حزب رأس المال الفاشي الشمولي

مصعب قاسم عزاوي
2022 / 6 / 27

حوار أجراه فريق دار الأكاديمية للطباعة والنشر والتوزيع في لندن مع مصعب قاسم عزاوي.

فريق دار الأكاديمية: قمت بتوصيف الاقتصاد الرأسمالي المعولم في الحقبة الراهنة بأنه نقيض للديموقراطية وصنو للفاشية والشمولية، فهل يمكن لك توضيح وجهة نظرك بذلك الصدد؟

مصعب قاسم عزاوي: الديموقراطية الأصيلة تقتضي تمكن المتشاركين في أي مجتمع من المشاركة الفعلية في رسم سياسات وتوجهات ذلك المجتمع بشكل يتجاوز كونهم متفرجين على ما يتم اختياره لهم من قبل فئات محدودة في المجتمع تهيمن على مصادر السلطة والثروة والإعلام في ذاك المجتمع.
وتقوم النظم السياسية التي تشكل جزءاً عضوياً من منظومة الاقتصاد الرأسمالي المعولم الكونية، سواء كانت تتبع نهج الليبرالية المستحدثة بشكلها البربري المتوحش على طريقة أبناء العم سام، أو على طريقة ونهج اقتصاد السوق الاشتراكي الذي هو بالفعل رأسمالية دولة أمنية تدمج بين كل خبائث قمع الدول الشمولية واشتراطات السوق الوحشية التي لا قيمة فيها سوى لما يمكن تسليعه وبيعه وشراؤه فيها مثلما هو قائم في نهج الاشتراكية الخلبية على الطريقة الصينية المعاصرة؛ على أساس عماده أن جميع البنى الشكلية التي يمكن أن تفضي إلى الدخول إلى أي من أقنية ومسارب الحل والعقد في أي من المجتمعات لا بد أن تصب في المآل الأخير في مصلحة استدامة هيمنة الفئات المتحكمة بمصادر الثروة والسلطة في المجتمع، وتمنع دخول أي من الأفراد أو التنظيمات المرتبطة بمن يقع عليهم فعل الهيمنة إلى دهاليز صناعة القرار والتحكم بمفاتيح الحل والعقد فيه.
وذلك التوصيف الأخير يعني من الناحية العملية العيانية المشخصة أن كل البنى الديموقراطية الشكلية في تلك النظم السياسية مصممة بشكل يضمن عدم حدوث أي تسرب حقيقي من ثغورها لأي ما قد يُحدث تغييراً في موازين القوى وهيمنة الفئات المتحكمة في مصادر الثروة والسلطة والإعلام في المجتمع، وهو ما يعني أن ترتيبات الانتخابات الشكلية سواء على شكل الديموقراطية الشعبية الخلبية مثلما كان قائماً في دول حلف وارسو سالفاً، وفي الصين حتى اللحظة الراهنة، ومن لف لفها من نظم رأسماليات الدول الأمنية، وحتى في دول الديموقراطيات البرلمانية الشكلية لا بد أن تفضي إلى تصعد ممثلين سياسيين يتم انتقاؤهم بعناية وتسويقهم وتلميعهم إعلامياً ودعائياً في أقنية الإعلام التي تسيطر عليها نفس الفئات المهيمنة على مصادر السلطة والثروة السالفة الذكر، وبحيث يعرف كل من أولئك المنتخبين بأنه صنيعة أولياء أمره ونعمته الذي يتوجب عليه خدمتهم والسهر على مصالحهم لا مصالح الذين تم انتخابه من أجلهم شكلياً، وهم الذين ليس لهم سوى دور المصادقة على ما تم اختياره من قِبل الفئات المهيمنة سلفاً، والتي وفق معايير اللعبة الديموقراطية الشكلية لا بد أن تتيح لجحافل المهيمن على حيواتهم ومستقبلهم وقوتهم فرصة الاختيار بين نماذج من المرشحين الاختلافات واهية فيما بينهم بأي اعتبار، ويجمعهم جميعاً بأنهم منتجات من رحم الفئات المهيمنة اختياراً وتدريباً وتسويقاً وتعليماً ورعاية وحماية.
وقد تكون نظرية توماس فيرجسون التي دعاها «نظرية الاستثمار السياسي» الأطروحة الأكثر تبسيطاً للواقع المهيمن على نهج عمل الديموقراطيات الشكلية السارية في نهج الاقتصاد العالمي المعولم بشكله الليبرالي المستحدث، والتي تقوم على أساس أن من يمتلك الثروة من أصحاب رأس المال سوف يتلاقون ويتجمعون مع بعضهم حول مصالحهم المشتركة التي تتعلق بتعظيم رأس مالهم، وهو الذي لا يمكن أن يتم إلا من خلال «استثمارهم في السياسة» ممثلاً بتحويل قوتهم الجمعية الرأسمالية إلى قوة سياسية ضاغطة تعبر عن نفسها بكتلة أو جسم سياسي يمكن أن يتعضى لاحقاً إلى حزب سياسي يعبر عن مصالح تلك الفئة، ويدفع إلى تحقيق أهدافها الجوهرية والمتمثلة دائماً بتعزيز رأسمالها وحصتها من الثروة في المجتمع الموجودة فيه.
ولأن توجهات أصحاب رأس المال تتفق دائماً على هدف تعزيز أرباحها بأقصر الآجال، ولكنها لا تتفق دائماً على النهج الذي لا بد أن يتم به ذلك، فإن ذلك لا بد أن يؤدي في المقام الأخير إلى تشكل تجمعات من أصحاب رأس المال، يختلفون في رؤيتهم لطريق تحقيق أهدافهم من «الاستثمار في السياسة»، من قبيل أن تكون هناك مجموعات تميل إلى تسهيل إمكانيات التجارة الدولية على المستوى الكوني، ومجموعات تميل إلى زيادة فرصها الاستثمارية في السوق المحلية، وهوامش أرباحها على حساب تقليص حقوق الطبقة العاملة في سوق عمل بعينها دون غيرها، وهو ما سوف ينعكس في وجود أطياف مختلفة من التمظهرات السياسية لاستثمار أصحاب رأس المال في السياسة، وهو ما قد يفصح عن نفسه في الديموقراطيات الشكلية القائمة في الغرب بالشكل الأكثر شيوعاً لممارسة السياسة والمتمثل بحزبين يتنافسان على السلطة في المجتمع كما هو الحال بين الديموقراطيين والجمهوريين في الولايات المتحدة، وبين حزب المحافظين وحزب العمال في بريطانيا، وبين الحزب الاشتراكي والديغوليين اليمنيين في فرنسا، والحزب الديموقراطي المسيحي والحزب الاشتراكي في ألمانيا، وجميعها فعلياً أحزاب يتبع ممثلوها السياسيين إلى حزب واحد هو حزب أصحاب رأس المال، والفئات المهيمنة على مصادر الثروة والإعلام في المجتمع، والتي تسعى من خلال تمويل الحملات الانتخابية وتلميع أولئك الممثلين السياسيين لتصعيدهم إلى الواجهة السياسية، ومن ثم فرزهم بين هذا الفصيل أو ذاك من «حزب رأس المال الواحد»، بحيث يكون كل فصيل تحت مسمى ظاهري له سواء كان حزباً ديموقراطيا أو جمهورياً أو ما كان على شاكلة ذلك، وبحيث يعبر الفصيلان عن توجهات مختلفة ضمن ذاك الحزب الواحد أي «حزب رأس المال»، وبحيث يتم اختزال العملية الديموقراطية إلى تنافس بين فصيلي أو فصائل الحزب الواحد على كيفية تعظيم واستدامة هيمنة الأثرياء الأقوياء على مصادر الثروة في المجتمع، وتوسعتها لتشمل السلطة السياسية أيضاً، وما يرتبط بالاثنتين من صناعة للمعرفة ممثلة بوسائل الإعلام.
ومن الطريف إيراد مثال عياني مشخص على نظرية الاستثمار في السياسة تتمثل في أن معرفة الحزب الفائز في الانتخابات الرئاسية أو التشريعية في الولايات المتحدة كمثال لا يحتاج إلى أكثر من معرفة الحزب الذي صرف أكثر على حملاته الانتخابية، أو بتعبير آخر عن مستوى استثمار الأغنياء الأثرياء في سياسة هذا الفصيل أو ذاك من «حزب رأس المال الواحد»، وهي قاعدة لم تشذ عنها أي من انتخابات الولايات المتحدة في تاريخها الذي تجاوز القرنين من الزمان، وهي صالحة بدرجة كبيرة في جميع معاقل الرأسمالية المعولمة بصورتها البربرية المتوحشة، سواء في بريطانيا أو فرنسا أو ألمانيا وحتى اليابان في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
ومن ناحية أخرى فإن الإشارة إلى أن نمط الاقتصاد الرأسمالي المعولم بصورته الليبرالية المستحدثة البربرية المتوحشة ينطوي على بعد فاشي هو توصيف يستقي بعده الفكري من مدلول الفاشية الجوهري الذي يتمثل في نمط اقتصادي ممنهج مركزياً يقوم على أن الدولة تقوم بتوزيع الأدوار الإنتاجية بين الشركات والمؤسسات الكبرى المهيمنة على مفاتيح الحل و العقد في المجتمع، وتقوم بالسهر على حفظ ذلك التوازن قانونياً بشكل حديدي غير قابل للخرق؛ وهو الشكل الذي تتعضى فيه هيمنة الشركات والمؤسسات الرأسمالية الكبرى، والتي أصبح جلها في عصر العولمة عابراً للقارات، على نهج الإدارة الفاشي التقليدي الذي تسري فيه الأوامر الإدارية والتنفيذية من قمة الهرم الإداري إلى قاعدته، ويتم فيه رسم الاستراتيجيات الإنتاجية والتوزيعية من الأعلى إلى الأدنى، بحيث يقبع في الأعلى أصحاب رأس المال والمالكون لتلك المؤسسات، وفي الأدنى الرتب المختلفة من المدراء والموظفين الذين ليس لهم خيار سوى تلقي الأوامر وتنفيذها وإلا كان مآلهم الصرف من حظوة «تأجير قوة عملهم وأنفسهم لساعات محدودة كل يوم»، وهو ما يعني طردهم من جسم الآلة الرأسمالية الفاشي، والذي يسهر الجسم السياسي والذي هو بالأساس ناتج عن استثمار الأغنياء الأقوياء في السياسة على الحفاظ على ذلك التوازن واستدامته وتوطيده كجزء من طبائع الحياة وعلائقها، بحيث يمنع ذلك كل «نفس أمارة بالانعتاق» من التفكر في ذلك، وبحيث يتم اختزال الديموقراطية إلى الحرية في الاختيار من بين الساسة المختارين بعناية ليعبروا عن المصالح غير المتطابقة كلياً بين فصائل «حزب رأس المال»، والقيمين عليه من «الأثرياء الأقوياء»، والفئات المهيمنة على مصادر الثروة والإعلام في المجتمع؛ بالتوازي مع اختزال الحرية التي يتمتع بها الفرد في ذلك النسق الفاشي لنمط وعلاقات الإنتاج في المجتمع، في حرية اختيار من سوف يقوم بتأجير نفسه له، هذا إن لم يكن مرغماً على قبول أي عرض له إذا كان مهدداً بالجوع والمرض المحدقين به وبمن يعولهم، والحرية التكميلية في صرف الأجر الذي يتقاضاه لقاء تأجير نفسه في اقتصاد السوق في شراء ما يتم عرضه في ذلك السوق من نتاج نمط الإنتاج الرأسمالي الفاشي السالف التوصيف.
وتوصيف الشمولية على بنيان ووظيفية اقتصاد الرأسمالية المعولم بصورته الليبرالية المستحدثة البربرية المتوحشة توصيف ينطلق أساساً من مقارنة آلية عمل نمط الاقتصاد الرأسمالي المعولم مع آلية عمل النظم الشمولية التي تقوم بالتخطيط على نطاق كبير يشمل كل المفاصل الاقتصادية في المجتمع، وبحيث يتم تعديل بنيان وآلية عمل أي حيز اقتصادي في المجتمع بشكل يتسق مع زيادة إنتاجية وربحية جميع الأحياز الاقتصادية الأخرى في آن معاً، وهو ما يتم راهناً في نظام «اشتراكية السوق» الشمولي بامتياز في منظومة الدولة الأمنية الصينية المعاصرة. وناتج المقارنة لا بد أن يكون ملفتاً للنظر بشكل مثير للانتباه، إذ أن الشركات العابرة للقارات، والتي ما فتئت تندمج فيما بينها بتسارع مهول خلال العقود الأربعة الأخيرة، والتي مثلت حقبة صعود نهج الليبرالية المستحدثة بشكلها البربري الوحشي، بحيث أصبحت مجموعة قليلة من الشركات العملاقة تسيطر على الرهط الأكبر من أي حيز اقتصادي بعينه على المستوى الكوني. والأمثلة على ذلك عصية على الحصر، قد يكون أكثرها بروزاً تحكم مجموعة قليلة من الشركات العابرة للقارات بإنتاج وتوزيع وبرمجيات الهواتف النقالة المحصور بشكل شبه كلي بين شركتي آبل وغوغل، وكذلك صناعة الإعلان على المستوى الكوني التي أصبح أكثر من 80% منها محصوراً بشركتي غوغل وفيسبوك، وبرمجيات الحواسب المحمولة المحصورة تقريباً بشركة مايكروسوفت، ومنظومة الاقتصاد المالي والعالمي، وخاصة المصارف التي تعمل كمصارف للاستدانة منها بالجملة من قبل مصارف ودول أخرى، والتي تنحصر في عدد محدود من كبرى المؤسسات المالية العالمية مثل سيتي بانك، وغولد مان ساكس، وجي بي مورغان، ودويتشه بانك، ومن لف لفها من استطالات أخطبوطية لتلك المؤسسات.
ونفس التوصيف الأخير يسري بشكل شبه مطلق على الشركات المتحكمة بتوزيع وتصدير النفط على المستوى الكوني، وخاصة شركات إكسون موبيل، وبي بي، و شل، وهي جميعها شركات فاشية بامتياز تقوم بالتخطيط لكل صغيرة وكبيرة تتعلق بإنتاجها، أو ما يمكن أن تؤثر عليه على المستوى الكوني، وتقوم بذلك التخطيط بشكل مجهري مبئر، وبشكل يشمل جميع أرجاء المعمورة التي تتغول عليها، وبحيث يمكنها من خلال عملية التخطيط تلك القفز فوق كل قوانين «اقتصاد السوق الحر» و«التجارة الحرة» التي لا تسري إلا على الضعفاء، ولا تسري على «سادة النظام الاقتصادي الكوني»، وشركاتهم العابرة للقارات التي من خلال هيمنتها الكليانية على الجزء الأكبر من أحياز الاقتصاد الكوني يمكنها تحديد شروط تجاراتها ومعدل ربحيتها سلفاً قبل البدء بالتجارة فعلياً في أي ميدان، مع قدرتها على تعطيل التجارة على المستوى العالمي إن لم يرق لها أي من الشروط المتاحة في أي مجتمع تتسيد فيه، كما كان في حالة قرار فيسبوك بإغلاق كل منصاته الإخبارية في أستراليا للتعبير عن رفضه للقوانين المحلية التي تم اجتراحها لإلزام فيسبوك بسداد عوائد مالية للمؤسسات الإعلامية المحلية الصغرى التي كان يسرق نتاجها جهاراً نهاراً، ويقدمها على أنها من نتاج فيسبوك مستورداً من أطراف ثالثة، وبشكل يزيد من هيمنته الإعلامية على حساب الشركات الصغرى، وخاصة من خلال تحوله لأن يصبح المدخل لما يتلقاه المتلقي الاعتيادي على المستوى العالمي من أخبار، وأداة الترشيح الخبيثة والحاذقة لما يمكن أن يمر من مرشحاتها ويتناسب مع أهدافها الشمولية الكبرى والصغرى في جميع الأحوال. وجدير بالإشارة إلى أن البرلمان الأسترالي رضخ بالمآل الأخير إلى متطلبات شركة فيسبوك، وتراجع عن تشريعاته السابقة، ليفسح المجال من جديد لشركة فيسبوك بالعودة إلى ممارساتها الشمولية، والتي أصبحت أكبر حجماً وأكبر قدرة تأثيرية من برلمانات الديموقراطيات الشكلية إن فكرت بالسعي حتى لو قليلاً للحفاظ على ديمومة الاقتصاد المحلي من خلال حماية المؤسسات الصغرى والمتوسطة في مجتمعاتها، والتي هي عماد الجبايات الضريبية التي تمول منها الحفاظ على استقرار بنيان تلك المجتمعات الشكلي، واستمرار قدرتها على إعادة إنتاج نفسها ووجودها، والذي يمثل منهل الثروات المتعاظمة للشركات العابرة للقارات خاصة وأن أياً من تلك الشركات الكبرى والعابرة للقارات لا يدفع أي جبايات ضريبية في بلد مقرها الرئيسي أو الفرعي، في شكل فريد لتمظهر «البنية الشمولية الفائقة للعادة» في كل من تلك الشركات، والتي تمكنها من التخطيط المجهري لآلية تهربها من سداد أي جبايات ضريبية في أي من الدول التي تتحصل على أرباحها منها من خلال حذلقات قانونية ومحاسبية، وترتيبات «غض النظر» التي يقوم بها الساسة التي قامت بتصنيعهم والاستثمار سياسياً في تخليقهم، وبحيث تتمكن في المآل الأخير من تعظيم أرباحها ومدى هيمنتها الشمولية دون أي مساهمة منها في الحفاظ على عيوشية المجتمعات التي تمتص أرباحها منها، وتكون ثروتها على حسابها وحساب معاناة أبنائها وتدهور مستوى حيواتهم بشكل مضطرد وبدرجات مختلفة على المستوى الكوني.

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان