الصين.. نظام رأسمالي، أم “اشتراكية قائمة بالفعل”، أم نظام اجتماعي “مختلط”؟

تامر خرمه
2022 / 7 / 14



تعامل الرأسمالية مع الجائحة تسبب بكارثة صحية واجتماعية وإنسانية لغالبية سكان العالم. وخلال تلك الكارثة، وبالتوازي مع تسجيل ملايين الوفيات، كانت قائمة المليارديرات تنتصب شامخة. النظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي برمته تصرف وفقا للمعيار الأعلى لرأس المال، وهو قانون التراكم. كما تجدر الإشارة إلى السرعة الهائلة لتمركز رأس المال الذي حفّزته تلك الجائحة.



بقلم ريكاردو أيالا وفيليب أليجريا



أبلغتنا الصحافة في آذار 2021 أن “أغنى أثرياء العالم يزيدون ثرواتهم بمقدار 412 مليار دولار -أي 8 مليارات في الأسبوع- لتصل تلك الثروات إلى رقم قياسي بلغ 3.228 مليار دولار. إيلون ماسك، صاحب تسلا، أضاف إلى ثروته 151 مليار دولار، وهو رقم قياسي، ليصبح أغنى رجل في العالم، بثروة بلغت في ذلك الوقت 197 مليار دولار(1).
إننا نواجه في الواقع استعراضا وحشيا لتطور “القانون العام للتراكم الرأسمالي”، الذي وصفه ماركس في “رأس المال” بقوله: يحدد هذا القانون تراكما للبؤس يعادل تراكم رأس المال. لذا، فإن ما هو في أحد القطبين تراكم للثروة يكون في القطب المقابل، أي لدى الطبقة التي تخلق منتجها كرأس مال، تراكم للبؤس، وعذاب عمالة، وعبودية، واستبداد، وجهل، وانحلال أخلاقي. ما يعكس، كما لم يحدث من قبل، “الطابع العدائي للإنتاج الرأسمالي”(2).
أحد شروط التساؤل المطروح في العنوان، ما إذا كانت الصين رأسمالية، تمكن الإجابة عليه بشكل أساسي عبر جمع المعلومات حول تطور العلاقات الاجتماعية الصينية خلال الجائحة، ورؤية إلى أي مدى حافظت على نفس اتجاهات الرأسمالية الإمبريالية.
لكن في مواجهة كل الأدلة التي سنقوم بتفصيلها لاحقا، يزعم الحزب الشيوعي الصيني، وأنصاره الدوليون أن ما هو أمامنا “اشتراكية بخصائص صينية”، وهو تعريف وظيفي لتبرير وتجميل استعادة الرأسمالية، والتي بدأها دنغ شياو بينغ في أواخر السبعينيات، والمكانة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، بدولة البيروقراطية الماوية- الستالينية الحزبية، في قلب الرأسمالية الصينية.

جبّور (الحزب الشيوعي البرازيلي).. الاشتراكية وشبه العبودية في العمل.

الحزب الشيوعي البرازيلي، الناطق باسم شي جين بينغ، والمدافع عن الحزب الشيوعي الصيني، وخبيره المتخصص في الشؤون الصينية، إلياس جبّور، يرفعان راية الاشتراكية ذات الخصائص الصينية. حتى أن جبّور يضفي عليها لمسة أكاديمية شخصية غريبة عبر تسميتها بـ “التصميم الاقتصادي الجديد”(3). هذا الاقتصاد الجديد سيصبح “الاشتراكية الحقيقية” في أيامنا هذه، نمطا جديدا لتشكيل اقتصادي- اجتماعي قائم على تكنوقراطية الدولة الشمولية.
بالنسبة لكاتبنا، فإن أولئك الذين يجرؤون، مثلنا، على تأكيد الطابع الرأسمالي للعلاقات الاجتماعية الصينية، عالقون (عذرا على الاقتباس الطنان) في إطار “هيمنة وضعية لا تتعدى حدود مفهوم الفصل إلى أجزاء؛ تجريد خالص دون عقلانية ديالكتيكية، محاصرون في التصوير المجرّد” (4).
دعونا نرى إذاً ما هي “العقلانية الديالكتيكية” لتراكم البؤس الذي يعادل تراكم رأس المال الذي تحدث عنه ماركس، والذي تشهده الصين.

المليارديرات الصينيون

في تشرين الأول 2020، امتلك فاحشو الثراء في الصين ثروة مجتمعة تبلغ 4 تريليونات دولار، أي أكثر من الناتج المحلي الإجمالي لألمانيا، رابع أكبر اقتصاد في العالم. وتتصدر عائلة “جاك ما” تلك القائمة المرعبة بثروة تعادل حجم الاقتصاد الروسي. وبنفس الطريقة التي تتضاعف بها ثروة المليارديرات الأمريكيين وغيرهم من المليارديرات الإمبرياليين، “تنمو ثروة عائلة ما بنسبة 45 في المائة مع ازدهار سوق الأسهم وإعلانات التكنولوجيا الضخمة التي ترفع ثروة المليارديرات في الصين بمقدار 1.5 تريليون دولار” (5).
الجائحة أدت إلى ارتفاع أسهم الشركات الصيدلانية الأمريكية، والألمانية، والإنجليزية لسبب بسيط، هو الحفاظ على براءات الاختراع في قلعة محصنة، في حين أن بلدان مثل جنوب أفريقيا تم تطعيم 7٪ فقط من سكانها في نهاية تشرين الثاني. حسنا، الوجه الجديد في أعلى قائمة أغنى 10 أثرياء صينيين هو زونغ شانشان، المساهم الرئيسي في شركة الأدوية الصينية العاملة في مجال صناعة اللقاحات، والذي بات اليوم أغنى رجل في آسيا بثروة تبلغ 85 مليار دولار.
المعلومات الإضافية الأخرى تساعدنا أيضا على المضي في “تجريدات” جبّور (6).
– بكين هي عاصمة “المليار”، للسنة السادسة، بـ 145 مليارديرا. وفيها الآن ست مدن من بين 10 مدن ذات أعلى نسبة تركيز للمليارديرات.
– جائحة كوفيد- 19 أثارت أرباح فروع جديدة: الصناعات الدوائية، والتجارة الإلكترونية، والسيارات الكهربائية. ستار ماركت، سوق التبادل التكنولوجي الصيني، الذي يعادل ناسداك، “ولد” 13 مليارديرا جديدا، من بينهم مؤسس الـ “تك توك”، والمساهم الأكبر فيه، زوانغ يمينغ، الذي أضاف 40 مليون إلى ثروته وأدرج على قائمة أغنى 30 ثريا بـ 60 مليار دولار. وكذلك هوانغ تشنغ، مؤسس منصة “بينديوديو” للتجارة الإلكترونية، التي يبلغ مجموع أموالها 51 مليار دولار، وقد تم إدراجه على قائمة أغني 20 ثريا بثروة بلغت 69 مليار دولار (7).
هذا العدد من مليارديرات “المشروع الاقتصادي الجديد” يمنح أيضا دورا للأصدقاء الغربيين. وهكذا، فإن صناديق الاستثمار الإمبريالية الكبرى مثل “بلاك روك”، و”فانغارد”، و”ستيرت ستيت” تمتلك معا حصصا تبلغ نحو 10 ٪ من أسهم الشركات الخاصة الكبرى، وكذلك أسهما في كثير من الشركات الصينية المملوكة للدولة. أحد الأباطرة من أمثال برنارد أرنو، صاحب شركة “ال في ام اتش” الفرنسية متعددة الجنسية (مويت هينيسي لويس فويتون)، التي تسيطر على العلامات التجارية الفاخرة الكبيرة والذي أصبح في أيار 2021 ثاني أغنى شخص في العالم، بعد جيف بيزوس، بفضل أصدقائه الصينيين يقول:
كانت الإيرادات في أوروبا لا تزال منخفضة.. لكن طلب المستهلكين الصينيين انتعش، حيث ارتفعت مبيعات “ال في ام اتش” في آسيا، باستثناء اليابان، بنسبة 86٪ في الربع الأول مقارنة بالعام السابق. وبشكل عام، زادت إيرادات الشركة بنسبة 32٪ مقارنة بالفترة نفسها من عام ،2020 وبنسبة 8٪ مقارنة بعام 2019 (8).
تركيز الثروة والملكية في الرأسمالية الصينية لا علاقة له بإعلان شي جين بينغ الرسمي عن “الرخاء المشترك”. وفقا لتوماس بيكيتي (رأس المال والإيديولوجيا 2019، كانت نسبة الثروة التي يمتلكها أغنى 10% من السكان تتراوح ما بين 40٪ و 50٪ في أوائل التسعينيات، وبعد عشرين عاما من استعادة الرأسمالية، بحلول العام 2018، نمت هذه النسبة لتصل إلى نحو 70% (9).

الجانب الذي “يراكم البؤس وعذابات العمل والعبودية والانحلال الأخلاقي”

تراكم الثروة لا يمكن أن يتواجد دون نقيضه، لأن رأس المال يتراكم بالضغط على العمال. والدعاية حول متوسط ​​الزيادة في الأجور في الصين تخفي الجحيم الحقيقي الذي يعاني فيه العمال:
– في 3 كانون الثاني 2021، توفي موظف في منصة “بينديديو” الصينية، يبلغ من العمر 22 عاما، إثر ضغط العمل الإضافي، ما أثار غضب الجماهير التي فضحت نظام “6-9-9” [العمل من الساعة 9:00 صباحا إلى 9:00 مساء لمدة ستة أيام في الأسبوع]. وفي 9 كانون الثاني 2021، انتحر عامل آخر من نفس الشركة، يدعى تان، في تشانغشا (10).
إنه نفس الطريق الذي خاضه عمال “فوكسكون” عام 2010، الذي شهد سلسلة من حالات الانتحار بسبب أيام العمل التي لا يمكن تحملها. كان معظمهم من العمال المهاجرين من الريف، الذين تحظر عليهم ديكتاتورية الحزب الشيوعي الصيني حق التنظيم للنضال من أجل ظروف عمل أفضل. وحتى عام 2003 كان يتم منع هؤلاء العمال حتى من الانضمام إلى النقابات الرسمية، رغم أنها منظمات مرتبطة تماما بأرباب العمل وبيروقراطية الحزب الشيوعي الصيني.
كل ما سبق يحيلنا إلى “سر” التطور الأرعن للرأسمالية الصينية بعد استعادتها: الاستغلال المفرط الوحشي للعمال، ولا سيما العمال الريفيين المهاجرين:
– تتكون القوة العاملة في الصين من أكثر من 800 مليون شخص، من بينهم، كما قال رئيس مجلس الدولة لي كه تشيانغ العام الماضي، “هناك 600 مليون يعيشون على دخل شهري يبلغ 1000 يوان [156.83 دولارا](11) أو أقل. أي أن أكثر من 40% من سكان البلاد البالغ عددهم 1.4 مليار نسمة يعيشون على أقل من 5 دولارات في اليوم”.
– وانغ شياو لو، نائب مدير المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية، قال إن: “نصف عمال الصين، البالغ عددهم 400 مليون عامل، هم من العمالة المهاجرة. وقد تم استبعاد معظمهم من نظام الضمان الاجتماعي الحضري. كما أنهم لا يتلقون أي من خدمات عامة. وأقل من 30% منهم مشمولون ببرنامج التقاعد” (12).
يعني هذا أن المائتي مليون عامل ريفي مهاجر -الذين يعادل عددهم عدد كل سكان البرازيل- يعانون من ظروف غير إنسانية: حيث لا يتلقون أي من الخدمات العامة، ويتم استبعاد 70% منهم من نظام الضمان الاجتماعي الحضري. وبمجرد أن يترك العامل قريته، يصبح مرتبطا بنظام “هوكو”، وهو نظام إحصائي يعتمد على مكان ولادة الأبوين، ما يعني أنه بدون عنوان إقامة حضرية، لن يكون للعامل أية إمكانية للوصول إلى الخدمات العامة، ابتداء من المعاشات التقاعدية وصولا إلى التعليم.
– وفقا للمعطيات الرسمية، فلكي يحصل العامل على حق التقاعد، عليه الاستمرار بالإسهام في نظام التقاعد الريفي في البلدة التي تم تسجيله بها. وإذا دفع سنويا 100 يوان، بالحد الأدنى، يمكنه الحصول على معاش شهري بمعدل 55 يوان (8.63 دولار)، عند بلوغ سن الستين. في المقابل، يتلقى العامل المسجل في المناطق الحضرية ما معدله 2362 يوان (370.43 دولارا) شهريا، على الصعيد الوطني، وفقا لأرقام العام 2016.
العلاقات الاجتماعية الصينية لا يحددها ما تبقى من دور الاحتكارات الحكومية، بل يحسمها استغلال الطبقة العاملة، ومراكمة رأس المال، سواء في الشركات التي تسيطر عليها الدولة، أو في شركات القطاع الخاص.

بعض الاستنتاجات

الآن، وقبل المضي في شرح خصوصيات الرأسمالية في الصين، ورؤية كيف أن رأس مال الدولة ورأس المال الخاص لا يمكن فصلهما، دعونا نتناول بعض الاستنتاجات السياسية لأطروحات جبّور وغيره من المعجبين بالرأسمالية الصينية.
يتناسى جبّور ذكر الإمعان في استغلال العمال الصينيين، وأن هذا الاستغلال المتجاوز لكافة الحدود لا يمكن تصوره إلا في ظل نظام حزب دكتاتوري واحد، كما هو حال الصين. بالنسبة له، وكذلك بالنسبة لأتباع الكاستروية- التشافيزية، ومعظم الأحزاب الشيوعية ومن خلفها، فإن “الماركسية السوفياتية” القديمة، التي دافعوا عنها ذات مرة، بقيت مستمرة حتى انهيار الأجهزة الستالينية في الاتحاد السوفياتي السابق، وفي أوروبا الشرقية. وبعد تلك “الكارثة”، كان عليهم البحث عن “نماذج جديدة”، فكان نموذجهم الجديد هو “اشتراكية السوق ذات الخصائص الصينية” ، التي دافع عنها أشخاص من أمثال شي جين بينغ، وهو نموذج يضفون عليه ذات الشرعية التي منحوها للدكتاتورية الستالينية السوفياتية في وقت سابق. بالنسبة لهم جميعا، فإن مشروع الإشتراكية الماركسي اللينيني لم يتجاوزه التاريخ فحسب، بل تجاوزته أيضا عرابته: الثورة الإشتراكية.
بالنسبة لجبور وأقرانه، فإن الرأسمالية الصينية هي قوة فاعلة للبشرية، ومن الضروري نسج “تحالف مناهض للإمبريالية” معها ضد الولايات المتحدة. تحالف يجدون فيه مكانا لهم، من ديكتاتورية بوتين، إلى حكومة طالبان، والنظام العسكري الباكستاني، والمجلس العسكري الانقلابي في مينامار، والديكتاتورية الكوبية، وأورتيجا في نيكاراغوا إلى نظام مادورو. تحالف يحتفظون فيه بأماكن للحكومات التقدمية في أمريكا اللاتينية.
ثقة جبّور العمياء بالرأسمالية الصينية جعلت منه ومن استثماراته الحليف الطبيعي العظيم للتطور البرازيلي (الرأسمالي)، كما لو أن الرأسمالية الصينية لم تكن محكومة بمصالحها الخاصة. في الحقيقة، فإن بديل الحزب الشيوعي البرازيلي لتنمية البرازيل يلائم فقط صورة موقع البلاد الجديد في التقسيم العالمي للعمل، ويناسب الآن علاقته بتراجع التصنيع، والخضوع لاستيراد السلع الصناعية من الصين، مقابل تصدير الموارد الطبيعية. يبدو أن جبور لم يأخذ في الحسبان، عند صياغة مقترحاته، السياسة الافتراسية، والاستغلال الكبير للرأسمالية الصينية النفعية في آسيا وإفريقيا.

2. هل هو نظام “هجين” بين الاشتراكية والرأسمالية؟
إلى جانب التيار الكاستروي – التشافيزي، وما تبقى من أحزاب شيوعية، هناك مثقفون يساريون يتفقون مع جبّور، بطريقة أكثر لباقة، في بعض الجوانب الأساسية. بالنسبة لهؤلاء المثقفين، فإن النظام الصيني، إذا لم يكن هو ما يمثل الاشتراكية في عصرنا، فإنه شبيه بها إلى حد بعيد. أحد دعاة هذا القطاع من المثقفين هو الأرجنتيني كلاوديو كاتز.
ينكر كلاوديو كاتز، بشكل قاطع، استعادة الرأسمالية في الصين، وذلك رغم اعترافه بتبني عناصر مهمة من النظام الرأسمالي. لكن هذا التمهيد، من شأنه أن يكون “جزئيا وقابلاً للدحض”. بخلاف جبّور، يعتبر كاتس أنه من المبالغة الحديث عن وجود اشتراكية في الصين، ويجادل بأننا نشهد نظاما “هجينا” بين الاشتراكية والرأسمالية.. نظام لم يتبن بعد أي من هذين الاتجاهين.
لكن بالنسبة لكاتس، فإن هذا النظام “المختلط” بإمكانه أن يستمر “لعقود”، بحيث لا نكون في مواجهة مأزق تاريخي مؤقت، بل تشكيل اجتماعي جديد، “يتضمن المشروع العام للاشتراكية”، على حد قوله. “ولكي نفهم بعضنا البعض، لا بد من القول إننا نشهد نظاما اجتماعيا يعد ضرورة تاريخية في صيرورة الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية”، طبعا وفقا لهذا المنظور، فإن الاختلاف بين جبور وكاتس غير واضح حقا.
يضطر كاتز إلى الاعتراف بأن “الملكية الخاصة، الصغيرة والمتوسطة، في الزراعة، مهدت الطريق للشركات الصناعية الكبرى التي تعود ملكيتها إلى البرجوازية الجديدة. التسعير وفقا لقانون التنافس ورد كثيرا في الحديث، وكذلك أشكال الاستغلال، وتراكم الأرباح الذي أثرى الأقلية من ذوي النفوذ. إضافة إلى ذلك، فقد حلّ محل الاختناقات القديمة الناجمة عن قلة الإنتاج، توترات الاستثمار المفرط… وكان الأبرز في جملة تلك المعطيات هو نشوء طبقة تمتلك وسائل الإنتاج، وتسعى إلى نقل امتيازاتها إلى ورثتها”.
لكن هذا، وفقا لكاتز، لا يحدد طبيعة النظام في الصين بأنه رأسمالي. ويذهب إلى حد القول إن “هذا قد يكون صحيحا في ظروف تاريخية أخرى”، ولكن عندما التحقت الصين بالرأسمالية ضمن سيناريو “الليبرالية الجديدة والرأسمالية المالية” العالمي، دون أن تتبنى هاتين الخاصيتين، فإن هذا يجعل من مسألة “استعادة الرأسمالية غير مكتملة تماما منذ البداية”. ما يعني أنه ما لم تُعد الرأسمالية الصينية إنتاج الخصائص الرأسمالية الأمريكية، والأوروبية، واليابانية، أو البرازيلية، على سبيل المثال، فإنه لا يمكن الحديث عن كونها رأسمالية.
كل الإمبريالية تطورت إلى أقصى حد في التنشئة الاجتماعية للعمالة على نطاق عالمي، وفي دمج البلدان بسلاسل إنتاج احتكارات أقلياتها. ومع ذلك، فإن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن كل التشكيلات الرأسمالية متجانسة مع بعضها البعض، بل على العكس، إنها تتخذ تعابير مختلفة للغاية، اعتمادا على الظروف التاريخية، ومكانها في السلسلة الإمبريالية. من ناحية أخرى، ما نناقشه هنا هو العلاقات الاجتماعية الأساسية التي تحكم البلاد. ولا توجد وسيلة، مهما كانت نظرتك إليها، لتجنب حقيقة أننا نشهد وجود نظام استغلال (“بخصائص صينية”) في خدمة التراكم الرأسمالي.
لكن في الحقيقة، السبب الرئيسي الذي يثير شكوك كلاوديو كاتز حول الطبيعة الاجتماعية للنظام الصيني هو الدور الذي لعبته البيروقراطية الماوية الستالينية. يعتبر الحزب الشيوعي الصيني، بالنسبة لكاتز، الركن الأعظم للجانب الاشتراكي من الهجين الصيني، الركن الذي يمنع استعادة الرأسمالية. إنه يصر على ذلك مرارا وتكرارا، وهو ما يوضحه الاقتباس التالي: “النظام السياسي القديم، المتمحور حول الحزب الشيوعي، استمر وعزز هيمنته على الإدارة الاقتصادية. التناقضات مع ما حدث في أوروبا الشرقية قاطعة لدرجة أن مؤلف تلك المقارنة [نفسه] يشكك بجدية في حقيقة وجود الرأسمالية في الصين حاليا. أي أنه طالما بقيت سيطرة سلطة الدولة بين يدي الحزب الشيوعي الصيني، فلن تكون هناك رأسمالية في الصين. في ضوء ذلك، بالنسبة لكاتس، فإن المعاناة الاجتماعية، والسياسية، والبيئية، الهائلة، والتكاليف الناجمة عن استعادة الرأسمالية، تصبح أمورا ثانوية.
في الواقع، من المستغرب أن يجادل أحدهم بأن الصين ليست رأسمالية لأن الحزب الشيوعي يسيطر على الدولة، وتحديدا عندما يكون بطل استعادة الرأسمالية هو هذا الحزب نفسه، حزب البيروقراطية الماوية- الستالينية الأوحد. ومن المستغرب أيضا إنكار الطبيعة الرأسمالية للنظام الصيني لأنه “لم يتبن النيوليبرالية والرأسمالية المالية” كالغرب. نظرا لتأخر الصين الكبير في انطلاقتها، فإن انفتاحها التام على رأس المال المالي الغربي كان سيعني ببساطة انتحار البيروقراطية الماوية – الستالينية، وتحويل البلاد إلى شبه مستعمرة أمريكية.
كاتز، الذي يلعب بأسلوب خفة اليد، يعامل البيروقراطية والبرجوازية الصينيتين على أنهما كيانان “متوازيان”، غريبان عن بعضهما البعض. لذا فقد كتب إنه: “بدلا من دفن البنية السياسية للحزب الشيوعي، قرروا توطيدها، وعوضا عن دمج الطبقة الرأسمالية الجديدة بالسلطة السياسية، قبلوا فقط بوجودها كقوة موازية لقيادتهم”. نسي كاتس أن الحزب الشيوعي الصيني ليس هو فقط الجهة التي روجت لاستعادة الرأسمالية، ووجهتها من قمة هرم الدولة، بل هي أيضا المستفيدة الرئيسية والجزء الأساسي منها. إن رأسمال الدولة ورأس المال الخاص يشكلان، كما سنرى لاحقا، تكتلا لا ينفصل في تكوين الرأسمالية الصينية.
وفيما يتعلق بنا، نحن الذين نجادل بأن الرأسمالية قد تمت استعادتها الصين، فإن كاتز يتهمنا بعدم توضيح “متى تم الدفن”، مضيفا “إن توصيف هذا التحول هو المفتاح لتحديد المعنى المخصص لمفهوم الرأسمالية أو الاشتراكية “.
في كتابه “الثورة المغدورة” (1936) كتب تروتسكي إنه في حال عدم استيلاء الحزب الثوري ولا حزب الثورة المضادة على السلطة في الاتحاد السوفياتي، لا يمكن الاعتقاد بأن البيروقراطية الستالينية ستتنازل لصالح المساواة الاشتراكية، وإنه “سيكون من الحتمي، مستقبلا، أن تسعى للحصول على الدعم في علاقات الملكية”. هذا ما حدث مع حركة الإصلاح والانفتاح التي أطلقها دنغ في عام 1978 (وكذلك البيريسترويكا لغورباتشوف عام 1986) (13).
كلاهما كان قد خطط بشكل واعي لاستعادة الرأسمالية عبر استخدام أدوات الدولة. منذ تلك اللحظة، أصبحت الدولة، كأداة للاستعادة المستمرة، ذات طبيعة رأسمالية. وكما أشار تروتسكي في العمل السابق: “الطابع الطبقي للدولة يمنح من خلال أشكال الملكية وعلاقات الإنتاج التي تحميها وتدافع عنها”.

تطور مشترك وغير متكافئ في استعادة الرأسمالية

من أولئك الذين ينكرون طبيعة الصين الرأسمالية، الاقتصادي الماركسي البريطاني ميخائيل روبرتس، الذي يدافع عن أطروحاته بطريقة أكثر رقيا من كاتز، وبمقاربة أكثر انتقادا للبيروقراطية الصينية.
تكمن مشكلة روبرتس في أنه، عند تناول عناصر من الواقع (دور الدولة والحزب الشيوعي الصيني في الاقتصاد، أو نقل فائض القيمة من الصين إلى كبرى الشركات متعددة الجنسية والبلدان الإمبريالية)، يقوم بفصلها عن صيرورتها الإجمالية، محولا إياها إلى مجموع كلي قائم بذاته، ليجمّدها في صورة ثابتة، متجاهلة تماما المنشأ التاريخي لاستعادة الرأسمالية، وحركتها الخاصة.
كما أن روبرتس لا يأخذ بعين الاعتبار المنطق الداخلي للبيروقراطية الماوية – الستالينية، ومسارها التاريخي، ومشروعها الإصلاحي، الذي بات يطرح بشكل واعي وصريح عبر مصطلح “الإصلاح والانفتاح” لدنغ شياو بينغ منذ عام 1978، وهو مشروع استند إلى دمج الاقتصاد الصيني في العولمة الإمبريالية، بعد المصالحة مع الإمبريالية الأمريكية عام 1972 (14).
البيروقراطية الصينية الستالينية تولت عملية استعادة الرأسمالية بأذرع الدولة الشمولية، معتمدة على الإمكانات التي يوفرها الاندماج في سلاسل القيمة المضافة للفروع الجديدة المرتبطة بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، المجزأة دوليا ضمن التقسيم العالمي الجديد للعمل (العولمة)، والمستقرة في شرق آسيا. لقد استغلت حالة اللامساواة على الصعيد الداخلي، في بلد يتميز بوجود أغلبية ريفية ساحقة من السكان، وانفجار حضري هائل، فتح الباب لإمكانات واسعة أمام سوقه الداخلي. البيروقراطية استغلت التخلف الاقتصادي التاريخي للبلاد، واستفادت بشكل كبير من آثار الاستعمار في هونغ كونغ، وتايوان، وماكاو. كل شيء بات يستند إلى استغلال الطبقة العاملة بأكثر الطرق وحشية.
ومن الأمثلة التوضيحية لهذه الصيرورة مسار الشركات الرمزية، كشركة “فوكسكون” التايوانية (هاي هون)، المعروفة عالميا بتجميع أجهزة “أيفون” و”كنديل”، و”بلاي ستيشن” وغيرها من الأجهزة. وقد ولدت شركة “غوي تيري” كجزء من التقسيم العالمي الجديد للعمل. بعد هزيمة “الكومينتانغ” في الحرب الأهلية عام 1949، أسس غو، وهو ابن لمهاجرين، شركته عام 1974 في إحدى ضواحي “تايبي” لتجميع مفاتيح أجهزة التلفاز الأبيض والأسود. وفي غضون سنوات قليلة قام بتجميع وحدات أجهزة “الأتاري” في أوائل الثمانينيات، وقد تم إدراج ال “آي بي إم” ضمن ملف إنجازاته. ولكن لمواصلة توسعه، واجه قيود توفر العمالة والأجور، التي كانت ترتفع في تايوان، وكذلك في “النمور الآسيوية الصغيرة” الثلاثة الأخرى (هونغ كونغ، وسنغافورة، وكوريا الجنوبية) (15).
غو وجد ضالته في الصين القارية، وفي عام 1988 افتتح أول مصنع له في منطقة شنتشن الاقتصادية الخاصة. ومن خلال الدمج الرأسي لعملية التجميع، قام بتوسيع نطاق أعماله عبر دمج أكثر من مليون عامل في نظام شبه العبودية لثكنات المصانع. واليوم، لا تقوم شركة “فوكسكون” بتجميع بضائع احتكارات الأقلية في أمريكا الشمالية فحسب، بل من بين عملائها الرئيسيين أيضا شركات صينية كبرى متعددة الجنسية، مثل “هواوي”، و”شاومي”، و”لينوفو”.
في المنطقة الاقتصادية الخاصة، التي تأسست عام 1981، تمتع الاستثمار الأجنبي بامتيازات كبيرة فيما يتعلق بالضرائب، والبنية التحتية، وتصدير الأرباح، إضافة إلى وجود قوى عاملة وفيرة في ظل ظروف شبيهة بالعبودية. وفي مرحلتها الأولى، كانت تلك المنطقة الخاصة قد استضافت الاستثمارات من كل من اليابان، وكوريا، وهونغ كونغ، وسنغافورة، بشكل أساسي، وكان الهاتف المحمول هو ثمن استغلال القوى العاملة لتوسيع سلاسل الإنتاج الإقليمية. بعد ذلك، امتدت امتيازات المناطق الاقتصادية الخاصة إلى جزء كبير من المدن الساحلية. وفي وقت لاحق، تحديدا في بداية العام 2000، شهدت الصين، إثر انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية، ازدهارا استثماريا في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
بالتوازي مع هذه الصيرورة، تشكلت ظاهرة أخرى استنادا إلى التطور غير المتكافئ الذي اتسم به التوسع الرأسمالي في الصين. دعونا نلقي نظرة على أحد الأمثلة البارزة، في عام 1987، أنشأ ضابط كبير في الجيش، يدعى رن تشنغفي، شركة هواوي، التي لم يكن تأسيسها في تلك المنطقة الاقتصادية الخاصة، على وجه التحديد، مجرد صدفة. وفي غضون بضع سنوات، أصبحت الشركة المورد الرائد عالميا لمعدات الجيل الخامس للإنترنت، والعلامة التجارية الأكثر مبيعا للهواتف الذكية في الصين، والثانية في العالم، في أعقاب احتكار القلّة الإمبريالية.
في نهاية الثمانينيات، كانت الهواتف الذكية والإنترنت ضربا من ضروب الخيال العلمي، وكان معظم سكان البلاد يعيشون في الريف، دون أن يكون لديهم حتى خط أرضي. وهكذا، بلد لم تكن لديه المعدات اللازمة لتوسيع شبكة الهواتف الأرضية، دخلت هواوي العصر الرقمي محتلة مجال الاتصالات الهاتفية الريفية، والتي لم تكن موضع اهتمام الاحتكارات الأجنبية الكبرى. وقد تم تطوير تقنية مفاتيح الهواتف (16) من قبل المعهد الهندسي للقوات المسلحة. ولاحقا أصبحت هذه التقنية عاملا لتراكم رأس المال في خطوط إنتاج “هواوي”. ومن المعدات الأولى “اتش جي دي- 40″، مفتاح الهاتف الرقمي للخطوط الثابتة، إلى معدات الهواتف المحمولة المدمجة في الإنترنت، كان التطور يجري بسرعة مذهلة (17). أما السيطرة على السوق المحلي فقد تحققت مع التحول إلى الجيل الثالث (18)، الذي تم تطويره بالكامل في الصين عام 2006، ليتم اعتماده من قبل وزارة الاتصالات، قبل أن يصبح معتمدا على نطاق عالمي.
روبرتس، شأنه شأن كاتز، لا يرى الخصائص الملموسة للبرجوازية الصينية، ويدافع عن فكرة وجود تمايز، حاد بقدر ما هو مصطنع، بين بيروقراطية الدولة وبرجوازية القطاع الخاص، رغم أن الوثاق بينهما حميمي، بل ويعد اندماجا حقيقيا.
البيروقراطية المترفة لا تقوم فقط بإدارة البنوك وكبرى الشركات المملوكة للدولة، بل إنها تستفيد أيضا، بشكل مباشر، من أعمالها عبر مشاركتها المباشرة، وغير المباشرة، في شبكة الشركات التابعة الخاصة التي تنشئها في أماكن مثل هونغ كونغ. وبينما تقوم البيروقراطية بوظيفتها في إدارة الدولة، تشارك مباشرة في الأرباح الرأسمالية، بحيث ترعى مصالح البرجوازية والدولة الرأسمالية ككل. الشركات الخاصة الكبرى ممولة من قبل الدولة ومملوكة لها، كما أن كبرى شركات الدولة، بما في ذلك البنوك، مملوكة من قبل رأس المال الخاص، حيث يتم تشكيل اتحادات كبيرة تشمل كلا القطاعين.
شركات الدولة “الصغيرة والمتوسطة” تمت خصخصتها وتسليمها إلى البيروقراطية الإقليمية في التسعينيات (19). كما بينت فضيحة “إيفرجراند” أن غالبية البنوك المحلية (134) والريفية (1400) (التي تمثل ثلث القطاع المصرفي التجاري في الصين) تخضع لسيطرة أباطرة القطاع الخاص. أضف إلى ذلك الشركات الخاصة، القائمة على الفساد الهيكلي، ذات الملكية المشتركة بين البرجوازية الخاصة الجديدة والبيروقراطيات المحلية والإقليمية، التي تعتمد عليها في صنع قراراتها، ناهيك بشبكة الشركات الخاصة، التي يديرها “المقربون”، والتي تتطفل على مختلف أجهزة الدولة وخدماتها. إننا نواجه طبقة رأسمالية واحدة، متشابكة، مكونة من شرائح مختلفة ذات مصالح محددة، ترأسها وتضبطها بيروقراطية الدولة الرأسمالية العليا.
“هواوي”، التي خرجت من أحشاء القوات المسلحة، باتت تمثل احتكارا للأقلية التي تستغل 194,000 عامل، ولديها أعمال في 170 دولة (20). كانت نقطة ارتكازها لغزو الأسواق الخارجية هي الاقتصاد الكلي من مشتريات الدولة، ما أدى إلى توسيع شبكة الجيل الخامس إلى كافة المدن الصينية الكبرى خلال الجائحة. العقود الخارجية لشركة هواوي تبرم بمساعدة الحكومة الصينية، وتمول بقروض البنوك الصينية المملوكة للدولة، فشراء شركة فولفو من قبل “جيلي” مثلا، تم تمويله من قبل البنوك الإقليمية في شنغهاي..
البرجوازية الصينية الكبرى ليست قطاعا متجانسا. لكنها باتت، باحتكاراتها، طبقة سائدة معقدة تضم، خلف المصالح الطبقية التي توحدها ككل، شرائح مختلفة ذات مصالح متضاربة.
وهكذا، فإن احتكارات الأقلية التي برزت في التسعينيات، إثر تطور السلاسل الإنتاجية لمعدات الإنترنت، المرتبطة في الغالب بالتجارة الإلكترونية، قد استحوذت على قدر هائل من الأرباح، محولة نفسها إلى ممتلكات موجهة نحو الاستثمار الإنتاجي والسوق المالية، ما يهدد احتكار مصارف الدولة لتكوين النقود.
أحد هؤلاء الأباطرة المرتبطين بالتجارة الإلكترونية هو “هواتينغ ما”، الذي هاجر من “شانتو”، وهي قرية صيادين شرق “شينزين”، ليؤسس عام 1998 شركة “تينسينت”، التي تعد حاليا أكبر مزود لألعاب الفيديو في العالم. منتجاتها الرئيسية هي تطبيق المراسلة “أول إن ون”، و”وي تشات”، وهو تطبيق يجمع ما بين “واتس اب”، و”فيسبوك”، و”فينمو”، و”تندر”، و”سبوتي فاي”، و”أمازون”، إضافة إلى نظام الدفع والتحويل عبر الإنترنت، في توليفة فريدة في نوعها. ولديها نحو مليار مستخدم، غالبيتهم العظمى في الصين. في كانون الثاني 2021، اقترب تقييم سوق أسهمها من مليار دولار.
تمتلك “تينسينت” حصصا في أكثر من 600 شركة، وصناديق رأس مال استثماري، وقد بدأت في التركيز على الشركات التكنولوجية الناشئة في آسيا، مع اهتمام خاص بالذكاء الاصطناعي. عندما بدأت في الاستحواذ على شركات في الخارج، مثل “ريوت غيمز” في الولايات المتحدة، و”سوبرسيل” في فنلندا، تم التعامل معها من قبل الاتحاد الأوروبي وحكومة الولايات المتحدة (21).
“كولين هوانغ”، أو “هوانغ زينغ”، هو مؤسس شركة “بينديوديو” للتجارة الإلكترونية، التي أصبحت أكبر منصة زراعية في الصين. كانت الشركة قد تأسست في عام 2015، وقد شكلت الإعلانات نحو 90٪ من إيراداتها، لكن أعمالها التجارية مالية، حيث تزود المزارعين ورجال الأعمال في المجتمعات الريفية بنظام غير مسبوق للشراء الجماعي، ما يؤدي إلى طمس الحدود بين البيع بالتجزئة والجملة. في نيسان 2020، قامت “بينديوديو” بأول استثمار استراتيجي لها، من خلال الاكتتاب بمبلغ 200 مليون دولار، في سندات قابلة للتحويل، صادرة عن شركة “غوم” القابضة للتجزئة، وهي شركة كبرى، لبيع الأجهزة والإلكترونيات بالتجزئة، في الصين (22).
أرباح القطاع غير المنتج (التجارة الإلكترونية)، والاحتكارات الصناعية (هواوي …) تتشابك في سوق رأس المال -أسواق البورصة وأسواق المكافآت- وهي موجهة نحو الفروع التي يكون تراكم رأس مالها أعلى من المتوسط.
هذا التشابك دفع عملاق التجارة الإلكترونية “علي بابا”، بقيادة جاك ما، المساهم الرئيسي في مجموعة “فنتيتش آنت”، إلى سباق إنتاج الرقائق. كما أعلنت شركة شاومي، ثالث أكبر مورد للهواتف الذكية في العالم، عن دخولها في صناعة السيارات الكهربائية بالصين، لتنضم إلى شركات التكنولوجيا الأخرى مثل شركة هواوي، و”بايدو” [مشغل التجارة الإلكترونية] في رهان كبير على أكبر سوق للسيارات في العالم. حتى شركة “إيفرغراند” المثقلة بالديون، والمتخصصة في المضاربة العقارية، وطأت مجال صناعة السيارات الكهربائية.
عوضا عن التقاط هذه الصيرورة الحاضرة، يتتبع مايكل روبرتس سردية أحادية الجانب، مجردة، لا حياة فيها، حول قانون القيمة، الذي فهمه على أنه مفهوم مجرد فوق تاريخي. كتب روبرتس يقول إن مثل هذا القانون يبدو “مشوّهاً، ومحدوداً، ومحظوراً” بسبب “التدخل البيروقراطي للدولة وبنية الحزب”. لذا، خلص روبرتس إلى أن الصين لن تكون رأسمالية.

قانون القيمة ودور الدولة

من أجل إثبات استنتاجاته، يقدم روبرتس حججاً تستند على بيانات صندوق النقد الدولي، التي تقارن الصين بالولايات المتحدة، أو ألمانيا، أو فرنسا، كما لو كان لكل من تلك الدول منشأ وتطور تاريخي واحد. كما يعتقد روبرتس أن هذا التشبيه الرسمي البسيط كافٍ لحل المشكلة.
أكثر الأدلة “التي لا يمكن دحضها” (والتي يصفها بـ “الأرقام القاتلة”) هي تلك الصادرة عن صندوق النقد الدولي، والتي تفيد بأن مخزون الأصول الإنتاجية الحكومية في الصين أكبر بثلاث مرات من أصول القطاع الخاص، بينما تبلغ نسبة نظيرتها في كل من الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة 50٪ فقط، مقابل 75% في الهند، واليابان (23).
لكن هذه البيانات، إلى جانب أنها تعكس لحظة معينة في تطور الرأسمالية الصينية، تبين مسألتين فقط: 1- أن منشأها يعود، جوهريا، إلى استعادة الرأسمالية في دولة عمالية بيروقراطية 2- وأنه دون وجود دولة شمولية قوية تلعب دورا مركزيا، لن تكون الرأسمالية الصينية قادرة على التنافس مع الإمبريالية في الساحة الرأسمالية العالمية.
روبرتس “نسي” أن قانون القيمة قد تم التعبير عنه بطريقة “مشوهة”، وتحديدا في حقبة الإمبريالية المتسمة بهيمنة الاحتكارات الكبرى، ورأس المال المالي، وكبرى الدول الإمبريالية التي تمثلها. بالنسبة لروبرتس، فإن قانون القيمة لا يكون فاعلا إلا في الحقبة البعيدة لرأسمالية المنافسة الحرة. لكن لفهم الدور الحاسم للدولة الرأسمالية في الاقتصاد، ليس من الضروري العودة إلى مرحلة الحربين العالميتين الأولى والثانية، السابقة، أو ما تبعهما خلال فترة إعادة البناء، أو إلى بداية الإمبريالية اليابانية، أو ظهور النمور الآسيوية. ومن الأمثلة الراهنة على هذا “التشويه” قانون الابتكار والمنافسة (بقيمة 250 مليار دولار) الذي أقره مجلس الشيوخ الأمريكي في حزيران 2021 لمواجهة الرأسمالية الصينية. وهو قانون يذكر، كما تشير صحيفة “نيويورك تايمز”، ببرنامج “صنع في الصين” لـ “شي جينبينغ” قبل ست سنوات. التاريخ المعاصر يبين الدور الحاسم الذي تلعبه الدولة الرأسمالية في الاقتصاد، وفي تشويه “السوق الحرة”. كما يوضح كيف يكون قانون القيمة مفروضا بطريقة “مشوهة” وغير مباشرة.. إفلاس شركة العقارات الصينية العملاقة “إيفرغراند” خير مثال على ذلك.

رأس المال المالي وتنظيم التكنولوجيا الكبرى

وبرتس لا يأخذ بعين الاعتبار دور البيروقراطية كمحرك لاستعادة الرأسمالية ومركز لها، ولا يرى تورطها مع رأس المال الخاص في تشكيل تكتل واحد حول الدولة. تماما كما في نقدنا لكاتس، فإن روبرتس لا يفهم أنه إذا أرخت البيروقراطية الصينية يدها فيما يتعلق بالنظام المصرفي، ولم تقم بالتحكم في حساب رأس المال، ووضع قيود على دخول رأس المال المالي الإمبريالي، وبعض آليات “السوق الحرة”، سيتم استبدالها بعنف، ويكون الاستقلال السياسي للبلاد مهددا بشكل مباشر، وسيحكم على الصين أن تصبح شبه مستعمرة مرة أخرى. لكن الحزب الشيوعي الصيني تعلم دروس ما حدث في الاتحاد السوفياتي السابق وأوروبا الشرقية، ولم يكن راغبا بتكراره.
لكن رغم القيود المفروضة على دخول البنوك الإمبريالية، وتلك المفروضة على صناديق الاستثمار الأجنبية، فيما يتعلق بشراء وبيع الأسهم في البورصة، فإن سوق رأس المال الصيني موجود بقوة. وفي هذا السياق، تم انتقاد الإطار التنظيمي الجديد لشركات التكنولوجيا الصينية الكبرى من قبل مجلة “الايكونوميست” البريطانية باعتباره هجوما من قبل “شي جينبينغ” على المشاريع الحرة. غير أن صِبْيَة “شي” على المستوى الأممي، من أمثال جبّور وأتباع الكاستروية – التشافيزية، يدافعون عنه باعتباره مثالا لـ “الاشتراكية ذات الخصائص الصينية”.
النمو السريع للاقتصاد الرقمي كان مركّزا في أيدي “أليباي” (مجموعة آنت)، و”وي تشات” (تينسينت)، وأقرانهم الذين امتلكوا 5.4 تريليون دولار في المعاملات التجارية عام 2020، بزيادة 9.6٪ عن عام 2019، ما يجعل الصين ثاني أكبر سوق للتجارة الإلكترونية، بعد الولايات المتحدة.
المال باعتباره وسيلة للتداول (مقياس للقيمة ووسيلة الدفع) لا يتمايز عن وظيفته كرأسمال إلا بأشكاله المختلفة في بعض أوقات دورة العمل. شكله الرقمي يبدو وكأنه مجرد علامة، ومقياس للقيمة، ويعمل كنقود وهمية أمام السرعة التي تصل إليها معاملات السلع ورأس المال. أما شكله “الفيتيشي” فهو انعكاس “لفيتيشية” السلعة نفسها، للاستمرار في إخفاء الطابع الاجتماعي للعمل الخاص (24).
تكثيف مركزية التنظيم التكنولوجي الصيني لوسائل الدفع بين يدي الشركات القابضة للأقلية التي تحكم مئات الشركات الأخرى -وهو تعبير حقيقي عن رأس المال المالي- يضاعف قدراتها الاستثمارية، ويقوّض سيطرة الدولة على النظام الائتماني، ويهدد سوق الصرف الأجنبي نفسه، والذي تتحرك فيه ترليونات الدولارات يوميا (25).
إجراءات التدابير الجديدة لكبرى الشركات التكنولوجية، التي اتخذها “شي”، تقلّل من الاستثمار في الفروع الإنتاجية التي تتسم بالتراكم المفرط (الإسكان والبنية التحتية ووارداتها من الصلب والأسمنت وما إلى ذلك)، وتوسع حضورها في مبادرة “الحزام والطريق”، وتوجه استثمارات الحيازات التقنية نحو اختناقات سلاسل الإنتاج التكنولوجية، من أجل التعامل مع الحرب التكنولوجية التي يشنها بايدن، بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي في إنتاج الرقائق. هذا هو دور الدولة في أي بلد رأسمالي، وهو بالطبع لا يلغي قانون القيمة، كما يشير روبرتس.
روبرتس لا يرى أن عملية استعادة الرأسمالية في الصين، (التي تم التدرج بها إثر الدروس التي استخلصتها البيروقراطية الماوية – الستالينية من كارثة الأحزاب الستالينية في الاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية)، كانت موسومة بانشغال البيروقراطية الشديد بالحفاظ على سلطتها. استعادة الرأسمالية في الصين تمّت بالتوازي مع الحفاظ على النظام الدكتاتوري للحزب الواحد وتعزيزه، فبدون هذا النظام الشمولي، كان يستحيل ضمان التعسف والاستغلال المفرط للعمال والفلاحبن الصينيين، وإمكانية الحفاظ على امتيازات الطبقات العليا للحزب الشيوعي الصيني، أو مصالح البيروقراطية الإصلاحية وبرجوازية القطاع الخاص الجديدة. لولا تلك اليد الحديدية، لما وصل الاستثمار الأجنبي الذي جعل من الصين وجهته الأولى.
روبرتس، كغيره من المعجبين بـ “المعجزة الاقتصادية” الصينية، يحدد “التقدم” بـ “القوة الشرائية”(26)، عاجزا عن إيضاح حقيقة أنه في ظل الهيمنة الرأسمالية الإمبريالية، فإن كل تقدم في القدرة الإنتاجية، مثل ذلك الذي تسببت فيه استعادة الرأسمالية في الصين، يطلق العنان في ذات الوقت لعوامل مدمرة للغاية، تترجم إلى تكاليف بشرية وبيئية باهظة، ولا يمكن إصلاحها:
1- عملية إعادة تموضع صناعي واسعة في الغرب، تراجع وحشي في الأجور، ومعايير العمل للطبقة العاملة على نطاق عالمي.
2- في الصين، يوجد نظام عمل شبه عبودي يتمركز في ثكنات المصانع التي تضم 200 مليون عامل ريفي مهاجر، إضافة إلى التراجع العام لظروف عمل الطبقة العاملة الحضرية، ناهيك بالظروف المزرية لملايين الفلاحين المهجرين قسرا إلى ضواحي المناطق الحضرية على يد المسؤولين المحليين، الحريصين على إخلاء الأراضي الزراعية لبيع حق استخدامها للمطورين العقاريين.
3- توحّش اللامساواة الاجتماعية التي تعد من الأعلى تفاوتا على مستوى العالم.
4- كارثة بيئية خطيرة للغاية تشهدها البلاد، ناهيك بتأثيرها عالميا على الاحتباس الحراري، واستنفاد الموارد المعدنية والطاقة.
5- دكتاتورية بوليسية خانقة مفروضة على الشعب الصيني.
6- سياسة توسعية تستنزف الموارد الطبيعية، مفرطة في استغلال العمالة المحلية، وداعمة للأنظمة الدكتاتورية في آسيا وأفريقيا.

صورة تجميلية للبيروقراطية الإصلاحية

في النهاية، يبسّط روبرتس العلاقات الأساسية بين الصين والولايات المتحدة، ويختزلها في “نقل القيمة” بين البلدين، دون حتى النظر في النزاعات بين احتكاراتهما في سعيهما للتفوق وجني الأرباح الفائقة التي تحققها التكنولوجيا. في هذا النص لن نسلط المزيد من الضوء على المكانة التي تحتلها الصين في التقسيم العالمي الحالي للعمل ونظام الدول.
لكن، على أي حال، لا يمكن اختزال العلاقة بين الصين والإمبريالية المهيمنة، الولايات المتحدة، في “نقل القيمة”، ومقارنة الإنتاجية العالمية للعمل في كليهما وكأن شيئاً لم يتغير على مدى الأربعين سنة الماضية، كما لو أن الواقع تجمّد، أو كأنه لم يكن هناك مسار مزدوج للتراكم الرأسمالي في الصين: مسار احتكارات الأقلية الغربية في الشركات الكبرى، والتراكم الذاتي للرأسمالية الصينية، وكلاهما قائم على الاستغلال الفائق للعمال الصينيين. كما لو أن العلاقة بين هذين المسارين للتراكم الرأسمالي الهائل، في القطاعين الحكومي والخاص، لم تتطور بشكل عميق. وكأن احتكارات الأقلية الصينية لم تدخل في منافسة مفتوحة مع احتكارات الأقلية الأمريكية والغربية من أجل الهيمنة التكنولوجية وتحقيق الأرباح الفائقة المرتبطة بها. وكأن معركة الهيمنة في آسيا لم تكن تجري على قدم وساق. وبعيدا عن طابعها المسرحي، فإن كلمات زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ الأمريكي، تشاك شومر، قبل التصويت على قانون الابتكار والمنافسة، توضح الأمر، حيث قال: “إذا لم نفعل شيء، فقد تنتهي أيامنا كقوة عظمى مهيمنة”.
من المثير للاهتمام كيف أن الجمع بين طريقته الأحادية المختزلة، إلى جانب البيانات التي يستخرجها من صندوق النقد الدولي، قادت روبرتس إلى استنتاجات سخيفة، كما تبين كتاباته التي ورد فيها إنه “من بين 101 دولة “متوسطة الدخل” في عام 1960، تمكنت 13 دولة فقط من الانفصال عن المجموع لتكون اقتصادات متقدمة في العام 2008″. من بين هذه “الاقتصادات المتقدمة”، باستثناء اليابان، نجد فقط هونغ كونغ، وسنغافورة، وتايوان، وكوريا، وإسبانيا، والبرتغال، واليونان، وأيرلندا، وإسرائيل، وموريشيوس، وبورتوريكو، وغينيا الاستوائية. لا يبدو أنه من الضروري التعليق على هذا! وفي ذات السياق، يضيف روبرتس إنه: “ليس من قبيل المصادفة أن اقتصادين ناميين كبيرين فقط تمكنا من أن يصبحا جزءاً من النادي الرأسمالي الثري في الخمسين سنة الماضية (تايوان وكوريا)، وفقا لنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي”. لكن وصف محمية أمريكية مثل تايوان كدولة إمبريالية نظرا إلى نصيب الفرد من الدخل لا يبدو أمرا منطقيا، ولا هو كذلك فيما يتعلق بكوريا الجنوبية، بوجود 28500 جندي أمريكي على أراضيها!
زخم التكتلات الصينية في الخارج أمر لا يمكن إنكاره. ومع ذلك، فإن الاستثمارات في مبادرة الحزام والطريق، وفقا لروبرتس، “لا تهدف إلى الربح. فكل شيء يهدف إلى توسيع النفوذ الاقتصادي للصين على الصعيد العالمي واستخراج الموارد الطبيعية والتكنولوجية للاقتصاد المحلي “. كما لو أن الاستثمارات الأجنبية الصينية، حيث يرافق رأس المال الخاص الدولة ويرتبط بها، لم تكن جزءا مركزيا من خطط الصين العالمية!
يجادل روبرتس أيضا بأن الاستثمارات الأجنبية للصين ليست نتيجة للحاجة إلى امتصاص فائض رأس المال، أو لانخفاض معدل الربح داخل الصين. ومع ذلك، فإن الاستثمار والإنتاج المفرطين، اللذين أعقبا موجة الاستثمار الهائلة بعد الأزمة العالمية في 2008- 2009 هي أكثر من معتمدة لدى الغالبية العظمى من المنظرين، حتى روبرتس نفسه يشير في العديد من أعماله إلى الانخفاض في معدل الربح المحلي الصيني، بسبب الاستثمار الواسع.
في أحد أعماله الأخيرة، وتحديدا في أيار 2018، كتب روبرتس أن “شي” يتولى السيطرة الكاملة على مستقبل الصين، ففي ظل حكمه، ستستمر غالبية قيادة الحزب الشيوعي الصيني في النموذج الاقتصادي الحالي، الذي تهيمن عليه المؤسسات الحكومية الكبرى، وفي مقدمتها الجهاز الحزبي، لأن “حتى النخبة تدرك أنه إذا تم السير في الطريق الرأسمالي، ليصبح قانون القيمة هو المهيمن، فإن هذا سيعرض الشعب الصيني إلى حالة مزمنة لعدم الاستقرار الاقتصادي، وانعدام الأمن الوظيفي والمالي، وتفاوت طبقي أكبر”.
رغم أنه ادعى لاحقا أن هذه البيروقراطية “موحدة في معارضتها للديمقراطية الاشتراكية”، وتريد “الحفاظ على سلطتها الاستبدادية، والامتيازات الناتجة عنها”، إلا أنها لم تفشل في رسم صورة تجميلية للبيروقراطية الإصلاحية، ما يعني ضمنيا أنها تقوم بدور تقدمي. وفي إحدى أحدث كتاباته: “الصين في عقد ما بعد الوباء” (أيار 2020)، كان روبرتس أكثر انتقادا للبيروقراطية الصينية، وقدم تصورات تبتعد عن إرضاء كاتز. في تلك الكتابات يتحدث عن “حكومة شيوعية استبدادية للحزب الواحد، وغالبا ما تكون غير فعالة، كما أنها فرضت إجراءات صارمة خلال الوباء، وقمعت المنشقين بلا رحمة، وكانت الثورة الثقافية محاكاة هزلية صادمة، ناهيك بقمع الأقليات، ومعسكرات إعادة التثقيف في شينجيانغ، ولا أحد يستطيع التحدث علنا ​​ضد النظام دون عواقب، وفي هونغ كونغ، تم فرض حكومة عسكرية …”.
ومع ذلك، لا توجد أية إشارة للنقطة المركزية: الحاجة إلى الإطاحة بالدكتاتورية (الرأسمالية) للحزب الشيوعي الصيني، من أجل إنشاء حكومة عمالية مدعومة بديمقراطية اشتراكية، للمضي في بناء الاشتراكية، وتوسيع الثورة العالمية.

بعض الاستنتاجات الاستراتيجية لفرضيتي كاتز وروبرتس

كلاوديو كاتز يمانع، بعناد، توضيح استنتاجات أطروحاته، ومايكل روبرتس، المنغمس في “العقلية الاقتصادية”، لم يطورها. لكن إذا كانت أطروحاتهما صحيحة، فإنها ستكون بمثابة الحكم على البروليتاريا بأنها عجزت، طوال حقبة تاريخية كاملة، عن استئناف الصراع على السلطة، وبناء الاشتراكية. هذا سيعني الاعتراف ببيروقراطية الدولة كبديل تاريخي جديد(27)، لا هو رأسمالي ولا اشتراكي، بل نظام ديكتاتوري قوي، سيمثل، رغم كل عيوبه، معسكرا تقدميا في مواجهة الرأسمالية والإمبريالية. وسيقتصر دور الطبقة العاملة على الضغط على هذه البيروقراطية من أجل بعض الإصلاحات، وبالطبع سيكون القيام بثورة للإطاحة بها مسألة محرمة، باعتبار أنها إجراء رجعي. وسيكون الخلاف بين الولايات المتحدة والصين هو نزاع بين الرأسمالية الإمبريالية والتكوين الاجتماعي التقدمي الجديد، الذي علينا أن نكون في خندقه، رغم كل عيوبه، حتى لو كانت “كارثية”.
في الحقيقة، نزعته الأحادية، وتصوره المجرد للماركسية، دفعا مايكل روبرتس(28) إلى درجة القول بأن كل من يدافع عن فكرة أن الصين رأسمالية، سيكون منكرا للماركسية، لأنه إذا كان “نجاحها الهائل في النمو الاقتصادي”، قد تحقق رغم كونها رأسمالية، “فإن هذا سيكون تفنيدا للنظرية الماركسية للأزمة، وتبريرا للرأسمالية”. وبالطبع، لأنه لا يستطيع الدفاع عن فكرة أن الصين تتسم بأي من سمات الاشتراكية، وصفها بأنها “كيان غريب”، لا هو رأسمالي ولا اشتراكي. بقي لنا فقط أن نقول إن إقحام تصنيف جديد كهذا في النظرية للماركسية يتطلب تبريرا نظريا أعمق مما تمتلكه مثل تلك الشخصيات الاقتصادية، المجمدة والمعزولة عن السياق العام والتاريخي، بحججها الواهية.

_______________



ملاحظات



(1 ) https://www.hurun.net/en-US/Info/Detail?

num=LWAS8B997XUPhttps://www.hurun.net/en-US/Info/Detail?

num=LWAS8B997XUP



(2 ) كارل ماركس، رأس المال، القسم السابع، الجزء الثالث والعشرون. القانون العام للتراكم الرأسمالي ص. 547



(3 ) إلياس جبّور، الصين والإمكانيات الجديدة للاشتراكية العلمية. البنك اليساري، ص 35. مجلة “بويتيمبو”، العدد 37 الفصل الثاني 2021.



(4 ) المصدر السابق. ص 33



(5 ) البيانات من قائمة الأثرياء الأخيرة لهورون ريبورت، صادرة عن شركة صينية خاصة مماثلة لفوربس، مكرسة لترتيب كبار رجال الأعمال الصينيين.

https://www.scmp.com/business/money/wealth/article/3106202/jack-ma-leads-pack-chinese-billionaires-2020-fortunes-grow



(6 ) البيانات من آذار 2021 https://www.hurun.net/en-US/Info/Detail?num=LWAS8B997XUP.



(7 ) https://www.scmp.com/business/money/wealth/article/3106202/jackma-leads-pack-chinese-billionaires-2020-fortunes-grow



(8) https://economia.uol.com.br/noticias/redacao/2021/05/24/bernard-arnault-se-torna-a-pessoa-mais-rico-do-mundo.htm



(9 ) بمقارنة أرقام بيكيتي بمؤشر جيني (الذي يقيس اللامساواة الاجتماعية فإن 0 هو المساواة المطلقة في توزيع الدخل و 1 هو الحد الأقصى لعدم المساواة ، حيث يمكن لشخص واحد أن يستحوذ على كل دخل البلد) ، كان الرقم الأخير 0.16 في عام 1978، وعندما بدأ الإصلاح الرأسمالي وصل بالفعل في عام 2017 إلى 0.467. منذ ذلك الحين استمر في الزيادة، لدرجة أن الحكومة الصينية لم تفصح عن الأرقام. ومن المقدر أن يصل الرقم إلى 0.470، وهو أعلى بكثير من المتوسط ​​0.300 في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وفي نهاية عام 2020، امتلك أغنى 1٪ من سكان البلاد 30.6٪ من الثروة الوطنية، مقارنة بـ 20.9٪ قبل عقدين. من جانبه، قدر تقرير 2014 الصادر عن مركز أبحاث العلوم الاجتماعية بجامعة بكين أن أغنى 1٪ تجاوزوا 30٪ من الثروة الوطنية، في حين أن أفقر 25٪ يمتلكون 1٪ فقط!





(10) https://www.scmp.com/tech/big-tech/article/3116385/death-22-yearold-pinduoduo-employee-renews-controversy-over-chinas



(11 ) تم تحويل الإيرادات باليوان إلى الدولار اعتبارا من 4 كانون الأول 2021.



(12 ) https://www.scmp.com/news/china/article/3153466/chinas-armymigrant-workers-waits-xi-jinpings-common-prosperity-touch



(13 ) مارتن هيرنانديز. حكم التاريخ، روسيا، الصين، كوبا … من الثورة الاشتراكية إلى استعادة الرأسمالية.



(14 ) [دينغ] “أراد إقناع واشنطن بأنه لا يمكن أن يكون هناك حليف أكثر ولاء في الحرب الباردة من جمهورية الصين الشعبية تحت قيادته. كان ماو قد رأى اتفاقه مع نيكسون على أنه اتفاق “هتلر – ستالين” آخر، وفقا لصياغة أحد جنرالاته، حيث كان الأمر بوجود كيسنجر بمثابة صفقة تكتيكية مع عدو لتجنب مخاطره. ومع ذلك، كان دينغ يبحث عن أكثر من ذلك. كان هدفه هو القبول الاستراتيجي في النظام الإمبراطوري الأمريكي، للوصول إلى التكنولوجيا ورأس المال اللازمين لجهوده في تحديث الاقتصاد الصيني. كان هذا هو السبب الحقيقي والخفي للاعتداء على فيتنام. كانت الولايات المتحدة لا تزال تعاني من هزيمتها في الهند الصينية. ما هي أفضل طريقة لكسب ثقتها من الانتقام؟ فشلت في الحرب، لكنها اشترت لدنغ شيء أكثر قيمة من تكلفة أرواح 60 ألف شخص: تذكرة دخول الصين إلى النظام الرأسمالي العالمي، الذي ستزدهر فيه”.

دنغ شياو بينغ. مطبعة بيلكاب، جامعة هارفارد، 2011. مراجعة بيري أندرسون.

Sinomania ، London Review of Books.

http://www.lrb.co.uk/v34/n03/perry-anderson/sino-americana.)



(15) https://www.scmp.com/author/karen-chiu



(16) تم تطويره بواسطة مركز تكنولوجيا المعلومات، المرتبط بمعهد الهندسة للقوات المسلحة، والذي كان مسؤولا عن شركة “ليويانغ” لمعدات الاتصالات المرتبطة بوزارة البريد والاتصالات السلكية واللاسلكية. ش. شين، الطريق الصيني إلى التكنولوجيا الفائقة، تكنولوجيا الاتصالات في التحول الاقتصادي. ص 105. سبرينغر، 1999.



(17) من خلال فتح السوق المحلية أمام الشركات الأجنبية، كان على الشركات المحلية التركيز على السوق منخفضة التكلفة في الثمانينيات وأوائل التسعينيات. عرضت الحكومة الصينية الدعم لمساعدة الشركات المحلية في الحصول على جزء من حصة السوق بعد أن طورت محولات الخطوط الثابتة الرقمية الخاصة بها. على سبيل المثال، نظمت الوزارة اجتماعين تنسيقيين لتشجيع استخدام المفاتيح المنتجة محليا في عامي 1996 و 1999 وكان هذان الاجتماعان بمثابة نقطة تحول للشركات الصينية في استبدال الشركات متعددة الجنسيات “. تشينغ مو وكيون لي. نشر المعرفة وتجزئة السوق واللحاق بالركب التكنولوجي: حالة صناعة الاتصالات السلكية واللاسلكية في الصين. سياسة أبحاث المجلة، 2005. المجلد 34 / 759-783.



(18) Estándar TD-SCDMA Time Division Synchronous Code Division Multiple Access.



(19) تقلص القطاع المملوك للدولة بشكل مطرد في السنوات التي أعقبت انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية. في عام 2001، كان 40 في المائة من الوظائف في الصين ضمن القطاع العام. انخفض هذا الرقم إلى 20 في المائة في عام 2008، ولكن هذا الانخفاض توقف في السنوات التي تلت عام 2008 ولم يظهر أي تغيير حتى نهاية إدارة هو وين في عام 2012. بين عامي 2008 و 2012، زادت الأصول التي تديرها الشركات المملوكة للدولة من أكثر من من 12 تريليون يوان إلى أكثر من 25 تريليون يوان. يلينج تان. كيف غيرت منظمة التجارة العالمية الصين. الشؤون الخارجية. الثلاثاء/ نيسان 2021 ، المجلد. 100 العدد 2، الصفحة 90-102. 13



(20) https://www.huawei.com/en/about-huawei/corporate-information (accessed January 2020)



(21) https://www.scmp.com/abacus/who-chat/who/article/3028219/pony-ma-tycoon-behind-chinas-social-media-and-gaming-giant / https://

www.scmp.com/tech/big-tech/article/2182193/tencent-plugs-holes-andboosts-profits-163-new-investments



(22) https://www.caixinglobal.com/2020-04-20/pinduoduo-buys-into-homeappliance-retailer-to-sell-their-branded-goods-101544707.html



(23) “شي يتولى السيطرة الكاملة على مستقبل الصين”، أيار 2018



[24] كارل ماركس. المرجع السابق. الصفحات. 103، 53، 55.



[25] منذ عام 2018، تم توبيخ شركة “تنسينت” القابضة من قبل السلطات التنظيمية على “إجراء عمليات صرف العملات خارج نطاق تسجيل أعمالها”، وبلغ الأمر ذروته بغرامة قدرها 2.8 مليون يوان (438000 دولار أمريكي).



(26) تجدر الإشارة هنا إلى تصريحات رئيس مجلس الدولة “لي كه تشيانغ” في الدورات السنوية للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني في أيار 2020، والتي تفيد بأن 600 مليون صيني، 40٪ من السكان، يعيشون على 1،000 يوان شهريا فقط (140 دولار). من بينهم 75.66٪ في المناطق الريفية. من ناحية أخرى، يعمل حوالي 200 مليون شخص (أكثر من ربع السكان العاملين) في وظائف مرنة أو غير مستقرة. كما يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار أن المعيار الرسمي “للفقير” هو من يحصل على دخل سنوي أقل من 4000 يوان (674 دولارا أمريكيا)، بينما إذا كان يتناسب مع المعيار الدولي بنسبة 60٪ من متوسط ​​الدخل، فيجب أن يكون 8600 يوان (1326 دولارا أمريكيا)، أي أكثر من ضعف الحد المستخدم [ما يشكك في تصريحات شي جين بينغ المنتصرة]. خوليو ريوس، “الرخاء المشترك لشي جين بينغ”، تشرين الأول 2021).



(27) أطروحة مشابهة لتلك التي وضعها برونو رزي عام 1939. في بيروقراطية العالم، 1980.



(28) “الإمبريالية، الصين، والتمويل”. مدونة مايكل روبرتس، 30 أيلول 2021



ترجمة تامر خرمه
مراجعة فيكتوريوس بيان شمس

حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق