الدولة الرومانية الجمهورية والإمبراطورية: إضاءات على الاقتصاد

حسين محمود التلاوي
2022 / 6 / 27

نحو عام 2000 قبل الميلاد، غزت شمال إيطاليا قبائل من وسط أوروبا، واستقروا في الشمال ذي البحيرات الوفيرة، وبنوا منازلهم وسط البحيرات على قوائم ترفعها فوق سطح الماء، وتقيها هجمات الحيوانات أو الأعداء من البشر.
بعد ذلك انتقلوا إلى الجنوب، وأسسوا فيها المستعمرات كذلك، وكانوا يمارسون الزراعة ورعي الأغنام وصناعة الأسلحة والأدوات الدقيقة مثل الأمواس والملاقط، وكانت المدينة الرئيسة لهم مدينة فيلانوفا في الشمال الإيطالي، وعُرِفُوا باسمها.
وفي عام 1000 قبل الميلاد عبرت مجموعة من المهاجرين الفيلانوفييين نهر التيبر في وسط إيطاليا، واستقروا في منطقة لاتيوم. وليس من المعلوم هل تغلبوا على أهل المنطقة أم أنهم تعايشوا معهم، وتزاوجوا منهم، لكن المحصلة النهائية أن هؤلاء المهاجرين استقروا في تلك المنطقة، وسرعان ما تنامنت فيها القرى الزراعية، واتحدت فيما بينها لتتحول إلى مجموعة من الدويلات التي راحت تتصارع فيما بينها. وكانت كبرى هذه المدن ألبا لونجا.
وبعد أن تزايد أعداد اللاتين — نسبة إلى مدينة لاتيوم — راحوا يتجهون إلى الشمال الغربي، واستقروا هناك ليؤسسوا مدينة أطلقوا عليها اسم روما. وكانت تلك المدينة تبعد نحو 20 ميلًا عن شاطئ البحر لكي تكون في مأمن من غارات القراصنة البحريين، لكنها كانت تقع على نهر التيبر وطريق بري يمتد من الشمال إلى الجنوب؛ مما جعلها تمثل مركزًا تجاريًّا لوقوعها بالقرب من طريقي تجارها؛ أحدهما نهري والآخر بري.
وتتداخل الحقيقة مع الأسطورة في تاريخ روما، لكن الثابت أن الحكم فيها بدأ ملكيًّا قبل أن ينقلب إلى حكم أسرات، وكان يسيطر عليها قوم يطلق عليهم "التسكانيون" أو "الأتروسكيون"، ولا يُعْرَفُ عنهم الكثير في التاريخ. لكن حكم التوسكانيين انتهى بعد ثورة ضد آخر ملوكهم؛ وهو تاركوين؛ وهي ثورة تتداخل فيها الحقيقة مع الأسطورة والخيال. وبعد أن هرب الملك، احتشد جماعة من الجنود ليختاروا بديلًا من الملك، لكنهم لم يختاروا ملكًا جديدًا، وإنما اختاروا شخصين لهما القدر نفسه من الصلاحيات، وأطلقوا على كل منهما لقب "القنصل"؛ بحيث يكون كل منهما رقيب على الآخر، ويستمر حكمهما لعام واحد. وكان ذلك في أواخر القرن السادس قبل الميلاد ليعلن تأسيس الجمهورية الرومانية عام 509 قبل الميلاد.
ورغم انتهاء حكم التوسكانيين في روما، فقد ظلت بصماتهم تطبع المعمار والعادات والتقاليد والكثير من جوانب الحياة في الجمهورية الرومانية الوليدة. وظل الحال هكذا في روما التي راحت تتوسع لتحتل معظم أجزاء إيطاليا التي كان اليونانيون يسيطرون عليها في عام 283 قبل الميلاد، حتى وصل حكم الرومان إلى شمال أفريقيا في قرطاجنة بعد هزيمتهم لـ"هانبيال" وإلى بلاد اليونان عام 146 قبل الميلاد.
ازداد حجم مدينة روما والمناطق التي تسيطر عليها؛ حيث بلغ عدد سكان روما عام 147 قبل الميلاد نحو مليون ومائة ألف نسمة، وعدد سكان إيطاليا نحو خمسة ملايين نسمة. ومع توسع الجمهورية الرومانية وازدياد حجمها بدأت أنظارها تتجه نحو مصر التي كان نجاح الرومان في احتلالها هو نهاية الجمهورية الرومانية وبداية الإمبراطورية الرومانية؛ حيث كانت الجمهورية الرومانية تئن تحت وطأة الخلافات التي نجمت عن اغتيال أحد أبرز الشخصيات الرومانية بل ربما أحد أبرز الشخصيات في التاريخ الإنساني عمومًا؛ وهو قيصر.
وبعد العديد من التطورات السياسية والميدانية انقسم الجيش الروماني بين اثنين من أبرز القواد؛ وهما "أوكتافيوس" و"ماركوس أنطونيوس" الذي تحالف مع "كليوباترا" آخر ملوك البطالمة في مصر ضد "أوكتافيوس" ليفوز بعرش روما، إلا أن "أوكتافيوس" حقق الانتصار في معركة أكتيوم البحرية عام 31 قبل الميلاد لينفرد بحكم روما، ويبدأ معها عصر الإمبراطورية الرومانية عام 30 قبل الميلاد؛ حيث منحه مجلس الشيوخ الروماني "أوكتافيوس" لقب "قنصل مدى الحياة"؛ فحاز السلطات نفسها التي كان يحوزها القناصل من قبله، لكنه كان يحملها مدى الحياة، كما حمل لقب "أغسطس" والذي يعني "الأعلى" إلى جانب لقب "إمبراطور" الذي يعني "الجنرال الناجح" ليكون القائد العام للقوات المسلحة في الدولة الرومانية، ويبدأ عصر الأباطرة.
استمرت الإمبراطورية الرومانية تحكم أجزاء كبيرة من العالم القديم، وصار البحر المتوسط بحرًا رومانيًّا إلى أن حدث الانقسام الكبير في الإمبراطورية على أساس إداري؛ حيث كان الإمبراطور "دقلديانوس" يعتقد أن تقسيم الإمبراطورية إلى قسمين سوف ينقذها من الاضطراب الذي وقعت فيه بعد وفاة "ماركوس أوريليوس"؛ فقسمها إلى قسمين؛ الأول في الشرق، والثاني في الغرب عام 285 ميلادية. لكنه كان مخطئًا؛ حيث أنشأ الإمبراطور قسطنطين (312-337) القسطنطينية لتكون عاصمة للقسم الشرقي في مقابل روما عاصمة القسم الغربي؛ فكان ذلك بداية للتقسيم الحقيقي للإمبراطورية.
وظل قسما الإمبراطورية مرتبطين اسميًّا فقط لكنهما منقسمين فعليًّا؛ فمثلًا كان من المفترض ألا يجري تعيين إمبراطور لأي من القسمين إلا بموافقة إمبراطور القسم الآخر، إلا أن هذا التقليد جرى إهماله منذ عام 395. وظل الحال هكذا إلى أن سقطت الإمبراطورية الرومانية الغربية عام 476 بعد اجتياح القبائل البربرية لها واحتلالهم روما على يد أودوفاكار الذي عين نفسه إمبراطورًا. أما الإمبراطورية الشرقية فقد سقطت عندما فتح العثمانيون القسطنطينية عام 1453.

الاقتصاد عامل قوة في الدولة الرومانية
بسطت الدولة الرومانية — بخاصة في زمن الإمبراطورية — سلطانها في ذورتها على مناطق واسعة من العالم القديم، وامتدت عبر القرون من العام 30 قبل الميلاد إلى العام 476 ميلادية. ومن الطبيعي أيضًا أن تولي الإمبراطورية اهتمامًا كبيرًا بالتجارة، وتسعى إلى تحسين مرافقها المختلفة.
عندما احتل الرومان مصر، استفادوا كثيرًا من إنجازات البطالمة بخاصة في النقل المائي سواءً النهري أو البحري؛ مثل نجاح أحد البحارة الإغريق في تحديد مواعيد الرياح الموسمية في البحر الأحمر، كذلك شق البطالمة قناة بطليموس محل قناة سنوسرت الثالث لتربط البحر الأحمر بالنيل. ساعد تحديد مواعيد الرياح الموسمية على تحديد مواعيد الملاحة في البحر الأحمر؛ فأصبحت مصر بذلك طريقًا للتجارة بين الشرق والغرب؛ حيث تصل البضائع من الهند إلى البحر الأحمر، ثم تنقل بواسطة قناة بطليموس إلى نهر النيل، ومنه إلى الإسكندرية.
ولما فقدت الموانئ العربية على البحر الأحمر أهميتها باكتشاف هذا الطريق الجديد، احتل الرومان بعضها مثل عدن وربما سقطرة، وبدأوا في استخدام تلك الموانئ كمحطات لسقيا السفن، واستراحات للبحارة، بالإضافة إلى نقاط حماية للسفن من القراصنة.

الخلاصة:
1. كانت القوة العسكرية العنصر الأساسي في نشأة الدولة الرومانية — جمهوريةً وإمبراطورية — واستمرارها طوال تلك الفترة الزمانية وعلى هذه المساحة المكانية.
2. أدت الخلافات السياسية والتقسيم الإداري في النهاية إلى تقسيم سياسي؛ ومن ثم المساعدة في انهيار الإمبراطورية ككل.
3. كان الاقتصاد عاملًا مهمًّا في تحركات الدولة الرومانية؛ فكان نتيجةً للتحركات العسكرية الهائلة للدولة الرومانية، كما كان فاعلًا في توفير الموارد اللازمة في تعزيز هذه التحركات في مراحل نمو الإمبراطورية وهمينتها.
للمزيد انظر:
1. باتريك لورو، الإمبراطورية الرومانية، ترجمة جورج كتوره، سلسلة نصوص، دار الكتاب الجديد المتحدة، لبنان، 2008، ص 40.
2. سيد أحمد علي الناصري، تاريخ الإمبراطورية الرومانية السياسي والحضاري، ط. 2، دار النهضة العربية، القاهرة، 1991، ص 468 – ص 484.
3. م. رستوفتزف، تاريخ الإمبراطورية الرومانية الاجتماعي والاقتصادي: الجزء الأول "المتن"، ترجمة: زكي علي، محمد سليم سالم، وزارة التربية والتعليم، القاهرة، 1957، ص 146.
4. وُل ديورانت، قصة الحضارة (قيصر والمسيح)، م. 5 ج. 9، ترجمة: محمد بدران، مكتبة الأسرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2001، ص 9- ص 39.

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان