العملية العسكرية في أوكرانيا: تحليل جيوسياسي. الكسندر دوغين (2/4)

نورالدين علاك الاسفي
2022 / 6 / 25

العملية العسكرية في أوكرانيا: تحليل جيوسياسي. الكسندر دوغين (2/4)

الكسندر دوغين
Alexander Dugin

ترجمة: نورالدين علاك الأسفي.
zawinour@gmail.com

قام البلاشفة بإنشاء وتفكيك أوكرانيا في نفس الآن.
نحن نعلم أنه خلال الحرب الأهلية، التزم البيض بسياسة استعادة إمبراطورية موحدة وغير قابلة للتجزئة. في الوقت نفسه اعتمدوا على دعم الوفاق الذي فرض عليهم شروطا معينة. على أي حال، لم تتفق الحكومة البريطانية مع ماكيندر حول الحاجة إلى دعم قوي للبيض في مقابل موافقتهم على انفصال أوكرانيا، وخسر البيض الحرب. ضمن هذا الاطار؛ تم إسقاط الموضوع بالنتيجة من جدول الأعمال.
من ناحية أخرى، دعم البلاشفة أوكرانيا في البداية وعززوا الدوائر القومية بنشاط اعتقادا منهم بأنها موجهة ضد "القيصرية"، لكنهم تحولوا لاحقا إلى سياسة مركزية، ورأوا أن أوكرانيا لن تقبل السلطة البلشفية دون شكوى وسعت إلى الاستسلام للأنجلوساكسون ( بمعنى "الرأسمالية العالمية" آنذاك). لذا، و كما توقع ماكيندر، شرع لينين في الاستيلاء المباشر على أوكرانيا، و التي لم يكن لها تاريخ مستقل كدولة؛ فغدت فريسة سهلة نسبيا للحمر؛ و الذين لم يتمكنوا من الاستيلاء على بولندا بنفس المخطط. لكن أراضي بيلاروسيا، التي طالبت بها بولندا من بيشسودسكي/Pitsudski ، بقيت مع الحمر.
بعد ذلك، في عام 1922؛ و تحت حكم البلاشفة، منح لينين جمهورية أوكرانيا الاشتراكية السوفياتية الأراضي الشاسعة التي كانت جزءا من الإمبراطورية الروسية - سلوبوزانشينا، دونباس، نوفوروسيا، وكذلك مناطق شاسعة في الشمال (إقليم تشرنيغوف) والغرب (روسيا الصغرى بشكل مناسب). ظلت غاليسيا تحت حكم بولندا، وكانت بوكوفينا جزءا من رومانيا. و بقيت شبه جزيرة القرم ضمن جمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفياتية/ RSFSR.
لكن هذا الترتيب الإقليمي لأوكرانيا لم يتضمن إنشاء دولة. امتدت السلطة البلشفية إلى جميع أراضي الاتحاد السوفياتي، و وفق الروح الأيديولوجية الأممية، لا موجب لحديث عن للدولة يهم الجمهوريات بشكل متفرد. على وجه التقريب؛ كان تقسيما إداريا بحتا في سياق سلطة واحدة. هذا بالضبط ما كان يخافه ماكيندر.
أنشأ البلاشفة أوكرانيا وألغوها (كدولة مستقلة).
أوكرانيا في الاتحاد السوفياتي بعد الحرب الوطنية العظمى
تم ضم غاليسيا وفولين وبوكوفينا إلى أوكرانيا قبل الحرب الوطنية العظمى و ترانسكارباثيا/ Transcarpathiaبعد الحرب مباشرة. لكن في هذه المرحلة، تحركت روسيا - أوراسيا في شكل الاتحاد السوفيتي بشكل كبير نحو الغرب، فغيرت حدود الأرض على حساب ريملاند، وفرضت سيطرتها على أوروبا الشرقية، التي كانت كلها تحت سلطة موسكو. و بالنتيجة، اخترق الاتحاد السوفياتي و ألغى تماما "الطوق الصحي"، و وصل مباشرة إلى القارة الأوروبية واستولى، في الواقع، على أراضي بروسيا (جمهورية ألمانيا الديمقراطية).
في هذا الوضع – و من أعماق الجزء الخلفي من أوراسيا – أوكرانيا كانت ضمنه حتى عام 1991. و لأغراض المنفعة الإدارية البحتة ضمن حدود الدولة الموحدة تماما، نقل خروتشوف حينها؛ في عام 1954 شبه جزيرة القرم إلى كييف. من وجهة النظر الجيوسياسية، لا يعني ذلك شيئا، لأن جميع الحدود بين رعايا الاتحاد السوفياتي و الجمهوريات الفيدرالية، كانت مشروطة و عمليا لم تكن تعني شيئا على الإطلاق.
الأطلسية والعالم الثنائي القطب.
خلال الحرب الباردة عاد الغرب إلى الجغرافيا السياسية. ففي عام 1949، و باتباع نماذج ماكيندر، تم إنشاء الناتو (منظمة حلف شمال الأطلسي). مصطلح "الأطلسي" المستخدم هنا، "الأطلسية" يصبح مرادفا لـ "حضارة البحر"بالمعنى الدقيق الذي فهمه ماكيندر. "الأطلسية" هي الغرب وحلفائه، العالم الرأسمالي ذو النواة الأنجلوسكسونية، في منتصف القرن العشرين تحول المركز تدريجيا من لندن إلى واشنطن، من إنجلترا إلى الولايات المتحدة.
تتوافق خريطة ماكيندر تماما مع ميزان القوى في الحرب الباردة، كان المعسكران - الشيوعي والرأسمالي - متماشين تماما مع الأرض والبحر. كانت الكتلة الشرقية هي الأرض، وكان اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية في مركزها على أنها قلب الأرض. أما الكتلة الغربية فهي البحر، كانت متمركزة في المحيط الأطلسي (الأنجلوساكسون)، لكنها شملت المستعمرات الاستراتيجية للولايات المتحدة بعد الحرب من دول أوروبا واليابان ودول العالم الثالث الأخرى التي أعلنت الولاء للرأسمالية. لقد تم ترتيبهم بترتيب متدرج في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، شكلت بالتالي الخريطة الجيوسياسية للمواجهة العالمية.
البر والبحر نادرا ما تصادما بشكل مباشر (كما حدث أثناء أزمة الصواريخ الكوبية)، وعادة ما كانا يتصرفان من خلال الأنظمة التي تعمل بالوكالة، الموالية للسوفييت أو المناصرة لأمريكا. وإذا كانت الأرض متورطة بشكل مباشر - في تشيكوسلوفاكيا وأفغانستان وما إلى ذلك، فقد عارضها البحر من خلال الوكلاء والجماعات والحركات المناهضة للسوفييت دون تدخل مباشر. في حين أن البحر تدخل علانية – في كوريا وفيتنام والأرض و ساعد بشكل غير مباشر - بالمستشارين والدبلوماسية والاقتصاد..
قضية ريملاند
خلال الحرب الباردة، أصبحت قضية ريملاند مرة أخرى مهمة للغاية. وهكذا، توصل العالم الجيوسياسي الأمريكي نيكولاس سبيكمان/Nicholas Speakman، بعد مراجعته لنظريات ماكيندر، إلى استنتاج مفاده أن منطقة ريملاند هي منطقة المواجهة الرئيسة. لقد صاغ قانون الجغرافيا السياسية على النحو التالي: "من يسيطر على الريملاند يسيطر على العالم". لكن هذه ليست جيوسياسية جديدة، لكنها إعادة تفسير - ثانوية - لوزن المناطق الرئيسية في نظرية ماكيندر. خاصة وأن ماكيندر نفسه بدأ بـ "أوروبا الشرقية"، أي بـ "الطوق الصحي" وهو ينتمي إلى الريملاند.
على أي حال، كانت الحرب الباردة من وجهة نظر جيوسياسية معركة من أجل الريملاند. حاولت موسكو توسيع نفوذها - من خلال الأحزاب والحركات اليسارية - في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. في فترة ما، كانت الصين الماوية أيضا جزءا من معسكر اشتراكي واحد، أي جزء من قلب الأرض الأوراسية.
هجوم الأطلسية
{يتبع}

حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر