العملية العسكرية في أوكرانيا: تحليل جيوسياسي. الكسندر دوغين (1/4)

نورالدين علاك الاسفي
2022 / 6 / 25

العملية العسكرية في أوكرانيا: تحليل جيوسياسي. الكسندر دوغين (1/4)

الكسندر دوغين
Alexander Dugin

ترجمة: نورالدين علاك الأسفي. [1]
zawinour@gmail.com

لقد كتب بالفعل الكثير وبشيء من التفصيل عن مكانة أوكرانيا في المواجهة الجيوسياسية للأرض والبحر. فضلا، عن اعتبار أن مؤسس الجغرافيا السياسية، هالفورد ماكيندر/Halford Mackinder[2]، كان المفوض السامي للوفاق لأوكرانيا خلال الحرب الأهلية بروسيا. و هناك، في حكومة رانجل /Wrangel في ذلك الوقت، عمل الجغرافي بيتر سافيتسكي /Peter Savitsky و مؤسس الأوراسية/ Eurasianismكمساعد لوزير الخارجية بيتر ستروف/Peter Struve.؛ و كان أول من جاء على ذكر مصطلح "الجغرافية السياسية" في الصحافة الروسية؛ وحدد لهذا النهج نقاطه الرئيسة.
الجغرافية السياسية: حرب البر والبحر المستمرة.
ففي وقت سابق إلى حد ما، في عام 1904، صاغ ماكيندر في عمله الشهير "المحور الجغرافي للتاريخ" نظرية الحرب القارية الكبرى، والتعارض بين حضارة البحر (الغرب بشكل عام، والإمبراطورية البريطانية بشكل أضيق) وحضارة الأرض (هارتلاند/Heartland، روسيا - أوراسيا). حيث تمثل الأرض (روما، سبارتا) و البحر (قرطاج، أثينا) حضارتين متعارضتين، متضادتين في كل شيء – من حيث التقاليد و الحداثة، الروح و المادة، العسكرتارية و التجارة. إن الصراع بينهما غدا ثابتا في تاريخ العالم.
أوراسيا كمسرح للمواجهة الجيوسياسية
في القرون الأخيرة، زمن اللعبة الكبرى، حيث المواجهة بين الإمبراطوريتين البريطانية والروسية، قائمة على قدم وساق، كانت الحرب القارية الكبرى جزءا لا يتجزأ من فضاء أوراسيا. في هذا الفضاء، مثلت روسيا "هارتلاند"/ قلب الأرض/ "Heartland,"[3]. و "حضارة البحر" – شكلتها إنجلترا؛ و التي حاولت تطويق أوراسيا من الخارج ومن المحيطات. فعملت روسيا على التصدي من الداخل، في محاولة منها لكسر الحصار المضروب.
برز الشريط الرئيسي للتوتر في المفهوم الخاص لريملاند/Rimland، ف"المنطقة الساحلية". امتدت من أوروبا الغربية عبر الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا والهند والصين.
كان هدف البحر هو إخضاع ريملاند. و هدف الأرض كان هو كسر هذا التأثير واختراق حلقة الأناكوندا/ anacondaالمتقلصة. و كان هذا هو سبب تقدم روسيا في آسيا الوسطى والشرق الأقصى.
ومن هنا جاءت الصيغة الرئيسة للجغرافية السياسية: "من يسيطر على أوروبا الشرقية يسيطر على قلب الأرض / Heartland. من يسيطر على قلب الأرض، يسيطر على العالم". هذه هي النظرية.
تقطيع أوصال روسيا الكبرى
فمن منصبه كمفوض سام للوفاق، حاول ماكيندر وضع النظرية موضع التنفيذ. لقد أعطت الحرب الأهلية الروسية حضارة البحر فرصة جديدة لدفع حدود ريملاند/ Rimlandإلى الشرق، على حساب الأراضي التي تركتها السلطة الروسية؛ فنلندا وبولندا والأهم من ذلك أوكرانيا.
أدرك ماكيندر (مثل سافسكي/ Savitsky) أن انتصار البلاشفة سيؤدي حتما إلى مواجهة مع الغرب؛ ومحاولة في شكل جديد لإعادة إنشاء الإمبراطورية الروسية (وهو ما حدث بالضبط). وفي مواجهة هذا الاحتمال، طالب ماكيندر بأن تكون الحكومة البريطانية أكثر نشاطا في مساعدة البيض [4]، و حاول من وسطهم إقناعهم بضرورة منح الاستقلال لأوكرانيا. كما طور خطة لفصل جنوب القوقاز، وبيلاروسيا، وآسيا الوسطى، وكذلك شرق سيبيريا وحتى عدد من أراضي جنوب روسيا عن روسيا. و لاحقا من عام 1991، أعاد انهيار الاتحاد السوفيتي إلى حد كبير خطة ماكيندر.
أوكرانيا و الطوق الصحي
لعبت أوكرانيا دورا رئيسا في الصورة الجيوسياسية لماكيندر. فقد شكلت هذه المنطقة، مع بولندا ودول أوروبا الشرقية، جزءا من "الطوق الصحي"، وهي منطقة استراتيجية يجب أن تكون تحت السيطرة المباشرة لإنجلترا وفرنسا (حلفاء الوفاق في ذلك الوقت) و تمنع التقارب بين روسيا وألمانيا. و بحكم أن روسيا و أوراسيا سيعوقها "الطوق الصحي"، فإنها لن تستطيع أن تصبح إمبراطورية مكتملة الأركان. و بدون أوكرانيا، روسيا ليست إمبراطورية. وإلى جانب ذلك، فإن أوكرانيا، المعادية لروسيا والخاضعة للسيطرة المباشرة للأنجلوساكسون، ستقطع روسيا عن أوروبا القارية، حيث كانت ألمانيا بدورها قلبا للأرض وحيدا محليا بأوروبي، و ليست على شاكلة روسيا في بعدها العالمي. إن صراع إنجلترا مع ألمانيا (سابقا مع النمسا) ثابت في الجغرافيا السياسية الأوروبية.
وفقا لذلك، إن مشروع أوكرانيا المستقلة كان موجها من حيث البدء ضد روسيا بإشراف الأنجلوساكسون.

قام البلاشفة بإنشاء وتفكيك أوكرانيا في نفس الآن.
{يتبع}
----------------------------
[1] في البال: المقالة مناط الترجمة رهن بالإحاطة علما؛ لا بقصد تبني فحواها جملة أو تفصيلا. المترجم.
[2] هالفورد جون ماكندر - Halford John Mackinder عالم الجغرافيا والسياسة البريطاني؛ ولد في مدينة غينزبورو - Gainsborough البريطانية عام 1861 أَوَّلْ من وضع نَسَقاً تصورياً للتفكير في العالم كوحدة سياسية واحدة قابلة للتحكم، وحاول أن يُقَدِّم مفاتيح اللعبة السياسية الكبرى وكيفية إدارتها، حيث تُعد نظرية قلب العالم التي جاء بها في مقال له تحت عنوان“محور الارتكاز الجغرافي في تعاليم التاريخ - The Geographical Pivot of History“، أَوَّلْ نظرية عامة في الاستراتيجية العامة والقوى العالمية.
[3]للتوسع في نظرية قلب العالم - HeartLand Theoryانظر:
https://political-encyclopedia.org/dictionary/
[4] الجيش الأبيض (المعروف أيضا باسم الحرس الأبيض أو ببساطة البيض). هو تلك القوات العسكرية التي قاتلت ضد النظام البلشفي في الحرب الأهلية الروسية.

حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر