الإنتماء للعراق لا غير

داخل حسن جريو
2022 / 7 / 24

مرة أخرى تباينت ردود فعل العراقيين إزاء عدوان سافر تعرضت له بلادهم , تمثل بقصف منتجع سياحي بقرية بمحافظة دهوك في إقليم كردستان , منهم من يقول أنه قصف صاروخي تركي إستهدف مقاتلي حزب العمال التركي الكردستاني المعارض للحكومة التركية والساعي لبناء دولة كردية مستقلة خاصة بالكرد , والذي وجد في إقليم كردستان بعامة ومناطقه الحدودية بخاصة ,ملاذا آمنا ومنطلقا لعملياته العسكرية ضد القوات التركية المسلحة , برضا سلطات الإقليم أو بدونه حيث يرى بعض الكرد أن نشاط هذا الحزب في ظروف الإقليم الراهنة , قد يعرض بعض مكتسبات الكرد في العراق إلى الخطر حيث ترتبط سلطات الإقليم بعلاقات إقتصادية واسعة بالحكومة التركية , أبرزها أن تركيا في الوقت الحاضر هي المنفذ الوحيد لمرور أنابيب النفط من إقليم كردستان إلى الأسواق العالمية . والنفط كما هو معروف يمثل عصب الإقتصاد للإقليم وشريان حياته , فضلا عن أن الثروة النفطية متنازع عليها بين حكومة الإقليم والحكومة العراقية , ويتم حاليا تصدير النفط من قبل حكومة الإقليم بمعزل عن الحكومة العراقية ويتم التصرف بعائداته من قبل حكومة الإقليم حصرا .
لذا تعطي حكومة إقليم كردستان في الوقت الحاضر الأولوية لمصالحها الإقتصادية على حساب روابطها القومية مع كرد تركيا وحزبهم, حزب العمال الكردستاني المتصدر للمشهد السياسي الكردستناني التركي , الأمر الذي يجعل سلطة الإقليم في موقف حرج , مما يدفعها لتصدير هذه المشكلة إلى الحكومة العراقية بوصفها الجهة المسؤولة عن أمن العراق وصيانة حدوده دستوريا , في الوقت الذي يعرف فيه القاصي والداني أن حكومة الأقليم لها جيشها المتمثل بقوات البيشمركة وقواتها الأمنية والإستخبارية الخاصة بها , ولا تسمح لجندي عراقي واحد دون موافقتها بالتواجد في محافظات الإقليم ناهيك عن تواجد الجيش العراقي , وكأنها تتعامل مع دولة أجنبية. والغريب أن أغلب من تولى منصب رئيس الجمهورية ومنصب وزير الخارجية منذ غزو العراق وإحتلاله عام 2003 من قيادات الحزبين الكرديين الرئيسين , الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب الإتحاد الكردستاني , المشغولين حاليا بقضية نزاعهما على تولي منصب رئاسة الجمهورية أكثر من إهتمامهما بضحايا قصف المنتجع السياحي , وأقصى ما قاما به الشجب وإستنكار هذا العدوان الغاشم شأنهم بذلك شأن قادة الدول الأخرى , وكفى الله المؤمنين شر القتال .
وهنا نقول إذا أردت أن تطاع أمر بما هو مستطاع , فهل يا ترى إن بإمكان حكومة تصريف أعمال منتهية الصلاحيات إتخاذ إجراءات فاعلة لضمان أمن وسيادة العراق وهي الحكومة العاجزة عن حماية أمن قادتها وأمن سفارات الدول القابعة في ما يعرف بالمنطقة الخضراء وسط العاصمة بغداد شديدة التحصن , إذ أنها لم تسلم بما فيها مسكن رئيس الوزراء من قذائف الهاون وصواريخ الطائرات المسيرة التي تنطلق من مناطق بغداد المختلفة جهارا نهارا , دون أن تتمكن من الحد منها ومحاسبة القائمين بها أو في الأقل الكشف عن الجهات التي تقف ورائها , على الرغم من تشكيل اللجان المختلفة دون جدوى , والغريب أن الحكومة تعلن معرفتها بالجناة لكنها تخشى الكشف عنهم .أن جلّ ما يمكن أن تقوم به الحكومة الشجب والإستنكار بأشد العبارات والإحتفاظ بحق الرد في الوقت المناسب والذي لن يأتي هذا الوقت المناسب أبدا. أما مجلس النواب المنقسم على نفسه فأنه ما زال مشغول بترتيب حاله وبتسمية من سيشغل منصب رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء ومناصب الوزراء بحسب نظام المحاصصة الطائفية والأثنية المقيت تحت ستار زائف مما أطلقوا عليه بالديمقراطية التوافقية بعيدا عن هموم الناس ومصالحهم وتأمين العيش الكريم لهم.
وثمة مفارقة أخرى , أن الجماعات التي ملأت الدنيا ضجيجا بحادثة القصف الإيراني منشآت في مدينة أربيل بدعوى أنها مقرات للموساد الإسرائيلي قبل مدة قصيرة , باتت اليوم تحاول خلط الأوراق وإبعاد الشبهة عن الحكومة التركية , وتوجيهها نحو جهات أخرى لم تسمها صراحة بل أنها إكتفت بترديد عبارة " إبحث عن الجهة المستفيدة من القصف ", تماما كما فعلت الجماعات المتعاطفة مع النظام الإيراني بصمتها تجاه القصف الإيراني وكأنه حق مشروع لهذا النظام , وغير مكترثة للضحايا والدمار الذي لحق بمنشاءات عراقية , وبعضها حاول تبريره من منطلق حق سيادي لإيران لضمان أمنها غير مكترث بأمن العراق .
وهناك من يرى أن قصف المنتجع السياحي الكردي قد تم من قبل جماعات من داخل العراق بهدف خلط الأوراق وإبعاد الأنظار عن التسريبات عبر وسائل التواصل الإجتماعي المنسوبة لرئيس حزب الدعوة نوري المالكي التي يمكن تؤدي إلى تهديد حقيقي للسلم الأهلي إذا ما عجز المعنيون من لملمتها بأسرع وقت ممكن . وبصرف النظر عن صحة هذه الرواية من عدمها , فأنها إستطاعت من الحد من زخم تداعيات هذه التسريبات إلى حد كبير بإشغال الرأي العام بتداعيات قصف المنتجع .
إن ما أردنا تأكيده هنا , أنه من غير الجائز إضعاف الحس الوطني العراقي والإنتماء للعراق وطنا وشعورا وتصرفا , لحساب هوى أجنبي تحت أية ذريعة أو مسوغ , والتفريط بمصالح العراق لحساب آخرين , وينبغي أن لا يكون أمن العراق ورقة ضغط سياسي أو إبتزاز لهذه الجهة أو تلك لتحقيق مكاسب آنية أو مناورة سياسية , فوضع العراق الراهن لا يتحمل هكذا الاعيب , وعلى الجميع أن يعي مسؤولياته ويدرك تماما أن أمن العراق مسؤولية الجميع كل من موقعه . كما يجب التصرف بحكمة ووعي تام بوضع العراق الداخلي والأخطار الجسيمة المحيطة بها , وتوظيف علاقاته الدولية وقدراته الإقتصادية لحماية أمنه وإستقراره , بعيدا عن التشنجات وردود الفعل الآنية والمزايدات الإعلامية وإدراك مدى قدراته لتأمين مصالحه.
وأخيرا يبقى القول الفصل في هذه القضية مرهون بنتائج تحقيقات الخبراء العسكريين ممن يهمهم أمن العراق وإستقراره بمهنية وموضوعية , ليتقرر بعدها ما يجب إتخاذه من إجراءات لمنع تكرارها ومحاسبة المسؤولين عنها بما يضمن كرامة العراق وحفظ أمن شعبه وإستقراره.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت