلف عن الجنوب...
إن العنصرية ليست مشكلة فردية، بل هي مسألة بُنْيَوِيّة تُعْتَبَرُ من أُسُس السياسات الدّاخلية والخارجية للولايات المتحدة، الرأسمالية/الإمبريالية، التي عَمَّمَتْ القوانين والمُمارسات الزّجْرِية (الإرهابية) بالدّاخل للقضاء على العمل النقابي والسياسي وأي حراك اجتماعي يُطالب حتى بإصلاحات بسيطة، أما في الخارج فقد اعتمدت الولايات المتحدة على تصفية واغتيال أي مُعارض لسياساتها الإستعمارية، ولهيمنتها على البلدان وثرواتها ومواقعها الإستراتيجية، وشن العدوان تلو الآخر على الشُّعُوب واحتلال بلدانها وخلق انقسامات إثنية وطائفية، وانتقدت أساتا شكور "اليسار الأبيض"، كما انتقدت بعض القادة الرجال السود الذين لا يرون في النساء الثوريات مناضلات من درجة ثانية، واعتبرت النضال من أجل ضد الفقر والسكن غير اللائق والبطالة والرعاية الصحية السيئة ومستوى التعليم المتدنّي، وغيرها ليس هدفًا بذاته، ولكنه مدخل إلى العمل الثوري ضدّ النظام برُمّته، يبدأ بتَعَلُّم أساليب المقاومة، ليُفضِي إلى عمل ثوري ضد القهر السياسي والاجتماعي والاقتصادي، من أجل المُساواة والعدالة والحرية للجميع، ويمكن وَصْف أساتا شاكور بأنها مُناضلة نسوية تحرُّريّة أُمَميّة...

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان