فقه؛ وصابون وديتول

محمد ليلو كريم
2022 / 8 / 5

في كل كتب فقه الفتاوى والأحكام الشرعية يوجه الفقيه مقلديه الى استخدام الماء لرفع النجاسات، ويؤكد كل الفقهاء على أن الماء مُطهِّر، وتتفرع وتتنوع فتاوى الطهارة بحسب كل حالة.
تصور - عزيزي القارئ - أنك قضيت عامًا أو خمسة أعوام تغتسل وتتوضأ وترفع النجاسات بكافة انواعها وتُبعِد القاذورات عن جسمك وثيابك بالماء فقط..
تخيْل أنك استبعدت الصابون وسائل الزاهي وكل مادة مُنظِفة ومُعقِمة واكتفيت بالماء في الاغتسال والإستحمام، فما هو وضعك من ناحية النظافة بعد مرور وقت طويل.
قد يقول قائل أن الفقيه لم يُحرِّم الصابون والزاهي والمواد المُنظِفة، ولا يحتاج المُقلِّد الى لفت انتباهه بفتوى وحكم شرعي يفرض عليه استخدام هذه المواد، فالكل يعلم أن الصابون عنصر ضروري في عملية الاغتسال والاستحمام، والزاهي ضروري لتنظيف الثياب، وهذا الاحتياج من البدهيات التي لا تحتاج الى تدخل الفقيه..
أقول: الفقيه أعلن بفتواه أن الماء يرفع النجاسة، عن الجسم والثياب، وبقوله هذا جعل من الماء مادة مُجزية في عملية الطهارة، وتحقق الطهارة وفق رأي الفقيه حصرًا بالماء يعني شرعًا وكنتيجة نهائية تامة تحقق الطهارة بالماء، وبالماء فقط، وأنا هنا أدقق في نفس الحكم الشرعي، وهو حكم يقول بإمكانية رفع كل النجاسة والتقذّر بالماء، وبالماء فقط، فهل يرفع الماء لوحده النجاسات بأنواعها؟.
أرى أن الطهارة غير النظافة، فالطهارة أمر اعتباري، أما النظافة فأمر واقعي، الطهارة تعتمد الماء مادة تُنجِز مهمة رفع الدم والبول والغائط والجنابة وأصناف النجاسات ولا تلتفت الى تنظيف المكان الملوث، المتقذّر، وكأنها لا تكترث للمتبقيات والعوالق غير المرئية بعد التطهير بالماء، والتي لا تُرفع يقينًا إلا بالصابون والزاهي ومستحضرات التنظيف والتعقيم، ووفق تلك الرؤية المعيبة يُعتبر المُقلِد طاهرًا أن قرر الفقيه طهارته، بغض النظر عن كونه صار نظيفًا ومُعقَمًا أم لا، مع أن مستحضرات التنظيف والتعقيم ضرورية كالماء مناصفة معه، فالماء دون مستحضرات التنظيف والتعقيم لا يرفع كل التقذّر.
لِمَ لا يُحيط الفقيه بمثل هذه الضرورات حين يصدر فتواه؟.
هل جرّب الفقيه عدم استخدام مستحضرات التنظيف مكتفيًا بالماء لفترة طويلة؟.
لا يدخل الصابون ولا أي مادة تنظيف في فتاوى النجاسات والطهارة، وهذا لب الإشكال، فالشارع الفقهي لم يُحرِّم الصابون أو الزاهي أو أي من مواد التنظيف والتعقيم، ولكنني أدقق في الرأي الفقهي الذي ضم الماء فقط في تشريعاته وخصّه وحده بمهمة رفع النجاسة وتحقيق الطهارة في كل مسائل الطهارة، فهل اطمأنت نفس الفقيه ووافقه عقله في تحقق الطهارة بالماء فقط في كل انواع المنجسات؟.
لا القرآن، ولا سُنة النبي، ولا تشريعات الأئمة؛ ضمت مواد التنظيف والتعقيم الى أحكام رفع النجَس، وتوقف العمل بالحكم عند استخدام الماء فقط، ولم تكن مواد التنظيف والتعقيم ملازمة بحكم تشريعي للماء في التعامل مع النجاسات، ورغم دخول البشر في عصر التقدم الصناعي الكيميائي إلا أن الشريعة ظلت متوقفة عند الماء في التعامل مع النجاسات، وهذا ثبات على الرأي القديم يُثير الاستغراب، فأهل الدين من فقهاء ودُعاة ومتدينين يؤكدون في كل مناسبة وفرصة أن الدين الإسلامي جاء لدفع البشرية الى حالة من التطور الشامل، وأن القرآن والسُنة انتشلت الإنسان من حالة الجاهلية والتخلف والقذارة والتوسُّخ فكانت مقاصد الشريعة مستوىً أسمى لجميع جوانب حياة الإنسان، وهي أفضل من كل ما قبلها، وغايتها في جانب من علة التشريع أن يكون الإنسان طاهرًا عالمًا بسبل وطرق تحقيق الطهارة في جسمه وثيابه ومنزله، وليس من مسلم ملتزم بتقديس دينه يقول بنقص التشريع القرآني والنبوي في ما يخص التعامل مع النجاسات برفعها وإحلال الطهارة مكانها، ولكن؛ هل يحرز المسلم حالة القناعة والإطمئنان عند تعامله مع النجاسات التي تصيبه بالماء فقط؟.
هل حرص التشريع الإسلامي على حصول حالة النظافة، والتعقيم الصحي للمسلم؟.
يبدو أن المشهور عند المذاهب الأربعة كفاية الماء في احراز الطهارة، هذا ما ذهب إليه أئمة المذاهب الأربعة وسندهم رواية من مرتبة السُنة النبوية: (( جَاءَتِ امْرَأَةٌ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَقالَتْ: أرَأَيْتَ إحْدَانَا تَحِيضُ في الثَّوْبِ، كيفَ تَصْنَعُ؟ قالَ: تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بالمَاءِ، وتَنْضَحُهُ، وتُصَلِّي فِيهِ/ الراوي: أسماء بنت أبي بكر))
تَحُتُّهُ: تقشره بالفرك حتى يزول الأثر.
تَقْرُصُهُ: تَدْلك الدم بأطراف أصابعها بالماء؛ ليتحلَّلَ بذلك ويخرُجَ ما شربه الثوب منه.
تَنْضَحُهُ:تغسله.
يحكم الفقه الشيعي بحصول الطهارة بالماء والتراب والشمس، وأيضًا تحصل الطهارة بالإستحالة والإنقلاب والإنتقال وذهاب الثلثين في العصير العنبي وتطهيرات أخرى ليس بينها الصابون أو أي مادة مُنظِفة صناعية كالزاهي، مع أن المُشرّع وهو من البشر يُدرِك أن اليد أو الأصابع والفم والملبس أن اصابها الدسم وهو غير مُنجِس يزول بالصابون وإلا فالماء لوحده لا يؤدي الغرض، فما بالك بدم خارج من جسم إنسان مصاب بمرض في الدم سريع العدوى، أو بول مصاحب لإفرازات تقرحية.
الفتوى في مساحتها النصية الموثقة تعتبر الماء؛ والماء فقط رافع ومزيل للنجاسة، وأنا انظر في نفس الفتوى كمُنجَز تطهيري إذ ينطق المُفتي بها من الألف الى الياء؛ من أولها الى آخرها ويدفعها للمُقلِّد ليطبقها في حالة اصابته أو ما يرتديه بالنجاسة لتزول. ترتفع النجاسة بتطبيق الفتوى التي تتكون من نص محدد مكتوب، وإن خلو النص الافتائي من غير الماء فهو تعبير علمي عن رأي الفقيه العلمي، وأنا هنا أتفحص مادة الفتوى كنص مكتوب محدد وهل هي مادة تطابق العلم أم هي قول لفقيه يرى العلم من منظوره الديني ولا شأن له أو اشتغال بالمكتشفات العلمية المختبرية، وعموم العلوم التخصصية.
هذا باب نفتحه على مصراعيه:
علميًا، وبعلوم المختبر والتخصص؛ هل الماء لوحده مُنظِّف ومُعقِّم؟.

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان