المثقف الرقمي في العراق

سجاد رعد
2022 / 6 / 27

قبل الحديث عن المثقف الرقمي ودوره في العراق علينا أولاً، أن نحدد مفهوم المثقف الرقمي، وما المقصود به؟ وما هي أبرز سماته؟
في ظل التطورات التي يشهدها العالم في ميادين العلم المختلفة، وظهور المصطلحات والمفاهيم الجديدة والمعبرة عن هذه التطورات، التي يستطيع الإنسان من خلالها التعبير عن حاجته المرتبطة بهذا المجال أو ذلك، وكذلك القدرة على وصفها وتفسيرها. وبما أنَّ الثورة التي يشهدها العالم اليوم، هي ثورة رقمية بامتياز، فقد تم توليد المصطلحات الدالة على هذا التطور، والمرتبطة بمجالات معرفية وتقنية متعددة، منها الكاتب الرقمي والمؤلف الرقمي، ومنهم من عمل على ربط مصطلح (المثقف) بمصطلحات أخرى كالمثقف الشبكي أو المثقف السيبيري والمثقف الرقمي وغيرها من المقاربات الاصطلاحية التي غزت كل المجالات المعرفية والعلمية اليوم.
فقد عُرِّفَ الكاتب الرقمي على أنه "كل كاتب استخدم بدل الورق تقنية الرقم في تدوين كتاباته، وإخراجها للقراءة "(١). وعرّف أيضاً بأنه "منتج العمل الأدبي الرقمي بامتياز، أي النص الذي يبنى على النصية الترابطية "(٢).
وقد استحدثت زهور كرام مصطلح المؤلف الرقمي، وعرفته على أنه "الذي يؤلف النص الرقمي، مستثمراً وسائط التكنولوجيا الحديثة، ومنشغلاً بتقنية النص المترابط، موظفاً مختلف أشكال الوسائط المتعددة. وتضيف "أنه كاتب، عالم بثقافة المعلومات ولغة البرمجة المعلوماتية والتقنية الرقمية(٣).
أما المثقف الشبكي فيعرفه نديم المنصوري، في دراسة نشرت له في كتاب دور المثقف في التحولات التاريخية، عن طريق المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات، بعنوان "عن دور المثقف الشبكي في عصر المعلومات: ملاحظات وآفاق" بأنه مستخدم المنتج في الشبكة، والمؤثر في أفرادها، والمغني في محتواها"(٤).
أما المثقف السيبيري فيعرفه محمد أسلم "بأنه هو ذلك الذي يتصل يومياً بالشبكة، يجوب هذه القارة أو تلك، لاكتشافها فحسب، بل وكذلك ليترك فيها بصمات لمروره"(٥).
وأخيراً المثقف الرقمي فيعرفه حافظ هرُّوس بأنه "ذلك الفاعل الاجتماعي، المنتج للمعرفة والمنخرط بها، بقصد الوعي في قضايا مجتمعه، والعارج إلى العالم الرقمي، فكراً وممارسة، عن طريق ترقيم نتاجه الثقافي والمعرفي "أما سماته يقسمها على النحو الآتي: اولاً من النخبوية إلى التفاعلية، وتحدث عن سمة التفاعلية التي يتميز به الإعلام الرقمي، مقارنةً بالأساليب التقليدية التي يستخدمها المثقف النخبوي في نشر خطابه، الذي يعتمد به على إرسال المادة في وقت معين وتصل إلى القارئ في وقت آخر، زيادة على ذلك هو حدود هذا الخطاب التي تميز بالحدود الزمانية والمكانية، على العكس من المثقف الرقمي الذي يتمتع خطابه باللحظية والامتداد في الزمان والمكان، ثانياً من الخطية إلى اللاخطية، وهي إحدى سمات الإعلام الرقمي أيضاً، والتي تتيح المشاهدة الحية وتجعل المشاهد أمام الحدث. عكس الأساليب التقليدية التي تتميز بالجمود، في نقل النص أو الصورة فقط، بل تعدى الأمر إلى النص الرقمي المبني على إدماج خصائص رقمية متعددة في عرض النتاج الرقمي وإخراجه، مثل الروابط الإلكترونية والمقاطع الفيديوية والصوتية، فضلاً عن تقنية البث المباشر التي تجعل المشاهد في وسط الحدث. وثالثاً من الرقابة إلى الحرية، اي التخلص من شروط المؤسسات الإعلامية المجحفة، بشقيها العامة والخاصة، وكذلك الهيمنة الإعلامية المطلقة، والمعوقات التي اعترضت المثقف دوماً، وحددت من أدواره الاجتماعية، فالإعلام الرقمي يتيح لك فضاء واسع يتمتع بحرية شبه المطلقة، تدعوك للممارسة العمل الإصلاحي والتنويري والفكري والنقدي، في فضاء ٍخال ٍمن التقيُّد المؤسساتي(٦).
وبعد أن تعرفنا على المثقف الرقمي وسماته، يمكننا أن نتحدث عن المثقف الرقمي في العراق، ومتى برز؟ وما هي انتاجاته كونه فاعلاً اجتماعياً؟
سنحاول الإجابة عن هذه الأسئلة بصورة مختصرة...
إنَّ طبيعة المجتمع العراقي وكما أسلفنا سابقاً، تنفر من التجديد والتغير المفاجئ الذي يطرأ على الحياة العامة، بما فيها السياسية والاجتماعية والثقافية، وينسجم مع الأشياء المستحدثة والدخيلة عليه ببطء شديد، وهذا ما جعل العراق آخر من يتأثر بالنهضة العربية. وكذلك الأمر نفسه مع التطور التكنولوجي الذي جاء نتيجة عصر الحداثة وما بعدها. فتراه يتخوف من الأمور في البداية لكنه سيستقبلها لاحقا، وهذ ما نودُّ التوصل إليه من خلال هذا المطلب.
فبعد إن اجتاحت وسائل الإعلام والتواصل العالم أجمعه في نهاية القرن العشرين، ووصولاً لما هي عليه اليوم، وما يطرأ عليها من تطور هائل، لا يزال هناك الكثير من فئات المجتمع العراقي، لا تتعامل مع هذه المنتجات، على الرغم من أنها أصبحت جزءً لا يتجزأ من الحياة العامة. فقد كشفت دراسة حديثة أجراها المركز الرقمي في العراق لعام 2019، عن ارتفاع عدد مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي (فيس بوك، تويتر، انستغرام، وغيرها من المواقع) في العراق. والملفت في الأمر إن التقارير بينت إن عدد من يستخدم هذه المواقع من خلال أجهزة الهاتف المحمول بلغ 18 مليوناً بزيادة مليون فقط عن العام الماضي(٧).
وتؤكد لنا هذا الدراسة، مدى استقبال المجتمع العراقي لهذه التقنيات الحديثة في القرن الواحد والعشرين، لذا من الصعوبة تحديد ملامح المثقف الرقمي في ظل هذه الأزمة التي يعاني منها المجتمع العراقي بصورة عامة، خوفاً منه على القيم والمبادئ والتقاليد من الانحراف أو الموت. أما عن الجيل الجديد الذي ولّد مع ولادة هذه الوسائل فهو الوحيد الذي نجى من هذه التبعات التي لم تستطع أن تحدد تفكيره، كما فعلت مع الجيل الذي سبقه.
ففي العراق برز جيل جديد من المثقفين يمتلك وعياً جديداً وفكراً متنوراً وأساليباً جديدة للإبداع، يستطيع من خلالها مواكبة التطور والتحولات الجديدة، التي اتاحتها التحولات والتغيرات البنيوية، وما أفرزته العولمة والحداثة وما بعد الحداثة، ولا سيما عن طريق وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعية الحديثة، التي أنتجت حراكاً ثقافياً جديداً، أخذ يشق طريقه وسط الفوضى والركام نحو اتجاهات مختلفة، محاولاً إعادة الحركة الثقافية الجادة إلى المسار الجديد(٨).
فقط أسقط عصر الميديا الحديثة، احتكار السلطات السياسية الحكومية لوسائل الإعلام والنشر والدعاية مما أفقدها واحداً من أهم أسلحتها في الهيمنة، مانحاً الخطاب المضاد فرصته التاريخية لمعارضة فعالة، موفراً موقعاً أكثر حيوية للمثقف في الفضاء الاجتماعي(٩).
وبات الإعلام الرقمي اليوم يشكل خطراً بالغ الأهمية للسلطة ووسائل إعلامها، لما أتاحته هذه الوسائل من سمات مختلفة للمثقف من ممارسة دوره في هذا الفضاء، وهذا ما صنع المثقف الرقمي في العراق، والذي يختلف عن المثقف النخبوي، الذي خرج من عباءة النخب الثقافية، التي إذا أردنا التحدث عن تأريخها لوجدنا أننا أمما مجموعة من الشكوك والأوهام التي ستوجهنا؛ بسبب إن هذه النخب لم تصنع مثقفاً نقدياً تنويرياً، بقدر ما صنعت الأيديولوجيات وبثها والترويج لها ودعوة الآخرين للالتفاف حولها، ولعل ما تكلمنا به الآن هو نتيجة لما تعرضت له هذه النخب من تفكيك قاسٍ في عهد النظام السابق، جعلها تعطي انطباعاً سلبياً عن المثقف وصورته داخل المجتمع. فالمثقف الفاعل اليوم هو المثقف الذي كف عن الادعاء بأنه صاحب الحقيقة المطلقة، وانه يمتلك كل شيء، لأنه ببساطة لا يمتلك شيئاً، وهذا ما جعله قادراً على تحريك الرأي العام وصناعته، الذي تزايد في الأعوام الأخيرة من تاريخ العراق وصولاً، لثورة تشرين التي حدث نهاية عام 2019، وما صنعه المثقف الرقمي من خلالها. حيث اضطرت السلطة السياسية في العراق إلى حجب مواقع التواصل الاجتماعي، لفترة طويلة، كممارسة قمعية لإخماد نار الثورة.
فالمثقف الرقمي في العراق، هو رجل الشارع أو هو المُدَوِّن أو البطل الرقمي أو الكائن الذي يهجس بعلامات مغايرة تماماً، حتى في لغته. وربما هو العاطل عن العمل، أو المهمش من قبل الحكومات، ذلك الذي لا شأن له بالعضوية الغرامشية، ولا بالهوية الجماعوية، وقد يكون هو الأقرب الى دنيوية ادوارد سعيد، حيث الرغبة العميقة للعيش في التفاصيل، وفي صناعة الأسئلة التي تمس الوجود وتهجس الأخطار(١٠).

____________
(١) أسليم، محمد "مفهوم الكاتب الرقمي" (موقع وزارة الثقافة والشباب، قطاع ثقافة المملكة المغربية
https://www.minculture.gov.ma/?p=3504
(٢)يقضين، سعد "النص المترابط ومستقبل الثقافة العربية: نحو كتابة عربية رقمية" (المغرب: المركز الثقافي العربي، 2008) ص: 199.
(٣)كرام، زهور" الأدب الرقمي: أسئلة ثقافية وتأملات مفاهيمية" (المغرب: دار الأمان، ط2، 2013) ص: 34.
(٤)مجموعة مؤلفين "دور المثقف في التحولات التاريخية" المصدر سابق، ص: 541.
(٥)أسليم، محمد "المشهد الثقافي العربي في الأنترنيت: قراءة أولية" (موقع محمد أسلم، 2012)
http://www.aslim.ma/site/articles.php?action=view&id=16
(٦)أنظر: هروس، حفيظ "المثقف العربي الرقمي رائد الحراك الثقافي والعربي الرقمي: دراسة في السمات والادوار" (قطر، مجلة قلمون، العدد الخامس، نيسان/ابريل/2018).
(٧) موقع كتابات، 50% من العراقيين يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي،23/ابريل/2019 https://kitabat.com/news/50-%
(٨)الحيدري، إبراهيم، "الشخصية العراقية: مرحلة ما بعد السقوط وتشوهات الشخصية" مصدر السابق، ص: 285.
(٩)رحيم، سعد محمد "المثقف الذي يدس أنفه" المصدر سابق، ص: 186.
(١٠)الفواز، علي حسن "المحنة العراقية: واسئلة المثقف التظاهري" (موقع القدس العربي، 17/نوفمبر/2019)
https://www.alquds.co.uk

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان