حرب بوتين على النظام الليبرالي - فرانسيس فوكوياما (2/5)

نورالدين علاك الاسفي
2022 / 7 / 27

حرب بوتين على النظام الليبرالي- فرانسيس فوكوياما (2/5)
فرانسيس فوكوياما
Francis Fukuyama
ترجمة: نورالدين علاك الأسفي.
zawinour@gmail.com

ما هي الليبرالية؟
الليبرالية مذهب، تم الإعلان عنه لأول مرة في القرن السابع عشر/ ال17م، تسعى للسيطرة على العنف من خلال خفض رؤى السياسة. إنها تدرك بأن الناس لن يتفقوا على أهم الأشياء - مثل الدين الذي يجب اعتناقه - لكنهم بحاجة إلى التسامح مع المواطنين الذين لديهم آراء مختلفة عن آرائهم.
وهي تفعل ذلك من خلال احترام المساواة في الحقوق والكرامة للأفراد، عبر سيادة القانون والحكومة الدستورية التي تراقب وتوازن سلطات الدول الحديثة. و من بين هذه الحقوق حقوق الملكية الخاصة والتعامل بحرية، وهذا هو السبب في أن الليبرالية الكلاسيكية ارتبطت بقوة بمستويات عالية من النمو الاقتصادي والازدهار في العالم الحديث. بالإضافة، كانت الليبرالية الكلاسيكية مرتبطة عادة بالعلوم الطبيعية الحديثة، و الرأي القائل بأن العلم يمكن أن يساعدنا على فهم العالم الخارجي و تطويعه لمصلحتنا الخاصة.
العديد من تلك الأسس تتعرض الآن للهجوم. فالمحافظون الشعبويون في ضجر بالغ من الثقافة المنفتحة والمتنوعة التي تزدهر في المجتمعات الليبرالية، و يتوقون إلى وقت يعتنق فيه الجميع نفس الدين ويتشاركون نفس العرق. و فالهند الليبرالية بقيادة غاندي ونهرو تحولت إلى دولة هندوسية غير متسامحة مع ناريندرا مودي؛ رئيس وزراء الهند، في هذه الأثناء بالولايات المتحدة، يتم الاحتفال بالقومية البيضاء علانية داخل أطراف من الحزب الجمهوري. يغضب الشعبويون من القيود التي يفرضها القانون والدساتير: فقد رفض دونالد ترامب قبول الحكم الصادر في انتخابات 2020، و حاول حشد عنيف مباشرة إلغاءه باقتحام مبنى الكابيتول. و الجمهوريون، بدلا من إدانة هذا الاستيلاء على السلطة، اصطفوا إلى حد كبير وراء كذبة ترامب الكبيرة.
كما تم تحدي القيم الليبرالية للتسامح وحرية التعبير من اليسار. فالعديد من التقدميين يشعر أن السياسة الليبرالية، بنقاشها وبناء الإجماع، بطيئة للغاية وفشلت بشكل خطير في معالجة التفاوتات الاقتصادية والعرقية التي ظهرت نتيجة للعولمة. و العديد من التقدميين أنفسهم أظهروا الاستعداد للحد من حرية التعبير والإجراءات القانونية الواجبة باسم العدالة الاجتماعية.
يتعاون كل من اليمين واليسار المناهضين لليبرالية في عدم ثقتهم بالعلم والخبرة. على اليسار، يمتد خط فكري من بنيوية القرن العشرين عبر ما بعد الحداثة إلى النظرية النقدية المعاصرة التي تشكك في سلطة العلم. جادل المفكر الفرنسي ميشيل فوكو/[5] Michel Foucaultبأن النخب الغامضة تستخدم لغة العلم لإخفاء هيمنة المجموعات المهمشة مثل المثليين والمرضى العقليين والسجناء. هذا الشعور بعدم الثقة في موضوعية العلم قد انتقل الآن إلى أقصى اليمين، حيث تدور الهوية المحافظة بشكل متزايد حول الشك في اللقاحات وسلطات الصحة العامة والخبرة بشكل عام.
وفي الوقت نفسه، كانت التكنولوجيا تساعد على تقويض سلطة العلم. و تم الاحتفاء بالإنترنت في البداية لقدرته على تجاوز حراس البوابة الهرميين مثل الحكومات والناشرين ووسائل الإعلام التقليدية. لكن تبين أن هذا العالم الجديد له جانب سلبي كبير، حيث استخدم الفاعلون الحاقدون من روسيا إلى مؤيدي كيو أنون/ [6] QAnon هذه الحرية الجديدة في نشر المعلومات المضللة وخطاب الكراهية. تم تحفيز هذه الاتجاهات، بدورها، من خلال المصلحة الذاتية لمنصات الإنترنت الكبيرة التي ازدهرت ليس بالمعلومات الموثوقة ولكن بالانتشار الواسع.
- يتبع -
----------------
[5] ميشيل فوكو/ Michel Foucaultمفكر وفيلسوف فرنسي(1926/1984)، يعد أحد أهم المفكرين الغربيين في النصف الثاني من القرن العشرين، كما يوصف بأنه الفيلسوف الأكثر تأثيرا في فلاسفة ما بعد الحداثة .يكمن جانب تجديده الفكري في أنه منذ الفيلسوف فرانسيس بيكون -الذي يوصف بأنه أول من اعتبر المعرفة سلطة- لم يعالج أحد من مفكري الغرب مسألة "المعرفة والسلطة" بنفس العمق الذي عالجها بها ميشيل فوكو. محورت اجتهاداته حول خمسة أسئلة أساسية: ماذا يمكن للإنسان أن يقوله حول ذاته حين يفكر فيها لا من منظور العقل وإنما من منظور اللاعقل؟ (كتاب تاريخ الجنون، 1961)، وكيف ينظر إلى ذاته حينما يدركها انطلاقا من ظاهرة المرض؟ (كتاب ميلاد العيادة، 1963). وكيف يبني ذاته من جهة كونه كائنا حيا ناطقا شغالا؟ (كتاب الكلمات والأشياء، 1966)، وكيف تبدو للإنسان محاكمته لذاته من حيث خضوعه للمراقبة وللعقاب؟ (كتاب المراقبة والعقاب، 1975)، وأخيرا: كيف ينظر الإنسان إلى رغباته ويهتم بذاته؟ (ثلاثية تاريخ الحياة الجنسية، 1976-1984).
[6] QAnon/كيو أنون نظرية مؤامرة من ابتداع اليمين الأمريكي المتطرف تتناول بالتفصيل خطّة سرية مزعومة لما يُسمّى «الدولة العميقة في الولايات المتحدة» ضد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وأنصاره. بدأ تداوُل النظرية في أكتوبر 2017 بمنشور على منتديات لوحة الصور فورتشان لكاتب باسم مستعار Q، من المفترض أنه مواطن أمريكي، ومن المحتمل أنّ الاسم فيما بعد ضمّ عدة أشخاص. زعم Q وصوله إلى معلومات سرية تتعلق بإدارة الرئيس ترامب ومعارضيها في الولايات المتحدة. اتهم Q عددًا من ممثلي هوليوود الليبراليين وسياسيين ديمقراطيين ومسؤولين في أعلى المستويات باشتراكهم في عصابة دوليّة للإتجار بالأطفال، وادّعى أن ترامب تظاهر بالتواطؤ مع الروس لتجنيد المحقق روبرت مولر في صفّه لكشف العصابة ومنع وقوع انقلاب عسكري يقوده باراك أوباما، وهيلاري كلينتون، وجورج سوروس. الرمز Q هو إشارة إلى تصريح الوصول Q الخاص بالمعلومات الحساسة. يستخدم المؤمنون بنظرية كيو آنون في منشوراتهم على وسائل التواصل الاجتماعي هاشتاج #WWG1WGA، اختصارًا لشعار «where we go one, we go all» الذي يعني: «حيثما نذهب مجتمعين، نذهب بكامل زخمنا».
تنتشر نظرية المؤامرة هذه بين أنصار الرئيس ترامب بأسماء مثل العاصفة والصحوة الكبرى، وتنبغي ملاحظة الارتباط الوثيق بين مفاهيم نظرية مؤامرة كيو أنون ومفردات الخطاب الديني مثل المليارية والإيمان بفناء العالم (أبوكاليبس).لطالما اتّسمت هذه النظرية بكونها «لا أساس لها من الصحة»، و«مختلة»، و«خالية من الأدلة». أُطلق على معتنقي هذه النظرية وصف «طائفة مهووسة بالمؤامرات» و«بعض أنصار ترامب الأكثر غرابة على الإنترنت».وفقًا لمراجعة ترافيس، الباحث في شؤون نظريات المؤامرة، والذي استقصى ظاهرة كيو أنون وكتب باستفاضة عنها في الواشنطن بوست، فجوهر نظرية المؤامرة هو وجود مجموعة سرية دولية من عبدة الشيطان والمتحرشين بالأطفال يحكمون العالم، بصورة أساسية، وهم المسيطرون على كل شيء. فهم يحركون السياسيين، ويسيطرون على وسائل الإعلام، وعلى هوليوود، ويُخفون وجودهم. وكانوا مستمرين في حكمهم للعالم لولا انتخاب دونالد ترامب رئيسًا.

حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر