في أصول الحضارات: الكِلتيون (السِلتيون)

حسين محمود التلاوي
2022 / 7 / 5

الكِلت (أو السِلت) مجموعة من القبائل التي وفدت إلى إنجلترا في القرن الثامن قبل الميلاد، وبالتحديد عام 750 قبل الميلاد. اتسم أبناء تلك القبائل ببعض السمات البدنية المميزة التي لا تزال ظاهرة في سكان إنجلترا إلى اليوم، ومن بينها طول القامة والعيون الزرقاء والشعر الأشقر أو الأحمر، ويرجع إليهم أصول سكان مناطق مثل المرتفعات الأسكتلندية وويلز وأيرلندا وكورنوول.
وعلى الرغم من التأثير الكبير لتلك القبائل على التركيبة الجينية لسكان إنجلترا وكذلك على التخطيط العمراني للبلاد إلى الآن، فإن المعارف التي وصلتنا عن تلك القبائل وأحوالهم كانت قليلة للغاية. ولعل ذلك يرجع إلى عدم وجود لغة مكتوبة لهم؛ حيث كانت اللغة الكِلتية منطوقة فقط. ويرجع أصل الاسم إلى الكلمة اليونانية Keltoi والتي تعني "البربري" أو "الهمجي"؛ ومن ثم تنطق في الغالب "كِلت" وليس "سِلت".
والغريب أن كلمة "كِلت" لم تستخدم في المصادر التاريخية الإنجليزية قبل القرن الثامن عشر؛ حيث كانت الكلمة المستخدمة هي "بريطانيون"؛ وهي الوصف الذي أطلقه الرومان على سكان إنجلترا؛ ومن ثم فإن كلمة "كِلت" كلمة حديثة، وتطلق على كل القبائل البربرية التي عاشت في إنجلترا ابتداءً من القرن الثامن الميلادي حتى حكم الرومان عام 43 ميلادية؛ وهي الفترة التي تعرف في التاريخ الإنجليزي باسم "العصر الحديدي"؛ حيث بدأ استخدام الأدوات المعدنية الحديدية بدلًا من الأدوات المعدنية المصنوعة من البرونز والتي كانت سائدة قبل ذلك في عصر أطلق عليه "العصر البرونزي" نسبةً إلى معدن البرونز الذي كان هو المهيمن على كل الأدوات المعدنية في تلك الفترة.

الأصل المرجَّح
وتشير المصادر التاريخية إلى أن قبائل الكِلت جاءت إلى جنوب إنجلترا من وسط أوروبا أو جنوب روسيا. وتحركت ببطء إلى الجنوب الإنجليزي، وكانوا يجيدون التعامل مع الحديد؛ وهو ما أعطاهم الحديد ميزة كبيرة في القتال؛ إذ كانت أسلحتهم الحديدية عنصرًا فارقًا في تفوقهم على السكان الذين كانوا يعيشون في إنجلترا، واستطاع الكِلت أن يدفعوهم إلى الشمال؛ حيث ويلز، واسكتلندا، وأيرلندا واستوطن الكِلت المناطق الجنوبية من إنجلترا، وبعد الاستقرار الأول قدمت قبائل سلتية أخرى من أوروبا إلى إنجلترا، وكانت آخر القبائل وصولًا إلى إنجلترا هي قبائ البلجيك، واستقروا في الجنوب الشرقي، وعلى الأرجح دفعوا القبائل الكِلتية التي كانت تعيش في تلك المناطق إلى الشمال. وبوجه عام استمرت تلك الهجرات نحو ستمائة أو سبعمائة سنة.
لكن هناك خلافًا بين المؤرخين حول الكيفية التي استوطن بها الكِلت إنجلترا؛ فهناك من يرى أن القتال كان الوسيلة الرئيسية لنجاح الكِلت في استيطان إنجلترا، بينما يرى آخرون أن التجارة كانت العامل الأساسي؛ حيث كانت التجارة مزدهرة مع أوروبا في تلك الفترة التي تعرف في التاريخ بأنها فترة ازدهار، لكن ما إن بدأت التجارة مع أوروبا تتراجع في نهايات القرن السادس الميلادي وبدايات القرن الخامس حتى بدأت التمايزات تظهر بين الكِلت المستوطنين في الجنوب الشرقي وأخوانهم المستوطنين في الشمال الغربي.
وكان الكِلت ينقسمون إلى قبائل، ولكل قبيلة منها زعيم كان يأتي إما بمباراة مصارعة بين المرشحيْن أو بالانتخاب. وكانت الطبقة الحاكمة مكونة من المحاربين البارزين ورجال الدين، وكان أفراد تلك الطبقة يتحكمون في كل المراسم الدينية؛ حيث كان الكِلت وثنيين قبل أن يعتنقوا المسيحية عندما دخلت إلى إنجلترا في نهايات القرن الثالث الميلادي، وقبل أن تعتنقها الإمبراطورية الرومانية في أوائل القرن الرابع الميلادي.

مجتمع الكِلت
كان الكِلت قبائل استقرار؛ فكانوا يعيشون في أكواخ مستديرة يبنونها بأعمدة من الخشب، ويغطونها بالقش، ثم يلصقون القش بالطمي أو روث الحيوانات، أما الأسقف فكانت تأخذ شكل القمع. وقد ساعدتنهم أدواتهم الحديدية في تحسين تقنيات الزراعة واستصلاح الأراضي ذات التربة الأكثر كثافة وثقلًا.
وبقدر براعة الكِلت في الزراعة كانوا بارعين في القتال؛ حيث كانوا يستخدمون الأدوات المعدنية، ويطلون أجسادهم بطلاء أزرق، ويطلقون صرخات قتالية بأعلى صوتهم لإثارة الذعر في نفوس الأعداء. وكان النساء يلعبن دورًا بارزًا في حياة الكِلت القتالية؛ فعندما غزا الرومان إنجلترا عام 43 ميلادية، كانت اثنتان من قبائل الكِلت تحت قيادة امرأة. وكانت الشخصية الوحيدة التي قاومت الغزو الروماني للأراضي الإنجليزية هي زعيمة قبلية تدعى "بوديسيا" تولت زعامة قبيلتها بعد وفاة زوجها. وفي عام 61 ميلادية قادت قبيلتها لحرب الرومان، واستطاعت جيوشها أن تطرد الرومان خارج إنجلترا، وتدمر لندن عاصمتهم، قبل أن يعود الرومان بجيوشهم لتلقى الهزيمة وتقتل.

الكِلت والجرمان
وفيما بعد تعرض الكلت في إنجلترا لحملات من مهاجرين جدد جعلتهم يتراجعون، وهؤلاء المهاجرون الجدد كانوا قبائل جرمانية استطاعت أن تعبر القنال الإنجليزي قادمة من ألمانيا والمناطق المحيطة بها، وكانت أبرز تلك القبائل الأنجلو والساكسون واليوتيون؛ وهي القبائل التي يحمل الإنجليز للآن لقبها؛ حيث يلقبون بالأنجلو ساكسون، لكن بعض الباحثين يرون أن المسمى الأفضل هو الأنجلو كلتيين نظرًا إلى التأثير الكبير للكِلت في التركيبة الجينية للبريطانيين بشكل عام.
كذلك تعرض الكلت لضربة جديدة من خلال بداية غزو الفايكنج للسواحل الإنجليزية وإقامة ممالك لهم كان لها هي الأخرى تأثير كبير في الحياة الإنجليزيو لا يزال ممتدًّا للآن. ولكن رغم كل هذه الضربات ظل الكِلت فاعلين في الحياة الإنجليزية. إلا أن الغزو النورماني الفرنسي لإنجلترا عام 1066 وجه ضربة قوية للكِلت؛ حيث تفككت ممالكهم إلى حد كبير بهذا الغزو. ولكن رغم ذلك لا يمكن القول إن الثقافة الكِلتية قد انتهت؛ لأنها لا تزال لليوم تلعب دورًا كبيرًا في إنجلترا من خلال مسارات متعددة أبرزها التركيبة الجينية والتخطيط العمراني إلى جانب بعض المفردات اللغوية المستخدمة.

لمزيد من التفاصيل، انظر:
1. David McDowall, An Illustrated History of Britain, Longman, U. K., 26th Edition 2006, p p 7-9, 11, 17-18.
2. Pre-Historic Britain, Core Knowledge, p 21
3. Nicky Milner, The Prehistory of Britain and Ireland, The Journal of Island and Coastal Archaeology • April 2010

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار