قوى التغيير والوضع الراهن في العراق

ماجد فيادي
2022 / 6 / 27

عرض لندوة حوارية اقامتها منظمة الحزب الشيوعي العراقي في المانيا، قدمها الرفيق رشيد غويلب بعنوان "قوى التغيير والوضع الراهن في العراق"
عرض ماجد فيادي
تقف قوى التغيير في العراق امام حاجة ماسة لمراجعة جذرية لخطابها السياسي ونشاطها الجماهيري وسياساتها المعلنة، كي تكون قادرة على تحشيد الجماهير، وقيادتها في أوقات المنعطفات السياسية، التي أصبحت متكررة وضاغطة، وقد لا تعطي متسع من الوقت، اذا ما استمر التباطؤ في اجراء التقييمات والتغييرات المطلوبة في ادائها للوصول الى هدف "التغيير الشامل".
يطرح الرفيق غويلب في بداية الندوة سؤالاً يراه مدخلا للحوار، "لماذا التغيير الشامل"، واذا ما ربطنا هذا السؤال بطروحات العديد من العراقيين المهتمين بالشأن السياسي، فانهم يرون ان هذا الشعار يتطلب قدرات تعبوية وجماهيرية، لم ترتق قوى التغيير بأدواتها لتحقيقه بعد. لكن الرفيق يرى ان الانتقال من مشروع الإصلاح، الذي لم يثمر شيء ملموس ومؤثر منذ تبنيه، تحول شعار التغيير من خيار الى ضرورة.
ويكمل أن التحول في موقف الجمهور العراقي جاء على شكل مراحل، بدءً من تفاقم ضغط الإرهاب، الذي وجد موضع قدم بعد سياسات الخطاب الطائفي القومي، وتفشي الفساد بين الأحزاب الحاكمة، وانتشار البطالة، وتردي الخدمات. منذ عام 2009 انطلقت في العراق احتجاجات مطلبية وسياسة متنوعة، شكلت احتجاجات 25 شباط 2011 محطة مهمة فيها، لأنها امتازت بطابعها الوطني الديمقراطي، ووصل مسار الحركة الاحتجاجية ذروته في احتجاجات آب 2015، التي اثارت مخاوف المتنفذين، فعملوا على احتوائها. في البداية فشلت منظمات اسلاموية لا تمتلك رصيد جماهيري كبير في تحقيق ذلك، بعدها نجح التيار الصدري في الدخول على خط الحركة الاحتجاجية، وتمكن من تغيير مساراتها، وصولا الى اندلاع انتفاضة تشرين الأول 2019، التي كانت انفجار جماهيري، اكبر من قدرات الجميع.
وفي نفس السياق يرى ان قوى التغيير الشامل، وان استندت في تحريك الجماهير الى خطأ سياسات الأحزاب الحاكمة، فإن معوقات موضوعية وذاتية حالت دون تحقيقها للإصلاح كخطوة سابقة. وفي الحديث عن المعوقات الموضوعية، يقول الرفيق غويلب، أن تناولها جرى في مناسبات عديدة، وتوصلنا ان الحد من تأثيراتها السلبية غير خاضع لإرادة قوى التغيير في المرحلة الحالية، من هنا فإن ندوة اليوم تركز على المعوقات الذاتية، بهدف تقليل وطئتها والتعريف بأغلبها، خاصة واننا قادرون على ذلك. ومن المهم أن نركز البحث في تلك المعوقات ليس بهدف التقليل من شأن وجهود قوى التغيير، وحجم الصعوبات التي تواجهها، خاصة العاملين على ارض الوطن.
قسم الرفيق رشيد غويلب قوى التغيير الى قوى منظمة لها رؤية فكرية واضحة، وأخرى ناشئة خرجت من معطف انتفاضة تشرين 2019، تتوزع بين وطنية حقيقية، وأخرى كارتونية تابعة للأحزاب الحاكمة ودول الإقليم ودول كبرى. وحتى لا نصل الى نفس النتيجة من عدم النجاح في إحداث الإصلاح، لا بد من الاعتراف بالواقع، أن آليات وأدوات قوى التغيير لم تكن كافية لتحقيق نتائج ملموسة في المواجهة مع الأحزاب الحاكمة، وان العمق الحقيقي لها، يتواجد في طبقات وشرائح وفئات واسعة من المتضررين الحالمين بحياة كريمة. ثم يكمل: ويندرج تحت مسميات قوى التغيير الشامل، منظمات مجتمع مدني منها نقابية وطلابية ونسوية، تتفاوت في طبيعتها وتعمل في وسط محدود جماهيريا، ما يجعل تفعيل ادائها من المهام الأساسية لقوى التغيير (اضيف على كلام الرفيق: أن المنظمات المدنية لا تزال تعاني من قوانين بريمر وسلطة الأحزاب الحاكمة في افراغها من محتواها الحقيقي، بالهيمنة على اداراتها، وسهولة اتهامها بالعمالة، لإضعاف دورها المدني، حتى تصبح مشلولة وغير قادرة على استنهاض جمهورها في المواقف الوطنية الهامة).
ثم يضيف الرفيق غويلب: تشارك منظمات المجتمع المدني قوى حزبية منظمة متنوعة، لم تنجح هي الأخرى في ان تشكل عامل ضغط على الأحزاب الحاكمة. ما يطرح أهمية الاعتراف بعدم قدرة سياساتها المتبعة، على كسب تأييد الجماهير، وقيادتها لإحداث المنعطفات الهامة.
في اتفاق واضح بين الرفيق غويلب وجمهور الندوة، أشاروا الى ضعف امتداد التنظيمات السياسية الوطنية بين الجماهير، نتيجة لضعف الخطاب والهيكلية والادوات. هنا يؤكد غويلب، إن هذا يستدعي الاعتماد واستنهاض القيادات الشابة، والابتعاد عن تقديم الحجج، انهم لا يمتلكون الخبرة، ولا يغيب عن البال ضرورة التغيير في الهيكلية التنظيمية، لكي تكون قريبة من جوهر فكرة التغيير الشامل ومن أسلوب الحياة الجديد لأجيال ما بعد العام 2003. كما لا يمكن للتنظيمات الحزبية ان تنجح بدون ان تركن لخطاب سياسي ثابت وسهل الفهم ومباشر للجمهور، تتبناه لفترات طويلة، بغض النظر عما تلاقيه من معوقات، بسبب ضغط العوامل الموضوعية التي أشرنا لها، وان تعمل بالصبر وتراكم النتائج وترسيخها في ضمير الجمهور، ولا تجزع من قدرة الأحزاب الحاكمة ودول الإقليم والعالم في عرقلتها بكل مواجهة، في رسم شكل الدولة التي نريدها. واذا اردت ان اضيف ككاتب للعرض فإن الجهات الكارتونية التي دخلت الانتفاضة، قد عملت بشكل سلبي، ونجحوا في حرف مسيرها ومزاج الجماهير، وادخلوا الفعل الاحتجاجي في موجات بعيدة عن السلمية التي أرادها الجمهور الواسع والمستفيد الأكبر من شعار الاصلاح، ما يفرض على قوى التغيير ان تبتعد عن تلك التشكيلات الكارتونية مستقبلا، لانعدام الثقة بها، ولا يكون العمل معها سببا في ابتعاد الشبيبة من خطاب وفعاليات قوى التغيير.
في نقد موضوعي وتساؤلات طرحت خلال الندوة، ان المجهود الذي بذل من قبل أحزاب ومنظمات وشخصيات وطنية، لتأسيس التيار الديمقراطي، كان مهما جدا، لكنه لم يثمر عن اصلاح او قيادة للجماهير؟ يجيب غويلب ان التيار الديمقراطي بكل مكوناته، وقع في فخ العمل النخبوي ومزاجيات بعض رموزه، بالإضافة الى ابتعاده عن الجماهير، كفعاليات جماهيرية تقرب وجهات النظر وتقلل من تقاطع الرؤى، وتجيب على أسئلة الناس المتنوعة، عن فرص العمل والخدمات والحريات، وكيفية احداث التغيير الشامل. وفي سؤال عن ابتعاد إقليم كردستان والمحافظات الغربية عن أجواء التظاهرات، أجاب غويلب أن المحاصصة الطائفية العرقية للعملية السياسية نجحت في تجزئة النضال الشعبي، فحُيدَ سكان الإقليم كذلك سكان المحافظات الغربية. بالرغم من مشاركات فردية لجماهير تلك المناطق، في تظاهرات بغداد وبعض محافظات الوسط والجنوب. واضيف على كلام غويلب: أن تَحييد سكان تلك المدن حصل بأدوات اعلامية شوشت الصورة لدى مواطني تلك المناطق، رافقها قمع وتخوين من قبل الطرف الثالث لجماهير تلك المدن، مستفيدين من نتائج السياسة الطائفية التي وَلَدَت الإرهاب والتهميش والعنصرية. لكن هذا لم يمنع من قيام فعاليات جماهيرية حقيقية لم تأخذ فرصتها اعلامياً، لأن الفاعل الداخلي والخارجي كان يرغب في حصر الانتفاضة، وصبغها بلون طائفي واحدة فقط.
يقول غويلب نحن امام رفض جماهيري واسع لمخرجات العملية السياسية، يقابله ضعف في ضغط القوى الساعية الى التغيير الشامل، ما يطرح علينا سؤالا مهما "ما العمل". هذا السؤال ركزت عليه نقاشات الحضور، وانسجمت تحليلاتهم ورؤاهم مع بعض. لكن قبل الخوض في الحلول، يجب العودة لإشارة غويلب عن مزاج الشعب العراقي بعد انتفاضة تشرين، فبالرغم من تقديم التضحيات الجسام، جاء غياب البديل الوطني المؤثر والضاغط، ليترك المجال بظهور ميول شعبي ينتظر او يترقب تدخل دولي، يقلب المعادلة، عبر عملية جراحية، يعتقد المراهنون عليها انها ستمنحهم الحرية والديمقراطية والأمان وتوفر فرص العمل والخدمات. واضيف على كلام غويلب: هذا المزاج لم يأتِ من فراغ، انما نتيجة لقوة الأحزاب الحاكمة واستنادها على دول إقليمية ومليشيات مسلحة، مع ارادة عالمية، ان لا يأتي التغيير بطريقة غير مسيطر عليها، أي بالإمكان تفهم مزاج الجماهير المتضررة من العملية السياسية، لكن لا يمكن القبول بمزاجها السلبي، لأنها تتناسى أن ما نعيشه اليوم هو بسبب التدخل الخارجي لإسقاط الدكتاتور، بطريقة عسكرية بعيدة عن إرادة الشعب العراقي، مزاج لا يلتفت الى التغيرات المرتقبة في موازين القوى العالمية بعد الحرب الروسية الأوكرانية.
بالعودة الى غويلب فإنه يقول: من المهم الإشارة الى أن نظام المحاصصة والفساد، لا تفككه نظرية الأغلبية السياسية، في ظل برلمان لا يمثل غير الأقلية من الشعب العراقي التي شاركت بالانتخابات، وهي نفس القوى الحاكمة منذ 2005 الى يومنا هذا. نحن بحاجة الى تفكيك العملية السياسية ونظام المحاصصة، لأنها وصلت الى طريق مسدود، وغير قادرة على تصحيح المسار، وان نجعل من هذا الطرح نضالا يوميا وطنيا نشرك به جميع المتضررين، ونطرح في نفس الوقت البديل الديمقراطي ونؤكد على سبل تحقيقه، وهذا ينطبق على احتمال الانتخابات المبكرة، التي تمثل مخرجا سلميا للأحزاب الحاكمة، لكن من الواضح لكل متابع، أن المتنفذين لن يستسلموا بسهولة، ما يستوجب على قوى التغيير ان تطرح خارطة الطريق التي تراها مناسبة، وان لا تنجر الى نفس طريقة ونتائج الانتخابات المبكرة السابقة.
في الختام قدم الرفيق رشيد غويلب مجموعة حلول، حظيت بتأييد الحضور تلخصت في التالي:
1. مراجعة كاملة للتجربة ما بعد الغزو الأمريكي واسقاط الدكتاتورية، واستخلاص الدروس مما هو إيجابي، وتجاوز عدم المنتج منها، من نشاطات نخبوية، وتجنب السياسات القابلة للتأويل، لأنها مشكلة عانت منها قوى التغيير لسنوات طويلة.
2. العمل على مشروع التغيير الشامل بعيد المدى، يحتل مركز اهتمام ونشاط قوى التغيير، بعيدا عن الموسمية المرتبطة بتغيير لوحة صراع المتنفذين، التي لا علاقة لها بمشروع التغيير الشامل. بالإضافة الى عدم ركن العمل على الرفوف لأسباب تكتيكية.
3. ضرورة اعتماد أساليب حديثة في التعبئة وإدارة الصراع، تقوم على توسيع المشاركة باتخاذ القرار، وتعزيز الديمقراطية في جميع مفاصل الحياة. وهذا لا يتحقق دون تغيير في الأنظمة الداخلية لقوى التغيير المنظمة للتخلص سلطة التراتبية والمركزية والفردية المتواجدة في كثير من هذه الأطر.
4. الإدارة الديمقراطية الشفافة للصراع داخل قوى معسكر التغيير، يعد عنصر جوهري في تنشيط التعبئة المجتمعية وكسب دماء جديدة.
5. الدرس الهام الذي افرزته الانتخابات، ان الناخب العراقي الساعي للتغيير الشامل، مختلف كليا عنه في العام 2005، ولن تنجح الأساليب النخبوية، والآليات والذهنيات التقليدية في الحصول على تأييده، وان على من يسعى لكسب صوت هذا الناخب، ان يجدد من أساليبه وخطابه وسياساته، على أساس قراءة فكرية متجددة.
6. نشر الروح النضالية بديلا للنفعية المكتسبة من الخراب الاجتماعي، الذي نقل نفعية وامراض بيروقراطية الكتل المتنفذة الى اطر عمل قوى التغير.
أضاف جمهور الندوة، ان تبتعد قوى التغيير عن إعادة تجربة التحالف مع قوى كان لها دور في نشر الفساد وتخريب العملية السياسية، وإن جاءت بلباس مختلف، وشعارات جديدة، في حين هي لا تزال تمتلك مليشيات ومواقع تشريعية وتنفيذية، يضاف لهم قوى كارتونية جديدة تدعي الاستقلالية، بعد ان مثلت قوى الفساد لسنوات عديدة.

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان