كلنا نعيش الآن في عالم فلاديمير بوتين - إيفان كراستيف

نورالدين علاك الاسفي
2022 / 8 / 3

كلنا نعيش الآن في عالم فلاديمير بوتين - إيفان كراستيف

إيفان كراستيف
Ivan Krastev

ترجمة: نورالدين علاك الأسفي. [1]
zawinour@gmail.com

أشار الصحفيون الذين كتبوا عن الشؤون الدولية في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي إلى حقبة ما بعد الحرب. لقد رأوا الأحداث من منظور الحرب العظمى التي دمرت أوروبا قبل بضع سنوات فقط. و يشير المؤرخون الذين يكتبون اليوم إلى نفس سنوات فترة ما بين الحربين، لسبب بسيط هو أنهم يحللون ما حدث خلال تلك السنوات كجزء من الفترة التي سبقت الحرب العالمية الثانية الأكثر تدميرا. لو كان هؤلاء الصحفيون الذين كتبوا في ثلاثينيات القرن الماضي في أوروبا لديهم وضوح الإدراك المتأخر.
اليوم؛ ينبغي أن يكون لدينا جميعا هذا الوضوح. فالعدوان العسكري الروسي في أوكرانيا هو واحد من تلك اللحظات التي تدفعنا لإعادة تفسير عصرنا. و ما أطلقنا عليه السلام الذي دام 30 عاما؛ والذي أعقب الحرب الباردة ( مع ميل إلى نسيان الحروب في يوغوسلافيا السابقة بوعي أو بغير وعي) قد انتهى الآن. سينظر مؤرخو المستقبل إلى هذه العقود الأخيرة، إلى حد كبير، بقدر ما ينظرون إلى فترة ما بين الحربين: كفرصة أهدرت.
وكلما أسرعنا جميعا في الاعتراف بذلك، كنا في أفضل استعداد لما سيأتي بعده. لسوء الحظ، يسود نوع من الإنكار الذاتي في العواصم الغربية؛ يمنعنا من رؤية ما هو واضح. فالمناشدات الحماسية للدفاع عن النظام الأوروبي بعد الحرب الباردة ليس لها معنى؛ لأن هذه الحقبة قد انتهت.
في أعقاب احتلال روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014، تحدثت أنجيلا ميركل، التي كانت آنذاك مستشارة ألمانيا، إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين و أبلغت الرئيس باراك أوباما أن السيد بوتين، من وجهة نظرها، قد فقد الاتصال بالواقع. قالت إنه كان يعيش في "عالم آخر". اليوم نحن جميعا نعيش فيه. في هذا العالم، على حد تعبير ثوقيديدس [2] Thucydides، " القوي يفعل كما يريد ، والضعيف يعاني كما يجب "
كيف وصلنا إلى هنا؟ أولا، يجب أن نفهم أن هذه ليست حرب روسيا. إنه السيد بوتين. المتحدر من جيل معين من مسؤولي الأمن الروس الذين لم يتمكنوا أبدا من التصالح مع هزيمة موسكو في الحرب الباردة. فقد اختفى الاتحاد السوفياتي من على الخريطة أمام أعينهم دون خسارة عسكرية أو غزو أجنبي. بالنسبة لهم، يعتبر الهجوم الحالي على أوكرانيا نقطة انعطاف منطقية وضرورية. يمكن معها إعادة ضبط الجدول الإمبراطوري مرة أخرى. هؤلاء الناس غير مهتمين بكتابة المستقبل؛ إنهم يريدون إعادة كتابة الماضي.
أثناء مشاهدة الصواريخ الروسية تهاجم كييف، و في مزاج من الغضب العاجز، أدركت فجأة أن العديد من الروس لا بد أنهم شعروا بنفس الشعور عندما كان الناتو يقصف بلغراد قبل عقدين من الزمن. قد يكون غزو بوتين متعلقا بالانتقام أكثر من كونه استراتيجية كبرى.
هناك فرق بين التحريفية و الانتقامية. يرغب التحريفيون في بناء نظام دولي وفق رغبتهم. و الانتقاميون مدفوعون بفكرة الاسترداد. إنهم لا يحلمون بتغيير العالم بل بتغيير الأماكن مع المنتصرين في الحرب الأخيرة.
إذا نجح السيد بوتين اليوم، فلا يمكن للغرب أن يلوم إلا نفسه. فبينما كان الرأي العام الغربي ينوم مغناطيسيا بفكرة أن روسيا في حالة تدهور حاد - محطة وقود بها أسلحة نووية، كما يحب البعض وسمها – كان الرئيس الروسي قد شرع في إنفاذ استراتيجيته. فلسنوات، كان السيد بوتين يعزز مجال نفوذه على الاتحاد السوفيتي السابق، بدءا من حربه على جورجيا عام 2008 ومن خلال ضم شبه جزيرة القرم سنة 2014. وفي الآونة الأخيرة، شدد قبضته على بيلاروسيا وآسيا الوسطى. و الآن قام بالخطوة الدرامية التالية.
قال الرئيس بايدن يوم الخميس؛ أنه و ردا على غزو أوكرانيا، يعتزم أن يجعل السيد بوتين "منبوذا على الساحة الدولية". سيكون ذلك عقابا مناسبا على هذا الانتهاك للقانون الدولي، لكن الأمور قد لا تسير على هذا النحو. هناك خطر حقيقي؛ و الغرب هو الذي يمكن أن يجد نفسه بدله أكثر عزلة.
فعلى مدى الشهرين الماضيين، انتقل تحالف موسكو وبكين من الفرضية إلى الواقع، بفضل الهدف المشترك المتمثل في تحدي الهيمنة الأمريكية. في حين أن النخب الصينية هي بالكاد متحمسة بشأن الغزو الروسي المتهور لأوكرانيا. (فالصينيون يعتزون بالتزامهم بعدم انتهاك سيادة الدولة)، فلا شك في أنهم سيبقون إلى جانب موسكو. انظر إلى كيف رفضت بكين وصف حرب السيد بوتين رسميا بأنها غزو. قد يكون الرئيس شي جين بينغ المستفيد الأكبر من الأزمة الحالية: أمريكا لا تبدو ضعيفة فحسب، بل و تجد نفسها الآن متورطة في أوروبا وغير قادرة على التركيز على آسيا.
ترى العديد من الدول أن الصراع بين روسيا والغرب هو الصراع بين الإمبرياليين القدامى و بالكاد يطالهم تأثيره. ومما يبعث قلقا أكبر و إلحاحا أكثر هو الطريقة التي ستؤدي بها العقوبات التي فرضها الغرب إلى رفع أسعار الطاقة والمواد الغذائية. لا يمكن للغرب أن يكسب المتشككين في جهوده لمحاربة بوتين إلا إذا نجح في إظهار لأولئك الذين خارج أوروبا أن ما هو على المحك في كييف ليس مصير نظام موال للغرب ولكن سيادة دولة حديثة الولادة في ما بعد الإمبراطورية. البعض يفهم هذه الفكرة بالفعل: فقد التقط سفير كينيا لدى الأمم المتحدة ما يحدث في أوكرانيا عندما قال، "إن الوضع يعكس تاريخنا. ولدت كينيا و كل دولة أفريقية تقريبا بنهاية الإمبراطورية ".
ماذا تعني نهاية السلام لأوروبا؟ ستكون العواقب وخيمة. إن الحرب في أوكرانيا لديها القدرة المخيفة على تأجيج الصراعات المجمدة في محيط القارة، بما في ذلك؛ أماكن أخرى في نطاق ما بعد الاتحاد السوفيتي وغرب البلقان. قد يقرأ زعماء جمهورية صربيا انتصار بوتين في أوكرانيا كإشارة لتفكيك البوسنة. كما أن الزعماء؛ الأصدقاء لروسيا في الاتحاد الأوروبي سيشعرون بالجرأة بفعل فوز السيد بوتين. لقد وحد غزو أوكرانيا أوروبا، لكنه سيضر أيضا بثقتها بنفسها.

و لكن الأهم من ذلك، أن أحداث الأسبوع الماضي سوف تتطلب إعادة تفكير جذري في المشروع الأوروبي. فعلى مدى السنوات الثلاثين الماضية، أقنع الأوروبيون أنفسهم بأن القوة العسكرية لا تستحق التكلفة و أن التفوق العسكري الأمريكي كان كافيا لثني الدول الأخرى عن خوض الحرب. فانخفض الإنفاق على الدفاع. و ما بات مهما؛ الحكمة المتلقاة، حيث القوة الاقتصادية والقوة الناعمة.
نحن نعلم الآن أن العقوبات لا يمكن أن توقف الدبابات. لقد ثبت خطأ قناعة أوروبا الراسخة بأن الاعتماد الاقتصادي المتبادل هو أفضل ضمان للسلام. لقد أخطأ الأوروبيون في تعميم تجربة ما بعد الحرب العالمية الثانية على دول مثل روسيا. الرأسمالية ليست كافية للتخفيف من الاستبداد. إن التجارة مع الطغاة لا تجعل بلدك أكثر أمانا، كما أن الاحتفاظ بأموال القادة الفاسدين في بنوكك لا يؤدي إلى تحضرهم؛ إنه يفسدك. كما أن احتضان أوروبا للهيدروكربونات الروسية جعل القارة أكثر انعداما للأمن وضعفا.
قد يكون التأثير الأكثر زعزعة للاستقرار لغزو روسيا هو أن الكثيرين حول العالم شرعوا في الاتفاق مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. ففي منتدى ميونيخ الأمني هذا الشهر، صرح بأن كييف ارتكبت خطأ بالتخلي عن الأسلحة النووية التي ورثتها عن الاتحاد السوفيتي. إن عدم استعداد الولايات المتحدة للدفاع عن دولة صديقة مثل أوكرانيا يمكن أن يجعل بعض حلفاء الولايات المتحدة على الأقل يعتقدون أن الأسلحة النووية هي الطريقة الوحيدة لضمان سيادتهم. و ليس من الصعب تخيل جيران الصين يفكرون بهذه الطريقة أيضا. فحقيقة أن غالبية الكوريين الجنوبيين يفضلون الآن حصول بلادهم على أسلحة نووية تشير إلى أن تحركات السيد بوتين في أوكرانيا تعرض نظام حظر الانتشار النووي في العالم للخطر.
في عام 1993، تنبأ الشاعر والكاتب الألماني الكبير هانس ماغنوس إنتزنسبيرغر / Enzensberger [3]بأن الحرب الباردة سيعقبها عصر من الفوضى والعنف والصراع. و بتأمل ما لاحظه في يوغوسلافيا وأعمال الشغب الحضرية في الولايات المتحدة، فقد رأى عالما محددا بـــ"عدم القدرة على التمييز بين التدمير و التدمير الذاتي". ففي هذا العالم، لم تعد هناك حاجة لإضفاء الشرعية على أفعالك. فقد حرر العنف نفسه من الأيديولوجية ".
السيد إنتزنسبيرغر كان على حق سابق لأوانه. [4]
-------------
[1] في البال: المقالة مناط الترجمة رهن بالإحاطة علما؛ لا بقصد تبني فحواها جملة أو تفصيلا. المترجم.
[2]ثوقيديد أو ثوقيديدس (460 ق.م. – 395 ق.م.) مؤرخ إغريقى شهير، صاحب كتاب تاريخ الحرب البيلوبونيسية يعد أول المؤرخين الإغريق الذين أعطوا للعوامل الاقتصادية والاجتماعية أهمية خاصة.يعتبره مجتمع العلوم السياسية أبًا من آباء مجال العلاقات الدولية لما كتبه من تشريح للعلاقات بين أثينا وإسبرطة أثناء الحرب بينهما، وملامح فلسفته الواقعية في تناول الصراعات بين القوى والدول، حيث يراها منظرّو العلاقات الدولية حاليًا نواة للمدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، والأكبر حتى يومنا هذا في مجالها. كما أنه أول من وصف المناعة، فقد أصيبت أثينا بالطاعون خلال الحرب، ولاحظ أن الذين أصيبوا بالطاعون و شفوا منه لم يعد إليهم المرض.
[3] Hans Magnus Enzensberger/هانس ماغنوس إنتزنسبيرغر:شاعر وكاتب ومترجم ومحرر ألماني معاصر. يتصف شعره بالسخرية اللاذعة. تتناول بعض قصائده مواضيع الاضطرابات المدنية لأسباب اقتصادية أو طبقية.
[4] المصدر على الرابط:
https://www.nytimes.com/2022/02/27/opinion/putin-russia-ukraine-europe.html

حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر