العملية العسكرية في أوكرانيا: تحليل جيوسياسي. الكسندر دوغين (4/4)

نورالدين علاك الاسفي
2022 / 6 / 25

العملية العسكرية في أوكرانيا: تحليل جيوسياسي. الكسندر دوغين (4/4)

الكسندر دوغين
Alexander Dugin

ترجمة: نورالدين علاك الأسفي.
zawinour@gmail.com

بوتين يعمل على تغيير الاتجاه الجيوسياسي.
عندما وصل بوتين إلى السلطة؛ تغير كل شيء. بدأ في استعادة سيادة روسيا، والتخلص من العملاء في قيادة البلاد، والتركيز على إمكاناتها العسكرية وتطويرها، وتعزيز وحدة روسيا. فالحملة الشيشانية الثانية، و إدخال المقاطعات الفيدرالية والتغييرات في التشريعات عززت وحدة الأراضي وعززت رأسية السلطة. بدأ بوتين تدريجياً في معارضة الغرب بشكل متزايد باتباع سياسة التكامل الأوراسي في فضاء ما بعد الاتحاد السوفيتي. باختصار، أعاد بوتين لروسيا وضعها الجيوسياسي، وليس موضوعها. و انضم بوعي ومسؤولية إلى الحرب القارية الكبرى نيابة عن الأرض.
لم يكن من الممكن تفويت هذا في الغرب، مما أدى إلى زيادة الضغط على دول ما بعد الاتحاد السوفيتي لاتخاذ المزيد والمزيد من المواقف المناهضة لروسيا، و الاندماج بسرعة أكبر في الهياكل الغربية. مما أثر في جميع دول ما بعد الاتحاد السوفياتي، لكن أوكرانيا كانت في المقام الأول. فقد اعتمد على أوكرانيا لتحديد ما إذا كانت روسيا ستكون قادرة على استعادة سيادتها الجيوسياسية بالكامل أم لا. وفقا لقوانين الجغرافيا السياسية، فإن روسيا بدون أوكرانيا ليست إمبراطورية، ولا قطبا، ولا حضارة، ولكن مع أوكرانيا هي إمبراطورية وقطب وحضارة. ويمكن قراءة هذه الصيغة من موقعين - عيون البحر وعيون الأرض. من الواضح أن بوتين قرأها من خلال عيون الأرض، حيث كان ولا يزال حاكم هارتلاند/ قلب الارض، واعيا وقويا.
القومية الأوكرانية كأداة جيوسياسية للأطلسية
في نفس الآن، كان الغرب الأطلسي هو البادئ في حدوث الكوارث بأوكرانيا. حتى سياسات كوتشما أو يانوكوفيتش المحايدة والمؤيدة للغرب بشكل معتدل – و المتعددة الاتجاهات - لم تناسبهم. ضغط الأطلسيون على كييف لكي تتحول إلى دولة عدوانية وراديكالية، لتهاجم و تعادي روسيا في أسرع وقت ممكن. كان على كييف الهجوم.
وهذا ما يفسر الثورة البرتقالية والميدان و أسباب العملية العسكرية الروسية الحالية.
كان الغرب يقاتل من أجل أوكرانيا. يجب أن يؤخذ في الاعتبار أن أوكرانيا ليس لديها تاريخ دولة على الإطلاق، والأراضي التي تقع فيها هي تاريخيا عرضية وهي نتيجة للإبداع الإداري للبلاشفة. عندما برر بوتين العملية العسكرية في أوكرانيا بالقول إن "لينين خلق أوكرانيا"، كان محقا تماما. ومع ذلك، لم يخلق لينين أوكرانيا على هذا النحو، ولكن واحدة من مناطق سيطرة البلاشفة مع مناطق أخرى. الوطنية، وفقا للنظرية البلشفية، كان لا بد من التغلب عليها تماما في مجتمع دولي اشتراكي. أنشأ لينين أوكرانيا وفي الواقع ألغاها على الفور.
لذلك، فبعد عام 1991، كانت هناك شعوب وأقاليم بأراضي أوكرانيا لها تاريخ وهوية ولغة وثقافة مختلفة تماما. لم يكن نصفهم مختلفا عن الروس على الإطلاق. و نصفهم الثاني من الذين غدوا أكثر أو أقل روسا كانوا أوكرانيين. وأقلية ساحقة فقط هي التي أعلنت الأيديولوجية القومية. لكن هذه الأقلية كانت لوحدها قادرة، وفقا للجيوسياسيين الغربيين، على تحويل الأوكرانيين إلى "أمة" بوتيرة متسارعة. لقد كان مشروعا جيوسياسيا أطلسيا. في بلدان أخرى، قضى الغرب بعناية على القومية، خاصة في أشكالها الراديكالية. ومع ذلك، في أوكرانيا، تصرف الغرب في الاتجاه المعاكس تماما، حيث دعم بنشاط جميع أشكال القومية حتى أقصى حد.
وفقا للاستراتيجيين الأطلسيين،كانت هذه هي الطريقة الوحيدة لتسريع تشكيل بنية مصطنعة معادية للروس، وهي محاكاة افتراضية للأمة. هذا هو السبب في أن مجال المعلومات كان مهما للغاية، و بهوس رعوا لدى الأوكرانيين؛و بشكل لا أساس كراهية الروس مع كل ما يوحد شعوبنا. و تم استخدام أي هراء، حتى "الحضارة القديمة للأوكرانيين القدماء"، والتي من شأنها أن تسبب فقط حيرة كاملة في الغرب. ومع ذلك، أشرفت المخابرات الأطلسية على العملية برمتها، وهذا هو السبب في أن الغرب خلق صورة مصطنعة لأوكرانيا كديمقراطية شابة وبشكل جلي ضعيفة، تعاني من التهديد الروسي. و في الواقع، تم توكيد العقلية النازية كهوس في المجتمع، وهي مرتبطة ارتباطا وثيقا بالأطلسية وحتى بالعولمة الليبرالية (بغض النظر عن مدى تناقض هذه الأنظمة فيما بينها، لأن العولمة تنكر الدولة؛ والليبرالية أي هوية جماعية، وقبل كل شيء الهوية الوطنية.
المواجهة النهائية
جاء التحول الحاد في كره روسيا من قبل كييف والمجتمع الأوكراني بأكمله كنتيجة لأحداث الميدان 2013-2014، وبلغت ذروته بطرد وهروب الرئيس يانوكوفيتش. هو لم يكن سياسيا مواليا لروسيا ولا أوراسيا. كان بالأحرى، براغماتيا قصير النظر، لكن حتى هذا، من وجهة نظر الغرب، كان غير مقبول. لقد أراد الغرب كل شيء وليس كل شيء. فبمشاهدة روسيا بوتين تتعزز؛ مع الأخذ بعين الاعتبار أحداث عام 2008 في جورجيا، حيث حرض الغرب أيضا ساكاشفيلي ضد روسيا، لكن من الواضح أن النتيجة لم تكن في صالح حضارة البحر، لذا قرر الأطلسيون العمل بأكثر الأساليب راديكالية.
جو بايدن الرئيس الحالي للولايات المتحدة، و قبلا كنائب للرئيس، وأعضاء آخرون في فريقه، مثل فيكتوريا نولاند، وما إلى ذلك، شاركوا بنشاط كبير في الإطاحة بيانوكوفيتش وفي التحضير للميدان. كان الهدف هو نفسه عند ماكيندر و بريزينسكي: إخراج أوكرانيا أخيرا من روسيا وتمهيد الطريق لصراع عنيف بين كييف وموسكو.
رد بوتين بإعادة توحيد شبه جزيرة القرم ودعم دونباس، لكن هذا لم يحل المشكلة جيوسياسيا. أحبط بوتين خطة تسريع انضمام أوكرانيا إلى الناتو، والتي تضمنت طرد البحرية الروسية من سيفاستوبول، ومنع الإبادة الجماعية في شبه جزيرة القرم ودونباس، لكن حجم أوكرانيا كان أكبر من أن تواصل هجومها الأوراسي في عام 2014 و يأتي بالدفاع عن العالم الروسي إلى نهايته المنطقية. في تلك المرحلة، توقفت الأرض. لقد بدأت عملية اتفاقات مينسك، ولكن من وجهة النظر الجيوسياسية، كان من الواضح أنه لا يمكن إيجاد حل سلمي وأن المواجهة المباشرة ستحدث لا محالة عاجلا أم آجلا. علاوة على ذلك، تلقت المخابرات الروسية معلومات تفيد بأن الجانب الأوكراني كان يستغل التأجيل فقط للتحضير لعملية عسكرية في دونباس ثم في شبه جزيرة القرم.
فالقوى القومية؛ التي فازت بانقلاب عام 2014 في كييف؛ أبدت كراهية أكثر لروسيا، ونشرت دعاية مكثفة لغسل أدمغة السكان، وشنت عملية عقابية وحشية ضد سكان دونباس، الذين باتوا ضحايا لإبادة جماعية ممنهجة، كما كانت تخطط للهجوم على دونباس وشبه جزيرة القرم بحلول ربيع عام 2022. و في نفس الآن، كانت كييف، بمعية الغرب، تضع خططا لبناء أسلحتها النووية الخاصة. بالإضافة إلى ذلك، كانت هناك مختبرات بيولوجية منتشرة في جميع أنحاء أوكرانيا تشارك في تجارب غير قانونية لإنتاج أسلحة بيولوجية.
كل هذا كان جزءا من جيوستراتيجية أطلسية واحدة[1].
------------------------------
[1] المصدر على الرابط:
https://www.geopolitika.ru/en/article/military-operation-ukraine-geopolitical-analysis

حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر