التعددية النقابية في قطاع التعليم العالي بين الحقيقة والخيال

إبراهيم العثماني
2022 / 8 / 3

مقــــــــــــدّمة:


استقطب موضوع التعددية النقابية اهتمام النقابيين والمناضلين في الأيام الأخيرة منذ أن راج خبر مفاده أن مجموعة من النقابيين القدامى تنوي تأسيس اتحاد اختارت له من الأسماء " الجامعة العامة التونسية للشغل " . فحفز هذا الخبر البعض إلى كتابة المقالات والرد على هذه المبادرة (1) ، وأثار استغراب البعض الآخر، ونسي الكثير منهم أن التعددية النقابية أصبحت واقعا ملموسا في قطاع التعليم العالي مما دعانا إلى التوقف عند هذه الظاهرة لمعرفة آليات اشتغالها وخصائص المشهد النقابي قبل ظهورها وبعده .

I شيء من التّاريخ:

تأسست النقابة العامة للتعليم العالي والبحث العلمي يوم 18 أفريل 1971، والتزمت بالدفاع عن مطالب منظوريها منذ أن كانت متكونة من 4 فروع نقابية ( 2)، وقدمت منذ نهاية ديسمبر 1972 مشاريع حول الزيادة في الأرقام القياسية ومنح رجال التعليم العالي والبحث العلمي، والمساهمة في لجان الترقية وإصلاح التعليم الجامعي، كما حققت زيادة بنسبة 60 في المائة من معلوم الساعات الزائدة .(3 )
وقد تميزت بنشاطها وحضورها الفاعل في الاتحاد وحققت مكاسب هامة للمدرسين بالجامعة. ولكن سرعان ما تعرضت هذه الوحدة للانشطار، وتكرس الانشقاق عمليا مبكرا .يقول الأستاذ جنيدي عبد الجواد :" ولم تمض ثلاث سنوات على تأسيس النقابة حتى بدأت تحاك المناورات لشق صفوف الجامعيين فأحدثت نقابة الأساتذة والأساتذة المحاضرين ب16 منخرطا فقط انتخبوا من بينهم 9 أعضاء ليكوّنوا المكتب الوطني لهذه النقابة في سنة 1974 "(4 ).
ويرجع الأستاذ الجنيدي أسباب الانشقاق إلى ثلاثة عوامل :1) انزعاج السلطة من انضمام الجامعيين إلى الاتحاد 2) حذر قيادة الاتحاد واحتياطها من نقابة كانت في مطالبها ومقرراتها وطرق عملها وتسييرها مستقلة تماما عن الحزب الدستوري 3) عدم رضا بعض الأساتذة المحاضرين وأساتذة التعليم العالي بتقليص الفوارق بين أصناف السلك الواحد إثر اتفاقية 1973 (5 ).
ولكن رغم وجود هيكلين نقابيين في مؤسسة واحدة فقد التزما بالتنسيق فيما بينهما كلما عزما على خوض نضالات مشتركة . وكل الزيادات المادية التي تحققت والتحسينات التي أدخلت على ظروف العمل تمت بفضل تظافر جهود جميع الأساتذة رغم اختلاف أسلاكهم . وقد أصبح التشاور والتنسيق سنة تكرسها نقابتا التعليم العالي على مدى عقود إلى أن تعطل هذا التقليد منذ اتفاقية 14/ 12/ 1999 التي ربطت الزيادة في الأجور بالزيادة في ساعات العمل، وأثارت جدلا واسعا بين صفوف الأساتذة وتباينات حادة لم تنته مضاعفاتها إلى الآن، ومن ثم دخل العمل النقابي في الجامعة منذ ذلك التاريخ في مأزق لم يستطع تجاوزه خاصة وقد غذته أطراف من داخل القطاع و من خارجه. وهي تسعى جاهدة إلى تأبيده، فتناسلت النقابات حتى أصبحت الوزارة" تتفاوض" مع "أربع ". فما هي هذه النقابات ؟ وما هي حقيقة الأمر ؟
في الحقيقة لا نستطيع أن نتحدث عن نقابة إلا إذا توفرت جملة من الشروط والمقومات تكون مستمدة من النظام الداخلي والقانون الأساسي للاتحاد الذي تنتمي إليه ، لذلك سنستعرض هذه النقابات لنتبين إلى أي مدى تستجيب هذه الهياكل لتلك المواصفات .

II المشهد النّقابي الرّاهن:

1 ) الجامعة العامة للتعليم العالي والبحث العلمي :

هي إفراز للمؤتمر التوحيدي الذي انعقد يوم 15 جويلية 2006 و الذي أشرف عليه الأخ محمد السحيمي بحضور عدد من أعضاء المكتب التنفيذي للاتحاد العام، وهي تكريس للائحة المجلس القطاعي المشترك لنقابات التعليم العالي المنعقد يوم 15 جوان 2006، ومقررات مؤتمر جربة الاستثنائي ( فيفري 2002 )، والهيئة الإدارية الوطنية للاتحاد ( مارس 2004)، والمجلس الوطني ( أفريل 2006 ) . وتضم في صفوفها كل أسلاك المدرسين والباحثين والعاملين بالجامعة التونسية التي كانت موزعة على عدة نقابات وبذلك أصبحت ممثلهم الشرعي الوحيد. ولها نقابات أساسية ونيابات نقابية، ويبلغ عدد المنخرطين بها 3270 (6 ). وهي الهيكل النقابي الجامعي الوحيد الذي يعترف به الاتحاد العام ويحتضن أنشطته، فيعقد المجالس القطاعية ويصدر اللوائح والبيانات النّقابيّة ويرد على المناشير الوزارية ويرسم الخطط النضالية لتحقيق المطالب المرفوعة منذ سنوات .
ولئن اعترفت وزارة التعليم العالي بالجامعة وعقدت معها جلسات للتفاوض فإن هذه الجلسات لم تتمخض عن أي نتيجة تذكر .

2) "نقابة الأساتذة والأساتذة المحاضرين " :

هي النقابة التي تأسست سنة 1974 وظلت تنشط حتى غاية 15 جويلية 2006. وقد رفض مكتبها التوحد مع سائر أسلاك التعليم العالي والانصهار في الجامعة العامة رغم النداءات المتكررة التي وجهت إليه . ويؤكد الاتحاد العام أن المؤتمرات التي انعقدت طوال سنة 2006 كانت توحيدية وشاركت فيها كل الأصناف . لذا لم تعد لهذه النقابة العامة أي نقابة أساسية أونيابة نقابية ولم يعد لوجودها أي مبرر. ويضيف الاتحاد قائلا بأن عدد منخرطيها
لا يتجاوز 120(7 )، وهو عدد لا يسمح لها بتكوين نقابة عامة، ومن ثم لم يعد يعتبرها هيكلا من هياكله، ورغم ذلك لا تزال وزارة التعليم العالي تعترف بها وتجتمع بمكتبها دون أن تقدم إليه أي شيء .

3) "النقابة العامة للتعليم العالي ":

انبثق مكتب هذه النقابة عن مؤتمر 27 ،28 أكتوبر 2001، وقد اقترن انعقاد هذا المؤتمر بجملة من الطعون جعلته لا يحظى برضا النقابيين والأساتذة. فأثار ردود فعل مختلفة واستنكارا لظروف انعقاده وأحدث النقابيون حوله فراغا مما دفع قيادة الاتحاد إلى حله يوم 2 ماي 2002 وتعويضه بلجنة نقابية مؤقتة، ثم عقد المؤتمر الثامن بأميلكار يوم 14 جوان 2003 ليضع حدا لهذا المكتب. وقد رفض مصطفى التواتي الكاتب العام السابق لهذه النقابة هذا الإجراء وقدم قضية عدلية للطعن في شرعية هذا القرار الذي اتخذه الاتحاد وتمسك بمكتبه. ورغم أن هذا الهيكل لم يعد ممثلا بالاتحاد فلا تزال الوزارة تعترف به . ويقترن ظهوره على الصحافة بالدعوات التي توجهها إليه الوزارة لحضور الاجتماعات والالتقاء بها دون أن تلبي له أي مطلب إن تقدم لها بمطالب .

4) " نقابة المدرسين التكنولوجيين ":

فاجأت وزارة التعليم العالي النقابيين في القطاع وخارجه بحدث غريب ولافت للانتباه. فقد نظمت يوم 15 أوت 2006 برادس يوما دراسيا "حول مهنة المدرس التكنولوجي والمسألة التنظيمية :الواقع والآفاق ". ومن العناوين الفرعية لهذا اليوم الدراسي " تكوين الهيئة الوطنية التأسيسية للنقابة المستقلة للمدرسين التكنولوجيين وتحديد مهامها وتكوين النيابات النقابية في المؤسسات التكنولوجية "(8) .
هكذا تصبح الوزارة مدافعا عن المدرسين التكنولوجيين، وتتولى عوضا عنهم تأسيس هيكل نقابي باسمهم بعد أن أصبحوا ممثلين في الجامعة العامة، ومن ثم تتجاوز كل الأعراف والنواميس وتقحم نفسها في موضوع لا يعنيها، بل تدعو الهيئة التي نصبتها إلى" التفاوض" دون أن تقدم إليها أي شيء .

III مناورات وزارة التّعليم العالي:

تلك هي حقيقة المشهد النقابي في الجامعة بعد مرور سبع سنوات على إبرام اتفاقية 14/ 12/ 1999 :جامعة ممثلة ونقابات صورية. لكن تستحيل الحقيقة خيالا والخيال حقيقة ،وتغدو المعادلة معكوسة في ذهن وزارة التعليم العالي، وتتساوى الهياكل لديها رغم اختلاف أحجامها وقاماتها وتباين تمثيليتها، فتحيي الرميم وتميت الحي. ولعل التجاء الوزارة إلى مثل هذا الأسلوب مرده إلى الرغبة في تغييب الجامعة عن مناقشة الملفات الكبرى ومواجهة مشاريعها ومقارعة الحجة بالحجة. فمنذ سنوات دأبت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي على طرح الإصلاح تلو الإصلاح دون مشاركة النقابة فيه، و ظلت أوضاع المدرسين وظروف عملهم تزداد سوءا ولا راد له، وما انفكت مقدرتهم الشرائية تهترئ، ومكاسبهم تفتك من يوم لآخر دون أن يكون لذلك الاهتراء حد ينتهي عنده ولا لهذا الافتكاك من خط أحمر يوقفه .
ولئن فتحت الوزارة باب" التفاوض" مع أكثر من نقابة فإن ذلك الأسلوب ليس إلا طريقة لجعل الحوار مع الهيكل النقابي الممثل الحقيقي للأساتذة والمدافع عنهم والمنافح عن مطالبهم مجرد عملية شكلية بحت مفرغة من أي محتوى. وإن اعترفت بهذه النقابات جميعها فإن اعترافها لا يعدو أن يكون تهميشا لها جميعا والتفافا على مطالبة النقابة الشرعية بالمشاركة الفعلية في بلورة الإصلاح الجامعي وذلك حرصا من الوزارة على ربح الوقت والتمكن من تمرير مشروع ( إمد ) وجودة التعليم العالي "بفضل " التعددية النقابية .
تتضح إذن نية الوزارة من التحمس لهذه التعددية النقابية الصورية. فهي تسير في
اتجاه معاكس للمسار الذي اختاره الاتحاد العام التونسي للشغل . فبقدر ما كان الاتحاد حريصا على لمّ شمل الأساتذة في هيكل واحد وموحد عملت الوزارة على تشتيت صفوفهم .فقسمت الهيكل النقابي الواحد إلى أربعة، وجعلت الهياكل الأربعة لا تساوي شيئا، وأتاح لها هذا النفي التحرك بكل حرية لتمطر الأساتذة بوابل من المناشير قوامها التراجع في عديد المكاسب. ولكنها نسيت أن الشيء إذا تجاوز حده انتقل إلى ضده. لذا كان جواب الأساتذة النضال والنضال بكل الوسائل القانونية والمشروعة وتحديد إضراب بيوم واحد يوم 5 أفريل 2007 بوصفه بداية لسلسلة من التحركات اللاحقة التي سيكون رد فعل الوزارة على الإضراب محددا لنوعها وشكلها ووتيرتها ومداها .

خاتـــــــــمة:

وفي خاتمة هذا المقال نستطيع أن نقول :ليست التعددية النقابية شرا لابد منه بل هي اختيار تبرره الاعتبارات الحزبية والإيديولوجية مثلما هو الشأن في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا ...حيث ترتبط النقابات بالأحزاب فتعبر عن مصالحها أكثر مما تعبر عن مصالح الطبقة العاملة. وهي تكون أيضا خطة يلجأ إليها الخصوم أو يستغلونها لشق صفوف النقابيين وإلهائهم عن مشاغلهم الأساسية وتحويل وجهة الصراع الحقيقية كما هي الحال في سلوك وزارة التعليم العالي عندنا مع الجامعة العامة للتعليم العالي والبحث العلمي. و قد تكون كذلك وسيلة لتحقيق مآرب فئوية أوشخصية ضيقة جدا .
--------------------------

المراجع
1) انظر على سبيل المثال وليس الحصر:
جريدة "الشعب" بتاريخ 3 مارس و17 مارس2007
جريدة "الصباح "بتاريخ 2 فيفري و20 فيفري 2007
جريدة "الموقف " بتاريخ 23 فيفري و23 مارس 2007
2) الاتحاد العام التونسي للشغل –التقرير الأدبي للمؤتمر القومي الثالث عشر، تونس 28 ،29 ،30 ،31 مارس 1973 -مطبعة الاتحاد العام التونسي للشغل، ص 35
3) المرجع السابق ص ص259 ، 260 .
4) جنيدي عبد الجواد : حول التوحيد النقابي، عودة إلى التاريخ وخطوات إلى الأمام ضمن "الجامعي " –نشرية داخلية تصدرها النقابة العامة للتعليم العالي عدد 9 /10 جانفي – فيفري 2006 ص3 .
5) المرجع السابق ص3 .
6) جريدة "الشعب" عدد 876 –السبت 29 جويلية 2006 ص12 .
7) المرجع السابق ص12 .
8) جريدة الشعب" عدد 879 السبت 19 أوت 2006 ص3 .

حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر