الجوع 1966: بؤس الواقع الذي يعيش فيه الكاتب

بلال سمير الصدّر
2022 / 7 / 21

الفيلم مبنى على رواية كنوت هامسون الشهيرة(الجوع)،وهو من مواليد عام 1859،وتصور رواية الجوع اللاعقلانية للعقل البشري بطريقة مثيرة للاهتمام،فيها روح الدعابة والتهكم ايضا،والذي من الممكن ان ينقلب بسهولة الى كوميديا سوداء.
والرواية تلقي ضوءا ساطعا على الجوانية التي تقاوم بهشاشة بؤس الواقع وشر المحيط،مما يكسبها حالة ليست خاصة من الجنون،وتبدو شخصية الكاتب غير المسماة في الرواية اقتباسا اقل تكثيفا من شخصيات دوستيوفسكي،من حيث شعورها الشديد بالدونية ومقاومتها ذلك داخليا وخارجيا،واقترانها بالقرين،بل واقتباسها المعنى الأساسي من رواية الجريمة والعقاب ومحاولة تمثيل أو توضيح ما كان يفكر فيه راسكولينكوف.
وبعيدا عن اجواء رواية الجوع،فالفيلم تقريبا خالي من الحوار،متقشف والموسيقي تلعب دورا رئيسيا في الايحاء،بحيث كانت توحي بالداخل أكثر من الخارج.
تدور أحداث الفيلم والرواية أيضا ضمن شقين رئيسين وكلاهما مهمان،ولا يمكن تفضيل أو تعظيم أحدهما على الآخر سوى نقديا:
هناك المنحى الواقعي الذي تدور من حوله الحبكة الخارجية حول جوع الكاتب ومقاومته لمشاعره الداخلية وللآخرين في نفس الوقت من خلال تمسكه باحترامه لنفسه واثبات ذلك للمجتمع...
وهناك المنحى النفسي،وهو الصراع والهواجس الداخلية التي تدور داخل الكاتب...مجهول الاسم والهوية
مع بداية الفيلم نلاحظ بأنه يحضر مقالا حول جرائم المستقبل،ونتيع الخط الموسيقي الخارجي في الايحاء الداخلي،ومن النظرة الأولى لهذا الانسان الشبيه بالانسان،نلاحظ ان هذه الشخصية أكتسبت نوعا من الجنون سببه القهر الداخلي والخارجي،الناتج أيضا عن طبيعة تفكير الكاتب ورؤيته ما لايراه الآخرون،بحيث باتت نظراته تلاحق جميع الآخرين من حوله...هذه النظرات المحملة باعتقاد ان الجميع يتملقونه أو يسخرون منه،خلقت نوع من التنافر بينه وبين المجتمع،وكأنه يبحث عن ندية بشرية في المشاعر،أو أي شيء طبيعي يشعره أنه من بني البشر...والسؤال الذي يطرح نفسه:
هل هو يعاني فعليا من الدونية...؟
الجواب هو لا،فعلى الرغم من فواجعه وجوعه ووضعه الاجتماعي المزري،إلا انه يملك شعورا داخليا قويا بالتفوق والاستعلاء-باختصار انه كاتب في النهاية،فشعور الجوع ذو بعدين واضحين في شخصيته...
فتأملاته في الطعام التي سببها اللجوع،تمثل القسوة الخارجية لشعور الجوع نفسه،بينما البعد الداخلي هو استهجانه لشعوره بمثل هذا الشعور-اي الجوع-اصلا.
ثم هناك الفتاتان الذي يحاول ان يلفت نظرهما...
هنا تبدا الحالة الداخلية لتختلط أكثر مع الواقع،فيبقى هناك غير محسوم في علاقته مع تلك الفتاة والتي سيدعوها اسما خاصا،بل خاصا جدا من بناء خياله:إيلايالي
هل هذه الفتاة انبثاق واقعي لشعوره الداخلي المتفوق...الشعور بالمساواة مع الحيز الاجتماعي اللصيق؟!
نحن على أية حال من الأحوال لانستطيع انكار وجودها الحقيقي وفقا للمعطيات الفيلمية والروائية ايضا
ولاحقا سنكتشف ان اسم(إيلايالي)،هو اسم يحاكي تجربة شعرية من نوع خاص...
تظهر ايلايالي له في الذهن...في عالمه الخيالي المضطرب
تعال حبيبي...
أنها تتنفس بصعوبة....
كما ترى:الياقوت في كل مكان
عيناها كالعنبر...العنبر
تعال...تعال
هذه البشرة الناعمة
قبلني...قبلني
شفتاها تلمعان
من هذا الحوار الداخلي،نستشف ان كاتبا يرغب بالوقوع في الحب ليمارس نوعا من تحربة شعرية...من حالة خيالية او واقعية –كلاهما سيان-ليصل الى تحقيق حالة مبالغ فيها تسمى التجربة الشعرية.
مما يجعل ايلايالي بعيدة عن كافكاوية نوعا ما....
كما أننا نلاحظ أنه يقيم حوارا مع الأحذية التي يرتديها....
قلت:أنا لا اتحدث مع الأحذية...تحدثا مع بعضكما
الحديث مع الأحذية يشكل معنى انطوائي،اي نكوص عالي نحو الذات لشدة أنه لم يجد سوى الأحذية للحديث معها،وهو مشتمل ايضا على المفهوم الدوني اللصيق به من خلال المجتمع وتحديه المبالغ فيه لهذا المجتمع... هو يحاول ان يقدم للمجتمع مبررات لكل تصرفاته الواضحة تماما،أو حتى المشكوك فيها،فبعد ان باع شيئا من ملابسه متبرعا بثمنها لفقير،يعود الى المتجر لأنه نسي قلمه في المعطف...بالطبع:لم اتكبد كل هذا العناء من اجل قلم قديم،ولكن لهذا القلم بالذات قصة خاصة،لقد ساعدني على صنع اسم لي في هذا العالم...
إنه القلم الذي كتبت اطروحتي الفلسفية به في ثلاثة مجلدات.
ثم هناك احلام،أو الكوابيس التي تداهمه مثل حلم منافسة كلب الى درجة التحدي على عظمة...
كل هذا ان دل على شيء،فهو يدل على ان هناك الكثير من الزوايا التي من خلالها يمكن النظر الى الفيلم،بالاضافة الى ان الفيلم الذي كان أمينا جدا وبارعا جدا في نقل الرواية،على الرغم من اختصاره القليل من الأحداث،يمتلك العناصر الرئيسية للدوستيوفسكية،حتى ان لم يكن دوستيوفسكيا تماما.
والرواية بوتقت معيار ذاتي خاص جدا،فالكاتب يمثل حالة قسرية عنيفة جدا من ارتباط الفرد بالمجتمع...هذا الارتباط العنيف الذي لايمكن الانفكاك منه،وفي نفس الوقت فنحن لانرى العالم من خلال عيونه هو،بل بشكل ادق من خلال ردات فعله هو.

زيادة في التأكيد على العناصر الدوستيوفسكية في الفيلم:
هل هناك انبثاق لقرين ما أو معين في الفيلم...ثم ما هو نوع القرين...؟!
ينام تحت الجسر...لكنني غدا سأكون أسعد رجل في العالم...قل لها هذا...قل لها سآتي في الغد...سآتي في الغد
يتحدث وهو ينظر الى قرينه،ومن ثم يعود للحديث مع احذيته،فالقرين هنا-على مايبدو-مشابه لتصرفه بالحديث مع الأحذية ناتج عن انعزاله التام عن المجتمع...شيء متطور من الحديث مع النفس
ثم،ماذا عن النزعة الوجودية في الفيلم:
عندما يفشل في بيع أي شيء...مجموعة من الأزرار...نظارته...يوجه الكلام الى صاحب المتجر
سأقول لك حقيقة صغيرة:الله لايريد أن يساعدني،وحتى لو أراد،تبا له،هل تفهم؟!
هذا التجديف،بعيد عن التجديف الوجودي وبشكل أوضح بعيد عن فكرة الاهمال
ربما هو مرتبط اكثر بفكرة الجحيمية التعبيرية الأدبية عند هنري باربوس،والذي عبر عنها أيضا ماركو فيري في فيلم البحث عن ملجأ 1979.
يفتح الباب..المحرر...لكن هناك خلف الباب تقبع صورة....أنها صورة دوستيوفسكي
هذا شيء بالتأكبد ليس وليد الصدفة...
حالة راسكولينكوف:
يعود الى البقال الذي باعه بالأمس شمعة...يتحدث بغضب وحدة:
لم آت للاستماع الى تنبؤاتك الجوية...هل تعرف بأني غششتك وانك لم تتلقى اي مال مني...؟!
بعض الناس قذرون جدا،بقال يغش نفسه يستحق ان يتعرض للغش
انت تثرثر وتثرثر وتثرثر ثم تعطيني فكة خمسة كرونات،لن اعيدها اليك،هل تعرف هذا؟!
لم اتصرف بخسة،أنت مساعد بقال بلا عقل،لم احتفظ بالمال أنا شخص نزيه
يسأل البقال:أين هو...؟!
اعطيته الى أرملة فقيرة بدلا من ذلك
لماذا لم تعيده إذا...؟!
تظن انه خطأي ها؟!لقد أخذت المال اعترف،لكني اعطيته الى أرملة فقيرة...لاتعجبك الأعمال الخيرية،ها أن اشرح لك،عليك ان تخجل من نفسك...
ما حدث،ممثلا بالحوار اعلاه هو مفهوم الجريمة والعقاب عند دوستيوفسكي
أن ترتكب جريمة تمتلك كل المقومات الاجتماعية والشخصية للقيام بذلك،بالاضافة الى المبررات،الهدف فقط هو البحث عن العظمة...فعل شيء عظيم مختلف عن الذي يفعله البشر من حولك،ولكن في نفس الوقت،وهو الأهم،فأنت تفتقر للمبرر القانوني لارتكابك مثل هذه الجريمة...
فإما ان تؤمن بما فعلت،أو تعيش طوال حياتك مؤنب الضمير نظرا لقيام الحجة القانونية عليك...
يسقط البناء الشعري ويبوء لقائه مع ايلايالي بالفشل
ايلايالي اسم مقتبس من قصيدة من الخيال...من قصيدة واقع ينتمي الى عالم ألف ليلة وليلة،أو ان تعيش في رامبو أوبودلير...
انه اسم رقيق كخرير الماء
كون الشخص حساسا لايعني انه مجنون...
هناك اشخاص يقضون حياتهم في المزاح،ولكن كلمة واحدة قاسية قد تقتلهم،ولكن من الممكن تماما ان تكون الجوع فقط عبارة عن بؤس الواقع الذي يعيش فيه الكاتب...
فماذا تبقى بعد ذلك كله سوى الرحيل...
ولكن...إلى أين...؟!

2/5/2022

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت