الجنوب الشرقي المغربي: التوتر حول الموارد في غياب الوساطة وإنشاء الخطاب الوهم

لحسن ايت الفقيه
2022 / 7 / 6

الناظر في احتجاجات الجنوب الشرقي المغربي التي تحيا دواما وتتجدد في بحر كل ربيع خوفا من العطش، وطمعا في العدالة المجالية، وحسن تدبير الموارد الطبيعية، يلفى استفحالها لغياب الوساطة. ولئن غشي التوتر هذه السنة مجال السلامة الشخصية للمواطنين كما حصل بالطاوس بجنوب شرق إقليم الرشيدية إثر انهيار جدار هش أحدث، وكأنه يحصن بناية مستوصف هناك، وإذا بوظيفته تتغير فينقض ويهلك ثلاثة أطفال يوم 24 من شهر مايو من العام 2022، فإن الغالب على دواعي الانتفاض والاحتجاج الحاجة إلى التدبير السليم للموارد الطبيعية. وما وراء ذلك فهو وهم يرضي كبرياء عظماء الأحزاب السياسية وبعض المستنيرين من المجتمع المدني، وبعض المحسوبين بالباطل، على مجال حقوق الإنسان، فلا يحق لصاحب العقل السليم أن ينتظر في الحال إعمال الحق في العدالة المجالية، وفق منطق ثنائي سائد يحوي المغرب النافع في مقابل المغرب غير النافع. وطالما ترتدي الاحتجاجات اللباس الحقوقي، لا لأنها تروم الولوج إلى الحق في الماء والحق في الأرض بل لأن السلطة طرف فيها، ولو لاقتصار دورها على إعمال المقاربة الأمنية، كدأبها. وحينما تصادف طرفين أحدهما ذو لباس عسكري أمني يملك في يده عصا، أو يكتسب صفة الضبط القضائي وهي عصا أخرى لا مجال للوقوف عندها، والطرف الآخر، مواطن مدني أعزل فإن انتهاك حقوق الإنسان محتمل ووارد، وإن ثقافة حقوق الإنسان غائبة لدى من يغازل رجال السلطة، وينزل باللائمة على كل من لا يشكر العمال والقواد والباشاوات في آدائهم. كلنا يتفق أن الوضع أحوج إلى الوساطة، وإن كان بعض القواد [جمع قائد] لا يسمح لهم كبرياؤهم للنزول إلى الوساطة إعمالها تقضي وجود عقد وأن «شرط الوساطة هو الاتفاق الذي يلتزم فيه أطراف عقد بأن يعرضوا على الوساطة النزاعات التي تنشأ على العقد المذكور».
وإذا وقفنا بقراءة الاحتجاج المنظم يوم الأربعاء 04 من شهر مايو من العام الجاري والذي نظمه عشرات من سكان « قرى تابعة للجماعات السلالية لقبائل امحاميد الغزلان بإقليم زاكورة، .... أمام مقر قيادة محاميد الغزلان، مطالبين بفتح تحقيق مستعجل ومعمق لمحاسبة المسؤولين عن مراسيم التحديدات الإدارية الصادرة بالجريدة الرسمية عدد 7077 الصادر بتاريخ 18 مارس 2022، والمتعلقة بافتتاح عملية التحديد الإداري لعدد من العقارات «، انظر الموقع الإليكتروني مدار 21 بتاريخ 04/05/2022، نجد أن السلطة مهيأة أكثر من أي وقت مضى لإعمال المقاربة الأمنية، وقد تبلغ القصد حينما تنعت أحدهم بتهمة إهانة موظف عمومي أثناء قيامه بمهامه، إعمالا للمقاربة الأمنية، وتلبيسه ارتكاب السب والقذف في حق رجل السلطة. ويجب التسجيل هنا أن الخطاب الصحافي، يحق اعتماده مقتصرا على نقل الخبر، أي: الإقرا أنه برئ من أي تعليل، ويحق الاستنتاج منه أن السلطة بما هي المسؤولة عن إعمال الأمن، تبدو غريرة إلى حد ما، وكان أولى بها فتح الحوار مع المحتجين وإخطارهم أن مراسيم التحديدات الإدارية المذكورة ليست جامعة مانعة، وهي مفتوحة أمام الطعن، وتسع تذييلها بالتعرضات.
وفي الميدان جمعيات، وإن ظلت تحب أن تحسب نفسها أنها تقف في صف السكان المحتجين، ولا تجتهد يوما في استقصاء الخبر، فهي مدعوة لارتداء لباس المحايد الملتزم. وحتى إذا زاغ بعضها وظن بإمكانية الوقوف بجانب المتظاهرين طرفا مرافعا لفائدة قضايا السكان في الولوج إلى الحق في الأرض، تجد الطرف الزائغ لم تنجز تقريرا واحدا يحوي مجريات الأحداث. فكيف تخوض المعركة وأنت لم تستمع للطرفين، السلطة المحلية والقبائل التي تصف نفسها أنها من ذوي الحقوق في المجال منهل التوتر، نحو « قبيلة قصر امحاميد، وقبيلة قصر أولاد يوسف، وقبيلة قصر الطلحة بني امحمد، وقبيلة قصر الطلحة الشرفاء، وقبيلة قصر أولاد امحية، وقبيلة قصر ازناكة، والشياطمة، وأولاد ازبير، وقبيلة قصر بونو آيت علوان، وقبيلة قصر الركابي، وقبيلة قصر أولاد ادريس، وقبيلة قصر زاوية الهناء، وقبيلة آيت عيسى ابراهيم، وقبيلة المهازيل، وقبيلة انشاشدة، وقبيلة لمرابطين وقبيلة آيت انزار»؟ المرجع المذكور. وإنه بالاستماع للطرفين يحصل جني نتائج إيجابية يلزم تحليلها وإنجاز التحري فيها، وربما يسهل إعمال الوسط أو إخبار المحتجين باليقين من الخبر.
صحيح « أن أراضي الجماعات السلالية لا تزال، كما كانت، محل مزايدات سياسية واقتصادية واجتماعية من لدن من ينظرون إلى هذه الأراضي بمنطق الأموال، ويعتبرون أعضاء هاته الجماعات خزانا انتخابيا يستوجب الترافع من أجله ولو على حساب معاناة ذوي الحقوق من جماعات أخرى». لكن، وبموازاة ذلك، وجب طرح السؤال: هل السلطة لم تبلغ من الرشد ما يحفزها على تدبير المجال بما يضمن الحد الأدنى من الحقوق، وبما يضمن الاستقرار في المجال بسكون وسكوت وهدوء؟
قد يفاجئك بعضهم حينما ينبت بين المتظاهرين ليجرس بالأراجيف والأكاذيب، وما كان يليق بنا تعيين أولئك بمسمياتهم، ولكن وجب الالتفات إلى هؤلاء أن عليهم الاستحضار أنهم بشر يخدمون التاريخ. وقبل ذلك ليس للذي جثا أمام السلطة جثيا أن يزعم يومه، وبالباطل، أنه وسيط محايد. فالوساطة تقضي الحياد، وتبتغي الوقوف بثبات وبقامة مستوية لا تبدي انحناء ولا ركوعا، أمام القواد والباشوات. وإنه من المبالغة، بمكان، الاعتقاد بإقدام جهة ما و«بخطوات غير قانونية» لتطوع لها نفسها «الاستيلاء على أراضيها [أراضي القبائل] بشكل ممنهج ومفضوح» والسطو عليها بمباركة السلطة وتخطيطها «معلنة احتفاظها بحق الدفاع عن أراضيهم بكل الوسائل المشروعة»، المرجع المذكور.
ومادامت إمكانية التعرض واردة، وأن القبائل عازمة على أنها « ستقوم بـالتعرضات فيما يخوله لها القانون على أشغال عملية التحديد الإداري هاته، وستوظف المساطر الجاري بها العمل لتقويم الخلل مع تحميل المسؤولية لكل من تلاعب بهذا الملف«، كما ورد في المرجع المذكور، فإن المرافقة واجبة، والتأطير القانوني فرض.
ولئن كانت الخاتمة الجزئية للتوتر، متابعة شخصين أحدهما في حالة اعتقال والثاني في حالة سراح، ابتداء من 19/04/2022، فإن موضع امحاميد الغزلان كان ـ ولا يزال ـ يعيش على «صفيح ساخن، عقب صدور 6 مراسيم حكومية بالجريدة الرسمية عدد 7077 بتاريخ 18 مارس الماضي، تتعلق بتحديد تاریخ افتتاح عملية التحديد الإداري لعدد من العقارات»، يفصح كاتب مقال بموقع العمق المغربي يوم 14/04/2022.
إن دورة التوتر لم تنته بعد مادامت القبائل المتضررة، قد حذرت «من أن تتسبب هذه المراسيم في «إشعال حرب أهلية»، و«هجرات جماعية»». وأما المراسيم التي يتعلق أمرها، وفق المرجع المذكور، «بالعقار المسمى «واد لحصان اوریور»، و«المزوارية»، و«لكطيفة تیلحاتين»، و«زعير»، و«العراضة»، و«القرينيفة قطعة 1 و2»، فهي كلها عقارات تقع بالنفوذ الترابي لقيادة امحاميد الغزلان بدائرة زاكورة بإقليم زاكورة».
فما السبيل إلى الوساطة؟ وهل هناك من هو أهل للمهمة؟ لا أحد يبدو واقفا في الميدان رافعا شعار الوساطة لتهدئة الوضع قليلا.

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار