ثورة أكتوبر وعمّال فارس (معرّب)

إبراهيم العثماني
2022 / 8 / 1

إنّ الأيّام العشرة الّتي هزّت العالم لم يكن بوسعها ألاّ تكون لها انعكاسات على جارة روسيا، فارس، مستعمرة انجلترا الإمبريالية وروسيا القياصرة.
كانت سياسة الإمبراطوريتين اللّتين تُخضعان فارس للوصاية السّياسية والاقتصاديّة تضع كلّ ضروب العراقيل أمام ازدهار الصّناعة الوطنيّة وإذن أمام نموّ الطّبقة العاملة. فلم يبدأ استغلال الأراضي المنتجة للنّفط في المناطق الجنوبيّة إلاّ حديثا. وكانت الصّناعة منعدمة في فارس باستثناء بعض المؤسّسات الصّغرى- مطابع قليلة العدد، محالّ صيد السّمك، وسكك حديديّة مدّ خطوطها الرّوس. وكانت الطّبقة العاملة تتكوّن في مجملها من حرفيّين صغار وجماهير غائمة الهوية، مشتّتة وغير منظّمة. لكنّ الاستغلال الوحشي الّذي كان العمّال الأجراء والمحرومون من جميع حقوقهم يتعرّضون له كان بالنّسبة إليهم مصدر غضب دائم. ونحن نعرف أنّ هذا الغضب اتّخذ أشكالا صاخبة بما فيه الكفاية في مختلف أنحاء فارس تحت تأثيرالثّورة الرّوسيّة الأولى.
وقد أحيت ثورة فيفري(1) مجموعات كان قد تجمّد نشاطها تحت تأثير قمع الرّجعيّة. لكن سرعان ما خابت آمال الثّوريين الفرس إذ كانت سياسة كرنسكي(2) امتدادا لسياسة القياصرة الاستعماريّة ومنقادة بالدّفاع عن مصالح البورجوازيّة الرّوسيّة. ولا عجب إن كان موقف جماهير فارس الثّوريّة تجاه هذه الحكومة معاديا كذلك لمملكة رومانوف.
لكنّ إعصار ثورة أكتوبر العظمى كنس حكومة كرنسكي المنافقة وجماعته، وفجأة تغيّر الوضع.
ومن بين المراسيم التّحريريّة الأخرى الّتي نشرتها الحكومة السّوفياتيّة كان هناك مرسوم ألغى كلّ المعاهدات غير المتكافئة والّتي فرضتها الحكومة القيصريّة القديمة وحافظ عليها كرنسكي دون المساس بها. وبعد تركيز دكتاتورية البروليتاريا في روسيا أحسّ الشّعب الفارسي أنّه يتساوى، في علاقاته، مع إحدى أكبر قوى العالم العظمى. فتحت [إذن] ثورة أكتوبر العظمى أمام فارس صفحة جديدة من تاريخها، ولأوّل مرّة وبعد سنوات طويلة من الاحتلال، كان هذا البلد مدعوّا إلى أن يحيا حياة سياسيّة مستقلّة.
وبطبيعة الحال لم يلازم العمّال الفرس الفرجة ولم يكونوا غير مبالين تجاه أحداث أكتوبر. فقد شرعوا في تنظيم صفوفهم وتوحيد قواهم لنحت مصير أفضل وقد أيقظتهم عاصفة الثّورة ورجّهم خبر ولادة أوّل جمهوريّة للعمّال والفلاّحين. وفي الحقيقة فإنّ تنظّم الطّبقة العاملة الفارسية لم يبدأ إلاّ بعد ثورة أكتوبر. لكن، ومنذ البدء، سقطت قيادة المنظّمات العمّاليّة بين أيدي مجموعات انتهازيّة من المثقّفين الّذين بذلوا قصارى جهدهم لإبعاد العمّال عن درب الثّورة. حينئذ بدأ حزبا: الاشتراكيّون الدّيمقراطيّون والكرخيار- الاشتراكيّون ونقابة تنضيد المطابع ينشطون في طهران.
وانتسب إلى هذه المنظّمات عمّال عديد المؤسّسات: الطّباعة، موظّفو العربات العامّة، وعمّال البناء... ورفع أعضاء هذه المنظّمات، رغم قيادتها المنتسبة إلى أشباه الاشتراكيين والمعادية للعمّال، شعارات ثوريّة من قبيل: - طرد الجيوش الأنقليزيّة، - النّضال ضدّ ممتهني الغشّ ومجوّعي الشّعب، - يوم عمل بثماني ساعات، - الحقّ النّقابي الخ.
حدث أوّل نشاط علني سنة 1917: كانت مظاهرة مناهضة للانجليز شارك فيها مئات العمّال الثّوريين وطالبوا بإطلاق سراح سليمان ميرزا وقادة ديمقراطيّين آخرين، وحلّ جهاز البوليس الانجليزي وسحب الجيوش الانجليزية..
وفي نفس شتاء 1917، وفي أوج فترة المجاعة، نفّذ عمّال الطّباعة إضرابا، وهم متأثّرون بالرّاية الحمراء، وراحوا ينهبون دكاكين التّجار محترفي الغشّ ففرّقتهم الشّرطة.
وفي سنة 1919 ولمّا كان فسوغول دوفلاي الموالي للانجليز رئيسا للحكومة شنّ عمّال الطّباعة إضرابا فتدخّلت الشّرطة وأجبرتهم على فكّ الإضراب إلاّ أنّهم كانوا قد حقّقوا يوم عمل بثماني ساعات. وفي نفس السّنة كان مآل إضراب سائقي القطارات الفشل. وقد علّمت تجربة هذه الإضرابات العمّال توحيد قواهم في سبيل خوض معارك المستقبل.
كان انتصار السّلطة السّوفياتيّة في القوقاز وتركستان وثورة 1920-1921 كذلك درسا ثمينا بالنّسبة إلى العمّال الفرس إذ حثّهم على النّضال الاقتصادي والسّياسي. وبدءا من هذه اللّحظة وإلى حدود سنة 1925 وبالتّوازي مع نهوض حركة التّحرّر تطوّرت الحركة العمّاليّة الّتي يقودها لحزب الشيوعي بإيران حيث شارك العمّال مباشرة في الحياة السّياسيّة بالبلاد. وقد دفع ضغط الجماهير عديد الحكومات إلى الاستقالة الواحدة تلو الأخرى. وفي سنة 1922، انتظمت لأوّل مرّة في غرّة ماي مظاهرة ضخمة كان شعارها الأساسي يوم عمل بثماني ساعات.
حدثت وقفة تأمّل في صلب الحركة العمّاليّة إثر الانقلاب الرّجعي الّذي قاده الشاه رضا(3) . فاختفت المنظّمات العمّاليّة الّتي لاحقها البوليس أو التجأت إلى العمل السرّي باستثناء نقابات المطابع والنّسيج في طهران، والعتّالين في أنزيدي. لكنّ قمع الحكومات المتعاقبة فشل في حمل النّقابيّين على نسيان دروس ثورة أكتوبر. فقد أدرك العمّال الفرس بالفطرة، ورغم ثقافتهم المحدودة، المغزى الأممي لهذه الثّورة. فالاحتفال بعيدها العاشر هو، بالنّسبة إلى جميع عمّال فارس، احتفال رسمي، وهم مستعدّون للدّفاع عن اتّحاد الجمهوريّات الاشتراكيّة السّوفياتيّة وإنجازاته الثّوريّة بكلّ ما أوتوا من قوّة.
عشر سنوات مرّت على وجود بلد الثّورة المظفّرة وتطوّرها. إنّه لدرس ثمين على العمّال الفرس أن يستفيدوا منه في نضالهم المستقبلي في سبيل افتكاك السّلطة.
تحيي ثورة أكتوبر عيدها العاشر: إنّه لضمانة لنموّ المنظّمات العمّاليّة بفارس وتطوّرها.
إنّ سنوات الثّورة العشر الّتي انقضت تحت قيادة الحزب الشّيوعي وقائده العظيم ف. إ. لينين تضيء بنور ساطع درب التّحرّر لعمّال الشّرق والعالم أجمع.
سيوسّع الحزب الشّيوعي بإيران والنّقابات الفارسيّة الملتصقة شديد الالتصاق ب.أ.ش (الأمميّة الشيوعيّة- المترجم) وأ.ن.ح (الأمميّة النّقابيّة الحمراء- المترجم) دائرة الحريق الّذي أشعلت شرارته ثورة أكتوبر حتّى النّصر التّام للعمّال في العالم أجمع.
عاشت وحدة عمّال الشّرق والغرب تحت الرّاية الحمراء لثورة أكتوبر العظيمة!
عاشت اللّينينيّة وتحالف البروليتاريا الثّوريّة مع شعوب الشّرق المضطهدة!
عاشت الأمميّة الشيوعيّة قائدة الثّورة العالميّة.
عاشت الأمميّة النّقابيّة الحمراء رمز الوحدة الأمميّة للحركة العمّاليّة!
عاش الحزب الشّيوعي الرّوسي ولجنته المركزيّة طليعة الثّورة العالميّة.!

المصدر:

Zahmatkech, La Révolution d’octobre et les travailleurs de Perse, in : L’internationale syndicale rouge, n° 81, octobre 1927

الهوامش:

1) ثورة فيفري: انتصرت ثورة فيفري الدّيمقراطيّة البورجوازيّة 1917 لأنّ محرّكها كان الطّبقة العاملة الّتي قادت حركة ملايين الفلاّحين وهم يرتدون لباس الجندي "في سبيل السّلم والخبز والحريّة". كانت هيمنة البروليتاريا محدّدة في انتصار الثّورة. انظر: تاريخ الحزب الشيوعي (البلشفي) للاتحاد السّوفيتي، مونريال كندا، 1979- ص 195/196.
2) ألكسندر كيرنسكي (1881- 1970) : محام وسياسي روسي، عضو الحزب الاشتراكي الثّوري، تقلّد، بعد ثورة فيفري، عدّة مناصب وزاريّة في حكومتي الأمير قيرقي لفوف guergui lvov) ثمّ أصبح رئيس الحكومة المؤقتة قبل أن يزيحه البلاشفة من الحكم أثناء ثورة أكتوبر وعوّضوا حكومته المؤقتة بحكومة بلشفيّة. وقد كانت هذه الحكومة محلّ عدّة مآخذ منها عدم سحب روسيا من الحرب الكونيّة الأولى وعدم اتّخاذ إجراءات سياسيّة لفائدة الشعب كما لم تتخذ إجراءات لوقف التّدهور الاقتصادي ممّا أضعف شعبيّتها ويسّر سقوطها.
") الشّاه رضا: استولى الجنرال رضا خان، قائد حامية لواء القوزاق في قزوين، على طهران يوم 21فيفري1921. وهذا الانقلاب اُحتُفي به لاحقا باسم يوم التّحرير المجيد..."وقد جعل رضا خان من ذاته القوّة الحقيقيّة وراء العرش، أوّلا كقائد للجيش ثمّ لاحقا كوزير للحرب، ثمّ كرئيس للوزراء مع احتفاظه بمنصب القائد العام للقوّات المسلّحة. وخلال هذه الأعوام (أي أعوام حكمه) كان هو من يصنع ويخلع الوزارات ورؤساء الوزارات...ثمّ جعل ابنه الوريث الشّرعي وتوّج نفسه ملكا وأصبح الشّاه رضا. وقد ظلّ كذلك حتّى وقع الغزو الأنجلو- سوفياتي عام 1941." اُنظر: إبراهيميان (أروند )، تاريخ إيران الحديث، ترجمة مجدي صبحي، عالم المعرفة، فبراير2014، ص ص95-98.

حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر