المسألة الاقتصادية في الفكر التونسي الحديث خلال الثلث الأوّل من القرن العشرين تأليف الحسين فالحي

إبراهيم العثماني
2022 / 7 / 11

تأليف الحسين فالحي
تقديم إبراهيم العثماني

مقــــــــــــــــدّمة:

قد تكون بعض الفترات الزمنية حاسمة في تاريخ الشعوب، محدّدة لهويتها ومؤثّرة في مساراتها اللاحقة. وقد لا نجافي الحقيقة إن قلنا إنّ النهضة التي شهدها الثّلث الأوّل من القرن العشرين مثّلت الإرهاصات الأولى التي رسمت ملامح المجتمع التونسي المعاصر، ووسمته بميسم مخصوص، وميّزته عن جلّ المجتمعات العربية وأهّلته ليكون مجتمعا حداثيا يقطع سلسلة الجمود والتقليد والرّتابة، وينهل من ثقافة المحتلّ الوافدة ويتمثّل عناصرها الإيجابية ويصهرها في بوتقة الموروث ويُوظفها لتغيير ملامحه الثابتة منذ قرون. لقد كانت هذه النهضة متعدّدة الأوجه لم يعرف تاريخ المجتمع التونسي الحديث مثيلا لها. فهي سياسية واجتماعية وفكرية وأدبية. ففي هذه الفترة بالذات تأسّست الأحزاب (الحزب الحر الدّستوري 1920، الفرع الجامعي الشيوعي بتونس 1921 والحزب الإصلاحي 1921)، والنقابات (جامعة عموم العملة التونسية 1924)، وفي هذه الفترة شهدت البلاد معركة السفور والحجاب من خلال كتابات الطاهر الحداد والردود التي تصدّت لآرائه التي تضمنها مؤلفه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" (1930)، وظهرت أولى الكتابات المتصلة بالفكر العمالي ("العمّال التونسيون وظهور الحركة النقابية في تونس" للطاهر الحدّاد سنة 1927)، وألّف عبد العزيز الثعالبي كتابا مضمونه وثيق الصلة بمقولات المجتمع المدني (تونس الشهيدة 1920)، وفي هذه العشرية تجلّت ملامح حركة أدبية ونقدية تناهض التقليد وتدعو إلى التجديد قادها أبو القاسم الشابي ومحمد الحليوي وزين العابدين السنوسي.
وقد لفتت فترة الثلاثينات انتباه الدّارسين والباحثين فأولوها عناية خاصّة وركّزوا على أهمّ أحداثها ومفاصلها. وهذا المبحث الموسوم ب"المسألة الاقتصادية في الفكر التونسي الحديث خلال الثلث الأوّل من القرن العشرين"* لصاحبه الحسين فالحي (الحسين حي الدين سابقا) يُعدّ لبنة أخرى تنضاف إلى الدّراسات الجادّة التي تناولت هذه الفترة بالدّرس والتحليل، ويعتبرمبحثا يكشف وجها آخر من وجوه الحياة في هذه المرحلة الثّريّة والخصبة، ويُسلّط الضوء على جانب لم تُفرد له بحوث مخصوصة .

تــــــــــقديم الكتــــــــاب:

إنّ تقديم هذا الكتاب وتلخيص أهمّ محتوياته والإتيان على مجمل الإشكاليات التي أثارها ليس بالأمر اليسير. فالعمل بحث مستفيض وشرح مفصّل لكيفية تناول المفكرين التونسيين المسألة الاقتصادية في الثلاثينات، وإبراز لأهم الاتجاهات التي ظهرت في تلك الفترة، وتحليل لآليات اشتغالها. ونحن نعتقد جازم الاعتقاد أنّ أيّ تقديم له لن يفي بالحاجة مهما اجتهد صاحبه. لذلك سنحاول أن نلمّ بأهمّ مكوناته.
قسّم الباحث أطروحته إلى مقدمة وبابين كبيرين وخاتمة. وتضمّن الباب الأوّل تمهيدا وثلاثة فصول في حين تكوّن الباب الثاني من تمهيد وثلاثة فصول وخلاصة التقييم. وينتهي هذا المبحث بخاتمة تلخّص أهمّ الاستنتاجات التي توصّل إليها الباحث ومسرد للمصادر والمراجع و ثبت للفهرس العام:
المقدّمة (ص7-25)
الباب الأوّل: المشاغل والاهتمامات الاقتصاديّة لدى مفكّري الثّلث الأوّل من القرن العشرين أو مسألة إنتاج الثّروة (ص27-167)
تمهيد: الظّرفيّة التّاريخيّة ومساهمتها في نشوء بواكير وعي اقتصادي لدى النّخبة المثقّفة التّونسيّة (ص27-47).
الفصل الأوّل: أزمة المجتمع التّونسي في ظلّ الاحتلال (ص48-70).
الفصل الثّاني: أسباب تدنّي نصيب التّونسيّين من الثّروة في نظر المفكّرين التّونسيّين (ص71-123)
الفصل الثّالث: المنشود وسبل بلوغه والانتظارات المنوطة به (ص124-167).
الباب الثّاني: اتّجاهات التّفكير في المسألة الاقتصاديّة (ص169-345).
تمهيد (ص169-176)
الفصل الأوّل: الاتّجاه اللّيبيرالي ومرجعيّاته (ص177-237)
الفصل الثّاني: الاتّجاه الاشتراكي ومرجعيّاته (ص238-289)
الفصل الثّالث: اتّجاه ينزع منزعا وسطا بين الرأسماليّة والاشتراكيّة ومرجعيّاته (ص290-345)
الخاتمة: (ص347-354).

المــــــــــــقدّمة:

اشتملت المقدّمة على تأطير للموضوع دقيق وإشارة إلى أهمية الاقتصاد في حياة الشّعوب ودوره في بروز ظاهرة الاستعمار وتحويل البلدان الرأسمالية إلى قوى امبريالية وإسهامه في تقسيم العالم إلى بلدان ضعيفة وبلدان قويّة ، ومن ثَمّ تؤكّد هذه المقدّمة الخيط الّذي ينتظم هذا المبحث ويوجّه القارئ نحو البؤرة المركزية التي يتمحور حولها هذا العمل. ثمّ علّل الأستاذ فالحي اختياره هذه المسألة بما لاحظه "من نقص في الاهتمام لدى الباحثين بالفكر التونسي ذي الصلة بالقضايا الاقتصادية في الثلث الأول من القرن العشرين" ( ص 16) . وقد استعرض مجموعة من المؤلفات تعرّضت لهذه القضية بشكل عرضي مثل أعمال الشاذلي خير الله والبشير التليلي.

التّـــــــــــــمهيد:

أمّا التمهيد فقد تعلق بدور الظرفية التاريخية في نشوء بواكير وعي اقتصادي لدى النخبة المثقفة التونسية حيث كانت آراؤها الاقتصادية رد فعل على حضور الاقتصاد الرأسمالي الفرنسي. وتعتبر بقية عناصر التمهيد بمثابة قسم نظري تطرق فيه الباحث إلى الحديث عن تحول الرأسمالية إلى إمبريالية وتوسع الرأسمال الفرنسي وبحثه عن أسواق وتوقف عند مقولة إنتاج الثروة وعرّج على طبيعة الفكر الاقتصادي ما قبل الكلاسيكي والمركنتيلية والفزيوقراطية بالاعتماد على أمهات الكتب التي تناولت هذه المفاهيم بالدرس والتحليل.
وما إن انتهى الباحث من التمهيد حتى خلص إلى الحديث،في الفصل الأول الموسوم ب"أزمة المجتمع التونسي في ظلّ الاحتلال"، عن سمات هذه الأزمة فخرج بجملة من الاستنتاجات منها أنّ أساس السياسة الاستعمارية هو تمييز المستعمِرين وتفويقهم على المستعمَرين وتغذية ذلك باستمرار حفاظا على شروط الاستغلال لتحقيق الربح الأقصى على حساب السكان الأصليين وتعميق الهوة بين الجنسين. وفي هذا الوضع المختل الموازين حصل المستوطنون على ملكيات عقارية كبيرة في حين جُرّد التونسيون من ملكيتهم، وقد دعّم المستعمر الفرنسي وجوده بتكريس إيديولوجية عنصرية قائمة على تضخيم شخصية المستعمِر من ناحية والحط من شأن المستعمَر من ناحية أخرى وتهويل عيوبه. وقد أفرز هذا الوضع طبقة عاملة ضعيفة ومستغلة ومضطهدة ومحرومة من جميع الحقوق فعمّ الإملاق والاحتياج، واستعان الباحث بشواهد من كتابات الطاهر الحداد وعبد الجليل الزاوش لتصوير هذا الوضع المزري وإبراز الفوارق المشطة بين طبقاته الثلاث : طبقة المخزن المتألّفة من الأسرة الحاكمة ورجال السلطة والوزراء والقياد والمقرّبين من البلاط، وطبقة البورجوازية المتكونة من التجار والصناع وملاك الأرض الكبار والتي تضرّرت من السياسة الاستعمارية بعد سنة 1881. أمّا طبقة الأجراء فقد عاشت ظروفا قاسية جدا: فالأجر زهيد والخصاصة والحرمان والكفاف كان أهمّ ما يميّز حياتها. وهكذا انقسم المجتمع التونسي إلى قسمين كبيرين: جالية فرنسية وأوروبية تنعم برغد العيش وسكان أصليين حرموا من أبسط مقومات الحياة وجردوا من ممتلكاتهم واستحالوا عملة لدى المستعمِرين.
وقد قاد هذا الوضع النخبة التونسية المثقفة إلى البحث في أسباب الانحطاط المادي وتقديم الوصفة المناسبة لتخطي دائرة الخطر المحدق بالمجتمع. لذا خصّ الباحث هذا الوضع بفصل خاص، وهوالفصل الثّاني، سماه"أسباب تدني نصيب التونسيين من الثروة في نظر المفكرين التونسيين". وقد قسم الأسباب إلى نوعين:أسباب داخلية وأسباب خارجية. ومن خلال استعراض مواقف المفكرين التونسيين بدت وجهات نظرهم متباينة أحيانا. لذا وجدنا الأستاذ فالحي يعرض هذه المواقف ويقارن بينها ويبدي رأيه فيها كلما كانت غير مقنعة. فمحمد صالح مزالي مثلا يرى أن تأخر التونسيين اقتصادي ومعزول عن السياسة في حين يؤكد علي باش حانمبه دور السياسة الاستعمارية في خراب الفلاح والصانع والتاجر التونسيين بعد سنة 1881 .
وقد بيّن هؤلاء المفكرون أنّ من أسباب التدني كذلك تأخر وسائل العمل وسيادة رأس المال الصغير وبقاء أملاك شاسعة بورا، وتنضاف إلى هذه الأسباب عوامل أخرى اجتماعية وفكرية وعقدية. فالتونسي إنسان محافظ تنقصه الجرأة ويخشى المجازفة باستثمار ثروته خوفا عليها من الضياع والتّلف،
كما أنه عرف بأنانيته وحب الاستغلال الفردي ونفوره من التعاون. وهناك سبب عقدي يتمثّل في منع الإسلام القرض بفائدة فكان التونسي يفضّل صيغة الكنز على إيداع الأموال في البنوك تجنّبا لشبهة الرّبا المحرّم شرعا.
كما لاحظ هؤلاء المفكرون أن الصناعات التونسية عبارة عن حرف يتعاطاها أصحابها في محلاّت ضيّقة ولكلّ صنف سوقه الخاصّة، وهذا النّظام الصناعي تقليدي، مغلق، يعيد إنتاج نفسه باستمرار، وعاجز عن إفراز تقنيات عمل أرقى ويكرّسه تيار معارض لكلّ تحديث.
وهكذا يثبت هؤلاء المفكرون أنّ للتّخلّف الاقتصادي أسبابا كثيرة منها انتشار آفة الجهل وانحسار دور العقل والميل إلى الربح السريع، ويدعم كل ذلك تأخرُ المؤسستين السياسية والعدلية الذي يشلّ النشاط الإنتاجي والاقتصادي ويجعل البون شاسعا بين أساليب الإنتاج في تونس وأساليب الإنتاج في فرنسا. وفي الحقيقة استقطبت مسألة الإنتاج والتوزيع اهتمام هذه النخبة المثقفة، وقد رصد الباحث ثلاثة اتجاهات كبرى تطرّقت إلى هذه المسألة بشكل مستفيض:

الاتجاه الليبيرالي:

ويمثله عبد الجليل الزّاوش ومحمد صالح مزالي وحسن حسني عبد الوهاب، وقد لاحظ الباحث أنهم أعطوا الأولوية لنهج اقتصادي يقترب من النهج الرأسمالي ويقوم على حرية التملك وحرية الاستغلال وحرية الاستهلاك لأنهم لاحظوا أن الأسلوب الإنتاجي الرأسمالي تفوّق على الأساليب السابقة، وأكّدوا أهمية رأس المال ودوره في إنتاج الثروة، وركزوا على ضرورة الأخذ بالتقنيات وأساليب العمل العصرية على النّحو المعمول به في أوروبا وأمريكا (ص 193 ). ولئن تبنى أصحاب هذا الاتجاه نهجا للثروة يقترب كثيرا من النهج الرأسمالي الليبيرالي فإن توزيع الثروة لم يتم الخوض فيه إلاّ لِماما. وحسن حسني عبد الوهاب هو المفكر الوحيد الذي تبنّى صراحة توزيع الثروة على الطريقة الرأسمالية. ويعتبر مؤلّفه "قواعد علم الاقتصاد" مختصرا في علم الاقتصاد السياسي (ص 199). إلاّ أنّ مرجعية هذا الاتجاه لم تكن أروبية فحسب فالتأثير الإسلامي لم يكن غائبا لدى عبد الجليل الزاوش ومحمد صالح مزالي. فقد أقرّا مثلا بحق صاحب رأس المال وحق العامل في الحصول على نسب معينة من الفوائد المنجرّة عن عملية الإنتاج(ص200 ). وهكذا توزعت أصول منهج ممثّلي هذا الاتجاه بين مرجعيتين: مرجعية ذات منزع رأسمالي ليبيرالي بحكم ثقافتهم الأوروبية وانبهارهم بنتائج الاقتصاد الرأسمالي الغربي المتفوق في أوروبا والمشع على العالم، ومرجعية إسلامية بحكم انتمائهم الحضاري العربي الإسلامي. لذا كانوا يستدلّون بآي القرآن في الدفاع عن مشروعهم كما كانوا متأثرين بخيرالدين يرجعون إلى كتابه "أقوم المسالك" كلما اقتضى الأمر ذلك.
أمّا الاتجاه الثاني فيقف على طرف النقيض ويمثله الشيوعيون:


الاتجاه الاشتراكي:

يمثّل هذا الاتجاه الفرع الجامعي الشيوعي بتونس في أوائل العشرينات، وقد أولى شيوعيو العشرينات اهتماما خاصا للجوانب الاقتصادية وعبروا عن موقفهم من الموجود وقدموا البدائل التي بدت دعائية لا عملية غلب عليها طابع استشرافي يحيل على المستقبل(ص240) .
إلاّ أنّهم أدركوا أنّ التحرر الاقتصادي في ظلّ الهيمنة السياسية الفرنسية أمر مستحيل. لذا أعطوا الأولوية للتحرر السياسي. وقد تميزت النواة الشيوعية الأولى بسمتين: سمة خصوصية وسمة عامة، فالسمة الخصوصية مستمدة من خصوصيات الواقع التونسي المتمثلة في اقتصاد متخلف خاضع لسلطة استعمارية متفوقة على جميع المستويات. أمّا السمة العامة فتتجلى في أنّ الأفكار الشيوعية مثلت امتدادا للأطروحات التي راجت في الغرب وانتقلت عن طريق الجاليات إلى البلدان المستعمرة. لذا واجهت الأطروحات الشيوعية واقعا وتناقضات تختلف عن واقع وتناقضات البلدان التي نشأت فيها، وهذه الملابسات أثرت في خطاب الشيوعيين بتونس وتوجهاتهم العامة وفرضت عليهم تكييف فكرهم مع مقتضيات الواقع الجديد وملابساته. أمّا البدائل التي اقترحوها فتتمثل في عدم توزيع الأراضي على ساكني الأرياف من التونسيين لعدم وجود ضمانة كافية لنجاح الفلاح في استغلال الأرض بصفة فردية ما دامت تعوزه وسائل الاستغلال العصرية. وبين هذا الاتجاه وذاك برز اتجاه ثالث:


الاتجاه الوسطي:

هو اتجاه ثالث ينزع منزعا وسطا بين الرأسمالية والاشتراكية ويمثله الطاهر الحداد. وقد اعتمد الباحث كتابي"العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية" و"امرأتنا في الشريعة والمجتمع" لتحديد سمات هذا الاتجاه. وقد قاده النظر والتمحيص إلى الخروج بجملة من الاستنتاجات منها أنّ الطاهر الحداد ليس كاتبا اقتصاديا بقدر ما هو كاتب اجتماعي رغم وعيه لأهمية العامل الاقتصادي وتأثيره الإيجابي والسلبي في حياة الناس. وقد اهتمّ بإنتاج الثروة لأنه لاحظ ضعف إنتاج التونسيين وانتشار المجاعات والأوبئة وتفشي مشاهد البؤس والإملاق واستنتج أن الأزمة الاقتصادية الخانقة لها أسباب موضوعية وذاتية. فالاستعمار الفرنسي جرّد التونسيين من ممتلكاتهم وحوّل المالكين إلى عملة في أراضيهم عند الأجانب وحكم عليهم بالبطالة. أمّا العوامل الذاتية فهي كثيرة ومتنوّعة ومتفاعلة وتتمثّل في طبيعة المجتمع التونسي والحالة الفكرية العامة بالبلاد والذهنيات السائدة. فالجهل مخيم على النفوس والعقول خاملة والعادات سيئة، والتونسيون جاهلون بأسباب اكتساب الرزق وتنمية الثروة وعاجزون عن مجاراة تيار التقدم الاقتصادي. فقد غلبت عليهم الاستكانة والسلبية والإيمان بقدرية حمقاء وتملّكتهم الأنانية وحب الاستغلال الفردي. وأمام هذا الوضع اقترح الطاهر الحداد تطوير رأس المال وذلك بحسن التصرف في الموجود والكفّ عن استهلاكه استهلاكا غير منتج وتعويد الناس فضيلة التوفير، ودعا إلى التعاون بين المالكين ونبذ فكرة التحاسد كما حثّ على التعاون بدلا من الإقراض، وناهض علاقات العمل التقليدية السائدة في الزراعة والصناعة والقائمة على منطق الإكراه والاستغلال ما قبل الرأسماليين المتوحشين. ومن ثم تجلّى اتجاه الطاهر الحداد. فهو يدين علاقات العمل التي يكرّسها رأس المال الكبير كما أنه يرفض الاشتراكية لأنها تكرّس التناحر الطبقي وتعمل على تغذيته وتأجيجه ولا تناسب حال البلاد التونسية مع ما هي عليه من فقر، ويقترح بديلا لهذا وذاك علاقات عمل تقوم على التآزر والتضامن بين رأس المال والعمل أي شراكة إنتاجية. ويتوقف تحقيق هذا البديل على توفر عناصر أساسية. فالتربية والتعليم شرطان أساسيان لا غنى عنهما لتحقيق نهوض حقيقي في تونس. وينادي الحداد بتعليم مهني صناعي لتحسين المردود الاقتصادي وإشراك المرأة في النهضة المنشودة ومساهمتها في شؤون بيتها ومساعدة زوجها على مواجهة أعباء الحياة. تلك هي خصائص وسطية الطاهر الحداد، ومن الراّجح أنها وسطية ذات أصول دينية إسلامية لأن مفهوم المجتمع الوسط اقتصاديا واجتماعيا مفهوم إسلامي. و بذلك يختم الباحث عمله ثم يذكّر بأهم الاستنتاجات التي انتهى إليها.
لقد مثّل الحديث عن اتّجاهات التّفكيرفي المسألة الاقتصاديّة متن الباب الثّاني بفصوله الثّلاثة وعناصره الفرعيّة (تمهيد- خلاصة التّقييم). وهكذا نتبين أن المسألة الاقتصادية، على عسرها وحاجتها إلى أهل الاختصاص، كانت مشغلا من مشاغل المفكرين التونسيين في الثلاثينات وموضوعا مطروحا للبحث والنقاش، ومن ثم نستطيع أن نقول إن القضايا التي طرحت في تلك الفترة طالت كل المجالات ممّا يؤكد الحركية التي ميزت أهل الفكر والثقافة في الثلاثينات وقيمة الجدل في حياة الشعوب ودوره في تطوير وعيها وشحذ هممها.

ملاحظــــــــــات:

يخرج المطّلع على البحث بجملة من الملاحظات. فقد بدا الأستاذ الحسين فالحي متمثلا المسألة من كل جوانبها، مطلعا على المباحث المتصلة بموضوعه، وقد اتبع منهجا قوامه التحليل الملموس للواقع الملموس وتنزيل الظاهرة الاقتصادية في إطارها التاريخي بعيدا عن التهويمات المثالية والاستنتاجات التعسفية. فكانت فوائد البحث جمّة. إلاّ أنّ كل هذه المزايا لا تحجب عنا بعض الهنات التي تسرّبت إلى العمل حسب اعتقادنا:
1 - طول المقدمة وتضمنها شرحا لبعض المفاهيم وكان من المفروض إفراد هذه المفاهيم بقسم خاص بها( مثل تعريف الاقتصاد والفكر التونسي .)
2- ظاهرة التكرار ميزت هذا العمل فكثير من الأفكار يعيدها الباحث أكثر من مرة وفي أكثر من موضع من ذلك ذكره لدور السياسة الاقتصادية الاستعمارية في نشأة الفكر الاقتصادي التونسي في المقدمة وفي الفصل الأول من الباب الأول ثم في الباب الثاني وفي الخاتمة. وكان على الباحث أن يعتمد الإشارة والتلميح حينا والتفصيل والإطناب حينا آخر.
3- كان بإمكان الأستاذ فالحي الاستغناء عن بعض الفقرات أو اختزالها لأنها أثقلت البحث أكثر مما أفادته من قبيل الفقرة المتعلقة بتحول الرأسمالية إلى امبريالية (ص 29 -33 ) أو مقارنة الإنتاج في ظل النظام الرأسمالي بالإنتاج في ظل النظام الشيوعي( ص 241 -248 ).
4- أمّا الهنة الأخيرة، وهي قليلة الحضور، فتتمثل في صعوبة التفريق أحيانا بين موقف الباحث وموقف الكاتب موضوع الحديث من ذلك قوله "من الراجح أنها [ أي الوسطية] ذات أصول دينية إسلامية لأن مفهوم المجتمع الوسط اقتصاديا واجتماعيا هو يقينا مفهوم إسلامي.فالإسلام دين الاعتدال "( ص 35 ).فإلى من يُنسب هذا الرّاي؟

خاتــــــــمة:

وفي الختام لا يسعنا إلاّ أن نقر بأنّ هذا المبحث إضافة نوعية ذات فوائد جمّة سدت ثغرة كبيرة في الدراسات المتعلقة بتونس في ثلاثينات القرن العشرين، وهو إضافة صيغت بأسلوب سلس جذّاب يشدّ القارئ إليه شدّا ولغة أنيقة تأسره أسرا.
*ظهر هذا الكتاب في طبعته الأولى سنة 2007 ، وهوفي الأصل أطروحة جامعيّة ناقشها صاحبها في رحاب كلية الآداب والإنسانيّات بمنوبة.

حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر