لماذا يقول القادَة العرب شيئا ويفعلون عكسهُ إزاء فلسطين؟. وهل فعلا لا يوجدُ ناتو عربي؟.

عبد الحميد فجر سلوم
2022 / 7 / 18

في القرآن الكريم: (يا أيها الذين آمنوا اتّقوا الله وكونوا مع الصادقين)..
وفي الكتاب المُقدّس: (شَفَةُ الصِّدقِ تَثبُتُ إلى الأبد، ولِسانُ الكّذبِ إنما هو إلى طَرفةِ العين)..
وفي التلمود: (لا تقُل أمرا واحدا في لسانك وآخرا في قلبك)..
هذه هي تعاليم الأديان الإبراهيمية التي بُنِيت على أُسُسها اتفاقات التطبيع بين العديد من الدول العربية وإسرائيل.. جميعها تدعو إلى الصدق..
**
في البيان السعودي الأمريكي الموقع يوم 17 حزيران/يوليو 2022 في جدّة، جاء في الفقرة المُعنوَنة "القضية الفلسطينية" ما يلي:
(وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، أكد الجانبان التزامهما الدائم بحل الدولتين، بحيث تعيش دولة فلسطينية ذات سيادة ومتصلة جغرافيا جنبا إلى جنب في سلام وأمن مع إسرائيل، باعتباره السبيل الوحيد لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وبما يتفق مع الأطر المقرَّة دولياً ومبادرة السلام العربية. وأشار القادة إلى عزمهم علـى تنسيق الجهود بشكل وثيق ومستمر لتشجيع الأطراف على إظهار التزامها بحل الدولتين من خلال السياسات والإجراءات. ورحبت المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة بكافة الجهود التي تسهم في الوصول إلى سلام عادل وشامل في المنطقة)..
**
وفي البيان الختامي لقمة جدّة للأمن والتنمية، جاء في الفقرة الرابعة ما يلي:
(جدّد الرئيس بايدن التأكيد على التزام الولايات المتحدة بالعمل من أجل تحقيق السلام العادل والشامل والدائم في الشرق الأوسط. وأكد القادة على ضرورة التوصل لحل عادل للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي على أساس حل الدولتين، مشددين على أهمية المبادرة العربية. كما أكدوا على ضرورة وقف كل الإجراءات الأحادية التي تقوّض حل الدولتين، واحترام الوضع التاريخي القائم في القدس ومقدساتها، وعلى الدور الرئيسي للوصاية الهاشمية في هذا السياق).

إذا في البيانين، وردت ذات الأفكار والطروحات المعروفة.. وفضلا عن ذلك أشار كافة القادة العرب الذين تحدثوا في قمة جدة، إلى القضية الفلسطينية وضرورة الحل على تلك الأُسُس، والتي ما زالت تُكرّر منذ أكثر من عشرين عاما بعد المبادرة العربية في قمة بيروت في آذار 2002، والتي طرحها حينها ولي العهد السعودي (الأمير عبد الله بن عبد العزيز قبل أن يُصبِح ملِكا).. وتدعو إلى التطبيع مقابل (الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي العربية المحتلة التي احتلتها إسرائيل منذ حرب الخامس من حزيران عام 1967)..
مضى عشرون عاما على تلك المُبادَرَة، ولم تنسحب إسرائيل من شبرٍ عربيٍ مُحتلٍّ.. بل زادت من الاستيطان والاحتلال واغتصاب الأراضي والبيوت والتهجير والطرد وتوسيع المستوطنات، وترسيخ الاحتلال..
وفي المقابل ماذا فعل الجانب العربي؟.
لقد زاد بعض العرب من التطبيع وتبادُل السفراء، والاقتراب من إسرائيل وعقدِ شتى أنواع الاتفاقات معها، بل والاعتماد عليها في المسائل الأمنية والدفاعية.. والسماح لطائراتها المدنية بعبور أجوائها الجوية، وهذا ما طبّقتهُ السعودية مؤخّرا..
**
وفي الكونغرس الأمريكي قدّم الحزبان، الجمهوري والديمقراطي، منذ أوائل حزيران/يونيو 2022 ، مشروع قانون لإقامة منظومة دفاع صاروخي إسرائيلي خليجي مُشترك، يقترح على البنتاغون العمل مع إسرائيل ودول عربية لدمجِ دفاعاتهم الجوية، لإحباط ما وصَفُوهُ "التهديدات" الإيرانية وإيجاد تنسيق أفضل عبر المنطقة..
وقالت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن مشروع القانون هو أحدث محاولة من جانب الولايات المتحدة لتعزيز التعاون الدفاعي بين إسرائيل والشرق الأوسط بعد تطبيع العلاقات مع العديد من الدول العربية، بعد أن كانت هذه الحكومات معادية لإسرائيل..
وإلى ذلك قالت القناة 12 الاسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي، نشرَ منظومة رادارات في عدة دول في الشرق الأوسط بما في ذلك الإمارات والبحرين، وذلك ضمن رؤيته للتعاون المشترك في مواجهة التهديدات الصاروخية وخلقِ منظومةٍ للإنذار المُبكر، حسب وصفها..
وحينما يتحدثون عمّا يُسمّى "ناتو عربي" فهذا هو المقصود بالأمر.. ومُصطلح "الناتو العربي" هو من تأليف الإعلام والمُحللِّين، أما المقصود بذلك هو منظومة الرادارات الإسرائيلية التي تمّ نشرها في الخليج، وسيتبعها منظومة دفاع صاروخي إسرائيلي خليجي مشترك، ودمجُ الدفاعات الجوية بالمنطقة..
أي أنّ الناتو بِحُكمِ الموجود، وإن كان لا يُطلقُ عليه هذا الاسم بالضبط.. ولكنه بِحُكمِ الموجود، وحينما قال وزير خارجية السعودية، أنهُ لا يوجدُ شيئا اسمه ناتو عربي، فهذا صحيح، لأن الاسم الحقيقي هو ليس كذلك، وإنما هو دمج السلاح الصاروخي والرادارات في المنطقة مع بعضها، وطبعا ستكون هناك قيادة مُشترَكة تُديرُ وتُنسِّق في كل ذلك.. إنه عمليا قائمٌ، ويتعزّز ولكن ليس بهذا الاسم الصريح..
**
لقد تناسوا كافة قرارات الجامعة العربية، والقمم العربية.. وهذا مؤسفٌ جدا.. والمُفارقَة أنهم أنفسهم أكثرُ من ركّزَ على حل القضية الفلسطينية في كلماتهم في مؤتمر جدّة للأمن والتنمية..
إذا لماذا طبّعتُم قبل حل القضية؟. وأينَ هي الوعود بأن اتفاقات التطبيع سوف تخدُم القضية الفلسطينية وتوقِف توسيع المستوطنات، وتُعجِّلُ في حلِّها؟.
ماذا يعني ذلك؟.
إنهُ يعني أن قضية فلسطين، هي مشروعٌ استثماري، نبيعُ شعاراتها للشعوب، ونُزايد بها سياسيا وإعلاميا، ومن ثمّ نفعل ما نريد بالشعوب.. هكذا هو الدّرس.. الجميع حفظوه..
الرأي العام العربي، والفلسطيني، واعٍ جدّا، ويُدرِك جيدا أن الجميع تاجروا بقضيتهِ، بِما فيهم القيادات الفلسطينية..
**
السلاح الوحيد الذي كان مُتبقِّ بأيدي العرب للضغط على إسرائيل للاستجابة للمبادرة العربية، والقبول بدولة فلسطينية، هو مُقاطعتها، وعزلها، ومُحاصرتها، وعدم التعامُل معها..
ولكن للأسف هذا السلاح سقط من يد العرب، وكُلٍّ منهم يتحدّثُ عن مبرراتهِ.. فهذا بِحُكم الحاجة والضرورة والواقعية.. وذاك بِهدفِ رفع العقوبات الأمريكية عنه (السودان) وثالثٌ للتحالُفِ معها ضد جارهِ العربي المُختلِف معهُ (المغرب).. ورابعٌ لأنهُ بات يرى خطرا يُحيقُ به ويُهدِّدُ عرشه، أكبر من خطر إسرائيل (الإمارات والبحرين) ويحتاج لإسرائيل للدّعم والحماية الأمنية والعسكرية.. الخ..
**
في ظل هذه الظروف، طبيعي جدا أن نرى إسرائيل تتعنّت وترفض أي مُبادرةٍ للحل تتناقضُ مع ما تؤمنُ بهِ هي.. فالغالبية باتوا أصدقائها، ومن لم يتوصلوا معها إلى اتفاق تطبيع حتى اليوم، لا يُشكلون أي خطرٍ عليها، بل العكس هي من تُشكِّل خطرا عليهم، وطائراتها تسرحُ في أجوائهم على راحتها، دون أي رد، أو حتى التفكير بالرد..
**
وأما الأطراف التي ما زالت تطرحُ شعارات العداء لإسرائيل، ومقاومتها، حتى تحرير آخر شبر مُحتَل، فعدائها ومقاومتها حتى اللحظة تبقى نظرية، أكثر منها عملية (ونتمنى لها أن تُصبِح عملية جدا وفاعِلة) وهي قد تُزعجُ إسرائيل، ولكنها لا تُشكِّلُ أي خطرٍ عليها.. وإسرائيل تُدرِكُ أن التصريحات عالية النبرة ليست سوى تصريحات للاستهلاك أمام الشعوب..
المقاومة ليست الانتظار حتى تقوم إسرائيل بِعملٍ ما عدوانيٍ، ثم الرد عليه، وأحيانا لا يتمُّ الرد.. المقاومة فعلٌ دائمٌ ومُستمرٌّ وتكبيد العدو خسائر يومية، مادية وبشرية، على مدى الزمن حتى تتحقق الأهداف (كما حصل في جنوب لبنان). للأسف ليس هذا ما نراه اليوم.. ما نراهُ هو قيام إسرائيل بعملٍ عدوانيٍ، ثم يتمُّ ردُّ الفعل عليه، وبما لا يتناسب مع الفعل العدواني..
**
إسرائيل، بِتعنُّتها، وغطرستها، ورفضها الموافقة الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، وعلى قيام دولة فلسطينية، إنما هي بذلك تجلب كل الأوجاع لنفسها وللآخرين.. وتُعطي المُبرّرات لاستمرار حركات المقاومة ودعمها عربيا وإسلاميا.. وسنبقى مع كل حركة مقاومة توجِّه بندقيتها نحو إسرائيل.. فهذا حق مشروع طالما الاحتلال قائم.. بل نُريد مقاومة في الجولان السوري المُحتل..
**
إسرائيل يمكنها أن تقطع الطريق على الجميع، بموافقتها على مبادرة القمة العربية، بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، وإقامة دولة فلسطينية..
حينها لن تبقى أي مبررات لوجود كل هذه الحركات، ولا لاستمرار الدعم العسكري لها.. وقد تتحول جميعها إلى أحزاب سياسية.. وتنتقل المنطقة إلى السلام والاستقرار والازدهار والتنمية والتطوير.. ولكن الغطرسة الإسرائيلية تُعمي بصرها..
هذا رغم أن هناك من يُجادلون، أنّ أطرافا عديدة لا تتمنّى انسحاب إسرائيل من الأراضي المُحتلّة، ولا إقامة دولة فلسطينية، وذلك لاستمرار المشكلة، واستمرار الاستثمار بكل ذلك، خدمة للمصالح الخاصّة، ووفقا لقواعد اللعبة الحالية التي تخدم الجميع، ولا تُشكِّل خطرا حقيقيا على أحد.. وهكذا يبقى وجود كل طرف ضروريا لمصالح الطرف الآخر..
ولكن يبقى هذا مُجرّد رأي خاص..
**
وأخيرا قبل أن نلوم العدو، يجب أن نلوم أنفسنا.. فالفلسطينيون أصحاب القضية الأساس، منقسمون بِشِدّة.. والعربُ مُنقسمون بشدّة، بين الدول الإقليمية الفاعلة، وبين القوى الدولية الكبرى..
ويحضرني قولٌ قديمٌ قرأتُهُ لرئيس إسرائيل سابقا شيمون بيريز، يقول فيه: لو نثق أن العرب سوف ينفذون عشرة بالمائة من قراراتهم لاستجبنا لهم..
وبالمحصلة، لا يوجد قرارا عربيا مُستقلِّا.. ولن يكون.. إلى أن تمتلك الشعوب القرار.. ولكن متى؟.
هذا رجمٌ في الغيب ومنازعةٌ لله في عِلمِه..

حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق