وانتهت جولة الرئيس بايدن في المنطقة.. فماذا كان الحصَاد؟.

عبد الحميد فجر سلوم
2022 / 7 / 16

لو بدأنا بإسرائيل، حيث كانت المحطة الأولى في زيارة بايدن، فقد حصلت هذه على كل ما كانت تصبو إليه.. وهذا ما تضمنهُ إعلان (الشراكة الإستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية) الذي وقّعهُ بايدن مع رئيس وزراء إسرائيل في القُدس الغربية يوم الخميس 14 حزيران/يونيو 2022 ..
إعلان الشراكة هذا، عكَسَ كل ما تنشدهُ إسرائيل، وربما أكثر، من علاقتها بالولايات المتحدة، والموقف من برنامج إيران النووي، ومن سياسات إيران بالمنطقة، ومن التنظيمات الموالية لها، وربطَ بين الأمن القومي الإسرائيلي والأمن القومي الأمريكي.. يعني كل ما تعتبرهُ إسرائيل تهديدا لها، سوف تعتبرهُ أمريكا تهديا لها أيضا..
وبدا وكأنّ من وضع مسودّة هذا الإعلان هو الجانب الإسرائيلي فقط، وأن الجانب الأمريكي كانت مُهمتهُ التوقيع فقط.. وانطبق عليهم القول: وافقَوا على بياض..
وبدا الرئيس بايدن مُنتشيا جدا بما قدّمه لإسرائيل في هذا الإعلان، لاسيما وهو الشخص الذي طالما فاخرَ بمحبتهِ ووفائهِ لإسرائيل، حتى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي لابيد،
خاطبهُ قائلا:
(زيارتك أيضا شخصية، لأن علاقتك بإسرائيل كانت دائما شخصية، وذات مرّة قدّمتَ نفسك على أنك صهيوني، وقُلتَ أنهُ ليس على المرء أن يكون يهوديا كي يكون صهيونيا، وكُنتَ مُحِقّا، وفي حالتك أيضا، أنتَ صهيوني عظيم، وواحد من أفضل الأصدقاء الذين عرفتهم إسرائيل)..
فضلا عن ذلك، فقد أكّد بايدن في تصريحاته للقناة 12 الإسرائيلية، أنه سيُبقي الحرس الثوري الإيراني على قائمة (الإرهاب) حتى إذا كان ذلك سيؤدي إلى إنهاء الاتفاق النووي الإيراني المُبرَم عام 2015 ..
وردّا على سؤال إن كان وعدهُ بعدم السماح لإيران بامتلاك السلاح النووي، يعني استخدام القوة ضد إيران، قال بايدن: إذا كان هذا هو الملاذ الأخير، نعم..
**
أما المحطة الثانية في زيارة بايدن فكانت في بيت لحم ولقائه مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وهنا يمكن القول أنه لم ينَل الفلسطينيون سوى المزيد من الإحباط من بايدن.. فقد كرّر ذات الكلام المُستهلَك، أنهُ كرئيس للولايات المتحدة لم يتغيّر التزامه بهدف تحقيق حل الدولتين على حدود 1967 عن طريق تبادُل الأراضي، ثم أردفَ قائلا، أن حل الدولتين قد يبدو بعيدا جدا بما يجري على الأرض.. والوضع غير مناسب في هذه اللحظة لاستئناف المفاوضات..
وكان رد الرئيس عباس، أن فرصة حل الدولتين "قد لا تبقى لِوقتٍ طويل"..
**
المحطة الثالثة كانت في مدينة جدّة بالمملكة العربية السعودية، وهنا يمكن القول أن السعودية حصلت على أهم ما كانت تتطلّع إليه، وهذا انعكس في البيان المشترك، الذي جاء فيه تحت عنوان "الأمن والدفاع" ما يلي:
(أكد الرئيس بايدن على التزام الولايات المتحدة القوي والدائم بدعم أمن المملكة والدفاع عن أراضيها، وتسهيل قدرة المملكة على الحصول على جميع الإمكانات اللازمة للدفاع عن شعبها وأراضيها ضد التهديدات الخارجية.
وشدد الجانبان على ضرورة ردع التدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية للدول، ودعمها للإرهاب من خلال المجموعات المسلحة التابعة لها، وجهودها لزعزعة أمن واستقرار المنطقة، وشددا على أهمية منع إيران من الحصول على سلاح نووي.
وأكد الجانبان أهمية الحفاظ على حرية حركة التجارة عبر الممرات البحرية الدولية الاستراتيجية، ولا سيما باب المندب ومضيق هرمز، ورحبا بقوة المهام المشتركة 153 المنشأة حديثا للتركيز على أمن مضيق باب المندب في البحر الأحمر، وزيادة ردع التهريب غير الشرعي إلى اليمن. كما رحب الجانبان بتولي السعودية قيادة قوة المهام المشتركة 150 التي تعزز أهداف الأمن الملاحي المشترك في خليج عمان وشمال بحر العرب.
وسعياً إلى تحسين وتسهيل تبادل المعلومات في مجال الأمن البحري، سيتم تعزيز التعاون بين القوات البحرية الملكية السعودية وقوة المهام المشتركة 153، من خلال مركز التنسيق الإقليمي المترابط والذي ستكون قيادته من مقر الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين.
كما أكدت الولايات المتحدة على أهمية التعاون المتزايد بين القوات البحرية الملكية السعودية وقوة المهام 59 التابعة للأسطول الخامس الأمريكي، والتي تقود أسطولًا موسعًا متكاملاً من السفن المسيرة والمتطورة باستخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين الرصد والأمن البحري ودعم الأمن الإقليمي) انتهت الفقرة..
ويمكن القول أن هذا ما تمّ الإعلان عنه في البيان، أما ما لم يُعلَن عنهُ، فالله اعلم..
**
وفي المحطة الثالثة أيضا كانت "قمة جدّة للأمن والتنمية"، التي حضرتها دول مجلس التعاون الخليجي إضافة للعراق والأردن ومصر، حيث صدر في نهايتها بيانا ختاميا، من 21 فقرة، تطرقت لكافة القضايا الإقليمية والدولية، وبعضها كان تكرارا لِما ورد في البيان السعودي الأمريكي..
وقد أكّد القادة في الفقرة الثالثة (رؤيتهم المشتركة لمنطقة يسودها السلام والازدهار، وما يتطلبهُ ذلك من أهمية اتخاذ جميع التدابير اللازمة في سبيل حفظ أمن المنطقة واستقرارها، وتطوير سبل التعاون والتكامل بين دولها، والتصدي المشترك للتحديات التي تواجهها، والالتزام بقواعد حسن الجوار والاحترام المُتبادَل، واحترام السيادة والسلامة الإقليمية).
وفي الفقرة الخامسة، جدّد القادة عزمهم على تطوير التعاون والتكامُل الإقليمي والمشاريع المُشترَكة بين دولهم بما يُسهِمُ في تحقيق التنمية المُستدامَة.
كما تمت الإشارة إلى الأوضاع في اليمن والعراق والسودان ولبنان وليبيا وأوكرانيا وأفغانستان.. وكانوا متّفقون حول ذلك..
وفي الفقرة 13 تم التطرُّق إلى سورية، وجاء في الفقرة ما يلي:
(أكّد القادة ضرورة تكثيف الجهود للتوصل لحل سياسي للأزمة السورية، بما يحفظ وحدة سوريا وسيادتها ويُلبّي تطلعات شعبها، بما يتوافق مع قرار مجلس الأمن 2254. وشدّد القادة على أهمية توفير الدّعم اللازم للاجئين السوريين، والدول التي تستضيفهم، ووصول المساعدات الإنسانية لجميع مناطق سورية)..
وهنا تجدر الإشارة أن الملك الأردني عبد الله الثاني كان قد ذكَر في كلمته أمام القمة أن بلاده تستضيف مليون لاجئ سوري.. أي هو طلبَ التبرعات..
**
وأخيرا ماذا حصد الرئيس بايدن:
قبل الحديث عن ذلك تجدر الإشارة أنه منذ أن تبوّأ الرئيس بايدن منصبهُ كرئيس للولايات المتحدة في كانون ثاني/يناير 2021، ابتعد عن نهجِ سلفهِ دونالد ترامب، وسار على خُطى رئيسهِ باراك أوباما، بالابتعاد عن الشرق الأوسط، والتوجُّه نحو شرق آسيا وإقامة التحالفات في المحيط الهادي، لمواجهة، ما اعتبرهُ خطر الصين الداهم، وهذا أهمُّ استراتيجيا من الشرق الأوسط.. وحتى من الحليف الإستراتيجي التاريخي للولايات المتحدة، وهي المملكة العربية السعودية..
**
بعد مرور عامٍ على رئاسة بايدن نشبَت الحرب في أوكرانيا، في 24 شباط 2022، وهذه كانت بمثابة الضربة على الرأس، التي جعلت بايدن يجفلُ ويتنبّه لخطرٍ لم يكُن في حسبانه، مما جعلهُ يفكر بتغيير كل استراتيجيته السابقة.. ويعكس كل الاتجاه..
فالحرب الأوكرانية أبدتْ للولايات المتحدة أن روسيا هي "العدو" وأنها (التهديد والخطر الأكبر) كما وصفوها في (وثيقة المفهوم الاستراتيجي الجديد) لدول الناتو خلال مؤتمر الحلف في مدريد 30/6/2022 ..
وأن الصين ليست عدوا وإنما هي مُجرّد تحدٍّ لمصالح حلف الناتو وقيم الغرب، في الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان..
ولذلك اتّجهَ بايدن لتعزيز التواجد العسكري الأمريكي في أوروبا، في بريطانيا وألمانيا وإيطاليا واسبانيا، وفي دول البلطيق، وفي بولندا ورومانيا..
**
مع مرور زمن الحرب في أوكرانيا، كانت أزمة الطاقة تتصاعدُ في الغرب وفي الولايات المتحدة، فضلا عن أزمة الغذاء في دول العالم الثالث.. لاسيما أن الأوروبيين هُم من قرّروا مقاطعة غاز ونفط روسيا في إطار العقوبات والتضييق، وهذا انعكس عليهم كما انعكس على روسيا..
وكان بايدن يراقبُ ارتفاع أسعار الوقود، مع انخفاض العرض وشدّة الطلب عالميا.. وزيادة حجم التضخُّم، وانعكاس ذلك على مستوى معيشةِ ورفاهية المواطن الأمريكي.. وهذا ما سوف يؤثِّر على شعبيتهِ وشعبية حزبهِ، لاسيما أن انتخابات الكونغرس قادمة في شهر تشرين ثاني /نوفمبر 2022، ويخشى من فشل الديمقراطيين في تحقيق الغالبية في الكونغرس، الأمر الذي سوف يُشكِّلُ عرقلة لكافة مشاريعهِ..
فما الحل؟.
أطلق في الأسابيع الأولى للحرب، 180 ألف برميل من النفط الاحتياطي الاستراتيجي الأمريكي، في محاولة لخفض الأسعار، وتحفيز الشركات على زيادة الإنتاج..
ولكن هذا لم يحلَّ له المشكلة، فهي أعقد من ذلك بكثير، وأنه يحتاج إلى إمدادات نفط كبيرة، فما كان منهُ سوى أن دقّ بداية أبواب كاراكاس رغم كل العلاقة المتوترة معها..
وبعدها ما كان منهُ إلّا أن ابتلعَ لسانهُ وشدَّ الرِحال باتجاه السعودية..
متناسيا كافة مواقفهِ من ولي العهد السعودي بسبب مقتل خاشقجي في القنصلية السعودية في استنبول..
وبعد أن كان أيضا قد قلّص من الدعم الأمريكي للسعودية في الحرب في اليمن، وأزال جماعة الحوثي من قائمة الإرهاب.. ومضى في المفاوضات مع إيران حول البرنامج النووي دون أي تنسيق مع دول الخليج، وهذا ما أغضبها..
بل فرضَ قيودا على التأشيرات على 76 مسؤول سعودي.. ثم كان الانسحاب من أفغانستان..
كل هذا صاعدَ من أجواء الجفاء بين السعودية وشركائها في الخليج، وبين الولايات المتحدة.. مما دفع الرياض للتوجه نحو إقامة شراكات جديدة مع روسيا والصين..
وقبلها في شهر آذار/مارس 2022، منحَ دولة قطر تصنيف الدولة الحليفة من خارج حلف شمال الأطلسي (الناتو) نظرا لدورها الذي يُرضي أمريكا، ولِثروتها من الغاز التي يحتاجونها بهذا الزمن..
وهكذا أُضيفت دولة قطر إلى الدول العربية الأخرى التي تحمل هذا التصنيف وهي: مصر والبحرين والكويت وتونس والمغرب والأردن.. إلى جانب دول أخرى كما إسرائيل وأستراليا واليابان والفيليبين..
إذا أمام هذا الوضع يمكن القول أن بايدن حصدَ موافقة السعودية والدول النفطية الخليجية على زيادة إنتاج النفط، وهذا الهدف الأساس.. ومكاسب العودة للمنطقة، بعد ذاك الابتعاد الذي وصفهُ بايدن نفسه بأنه كان خطأً، وعودة ثقة دول الخليج بالشريك الأمريكي، وكانَ الأمر اشبه بعودة عاشقين متزاعلين إلى بعضهما بعضا..
وهذا سوف يستغلهُ في زيادة شعبيته المتدهورة في الولايات المتحدة، وفي انتخابات الكونغرس القادمة..
وقبل كل ذلك الإرسال برسالة للمنطقة والعالم أنّ: الولايات المتحدة بعد الحرب في أوكرانيا هي ليست كما قبلها..

حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق