تخوين الرموز التاريخية؛ بارزاني نموذجاً!

بير رستم
2022 / 6 / 24

إنني كلما أقرأ مقالاً أو بحثاً، كما يدعيها أصحابها، عن “عمالة وخيانة” العائلة البارزانية وبالأخص شخصية الأب البارزاني، أتذكر رسول حمزاتوف وملحمته عن داغستان والذي جاء تحت عنوان؛ “داغستان بلدي” ووقوفه على حكاية الإمام شامل من ضمن حكاياته عن بلده داغستان، ومن لا يعرف الإمام شامل إليه التعريف الموجز التالي، بحسب ما جاء في ويكيبيديا حيث تقول: “الإمام شامل (1797 – مارس 1871) قائد سياسي وديني آفاري في شمال القوقاز وأحد أشهر المقاومين للضم الروسي للقوقاز[1] ولد عام 1797 في قرية غيمري، الداغستانية. قاد المقاومة ضد الروس خلال حرب القوقاز وهو ثالث أئمة الشيشان وداغستان (طالع إمامة القوقاز) من 1834 إلى 1859 لقب بأسد القفقاس وصقر الجبال. أفار حسب الجنسية”. حمزاتوف في رائعته؛ داغستان بلدي، يقف مطولاً عند حكاية ذاك الإمام وكيف إنه هو شخصياً مثل كل معاصري مرحلته، كتب عدد من الأشعار والمقالات في زمن الثورة الحمراء والنظام السوفيتي، مخوناً ذاك القائد التاريخي وواصفاً إياه ب”عدو الثورة والشعب”، لكن وبعد أن يتعرف على تاريخ وثقافة شعبه وبلده وما قامت بها الاتحاد السوفيتي، يدرك حجم الحماقة والغباء في كتاباته السابقة عن أعظم قائد تاريخي لشعبه، ونقصد الإمام شامل.. نعم كلما أقرأ عما يروجه البعض -وبالأخص من أبناء شعبنا الكردي- عن “خيانة” بارزاني الأب، أتذكر حكاية حمزاتوف مع الإمام شامل.

ما جعلني أكتب المقدمة السابقة والمقالة عموماً، هو ما أرسله لي على الخاص أحد الأخوة مقالاً لكاتب يدعى؛ “آرين زيباري”، ويبدو أن الاسم مستعار حيث عملت بحث على غوغل فلم أعثر له على صورة أو تعريفاً به، المقال تحت عنوان: “ثورة (أيلول) البارزانية تمت بأوامر الاستخبارات الروسية”، منشور على موقع “خبر 24″ ويتحدث أو يحاول أن يؤكد ما جاء بالعنوان؛ أن البارزاني الأب قام بثورة أيلول ب”أوامر وتعليمات من المخابرات السوفيتية” و”كاتب المقال” لا ينتظر حيث يبدأ الهجوم من أول سطر وذلك عندما يكتب قائلاً؛ “رغم التبجح الكبير الذي يتم من قبل عائلة البرازاني في أنهم أعلنوا ما سمًوه زوراً وكذباً أنهم أعلنوا ثورة أيلول والتي لم تكن إلا تعليمات من المخابرات الروسية للملا مصطفى خدمة من أجل أجندات روسيا ضد الغرب، في أهم مرحلة من مراحل الحرب الباردة التي كانت في ستينيات القرن الماضي. الكورد في كوردستان العراق ضحوا بأنفسهم من أجل تحرير كوردستان وقائدهم الملا مصطفى كان هدفه خدمة روسيا. يعني الشعب في وادي الوطن وكوردستان وقائدهم في وادي المصالح والمال الآخر، لذلك لا نستطيع أن نسمي ما حدث في أيلول من ثورة، بل هي تنفيذ أوامر وتحويل الثورة إلى جمع ثروة من المال والسلطة على حساب الشعب الكوردستاني”. حقاً لا نعلم ما هي الأموال التي نالها البارزاني في كهوف بارزان وكردستان، فهل من هم اليوم في كهوف قنديل هم الآخرين خرجوا ل”جمع ثروة” وليس لأجل القيام بثورة؟! إنني لن أقف على كل ما جاء في المقال حيث كل ما يساق في المتن لا يختلف عن تلك الأكاذيب والترهات.

ولكن فقط سأورد ما أستشهد هو بها ضمن مقالته، كإحدى أهم الوثائق التي يحاول بها إدانة البارزاني وثورة أيلول حيث يقول: (و هنا نص وثيقة الكي جي بي المترجمة أولا من اللغة الروسية إلى اللغة الانكليزية من قبل البروفيسور A.Zubok، من جامعة تيمبل الأمريكية: ” لغرض نشر الزعزعة و عدم الاستقرار داخل صفوف حكومات الولايات المتحدة الأمريكية، انكلترا، تركيا و إيران ، و خلق شعور بعدم ثبات مواقع هذه الحكومات في الشرق الأوسط، نقترح الاستفادة من العلاقات القديمة بين ملا مصطفي البارزاني، رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني، و الكي جي بي، لإثارة حركة كردية في العراق و إيران و تركيا بهدف تأسيس كردستان مستقلة تضم أقاليم للدول المذكورة أعلاه. وسيتم تزويد البارزاني بالسلاح والمال اللازم كما يجب الإعلان عن تضامن الشعب السوفيتي مع الحركة الكردية. فان حركة كردستان الاستقلالية سوف تؤدي إلى خلق توترات جدية لدي القوي الغربية وعلى رأسها انكلترا بسبب طرق إمداداتها النفطية من العراق وإيران، ولدي الولايات المتحدة الأمريكية بسبب قواعدها العسكرية في تركيا. وكل هذا سوف يؤدي أيضاً إلى خلق مصاعب لعبد الكريم قاسم الذي بدأ في الآونة الأخيرة بإتباع سياسة موالية للغرب. و كما يجب إعلام جمال عبد الناصر من خلال القنوات الغير الرسمية بان في حالة نجاح مشروع الاستقلال الكردي، فان موسكو ستدعم دمج الإقليم الغير الكردي للعراق بالجمهورية العربية المتحدة” (المصدر: وثيقة كي جي بي من أرشيف اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي، رقم الوثيقة ( Shelepin to Khrushchev, 29 July 1961, in St.-191/75gc, 1 August 1961, TsKhSD, fond 4, opis 13, delo 81, ll. 131-32)).

بربكم أي “خيانة وعمالة” في الوثيقة السابقة حيث إنها تشير وبكل وضوح إلى دعم البارزاني والحركة الكردية، وصولاً لتحرير واستقلال كردستان، فهل أختلف الأمر اليوم مثلاً؟! طبعاً سيكون للسوفيت مصالح وأهداف وراء ذاك الدعم الذي سيقدم للكرد وللبارزاني ومنها مسألة الصراع على المنطقة والتي ما زالت مستمرة لليوم حيث نجد اليوم دعماً أمريكياً لشعبنا؛ إن كان في إقليم كردستان أو في روجآفا، يعني انعكست الآية وأنقلب الأدوار حيث بات الروس -ورثة الاتحاد السوفيتي- في طرف النظام السوري، كما كان الإنكليز في طرف الحكومات العراقية ضد مطالب وحقوق وثورات الكرد في العراق، وبالمقابل فإن الأمريكان يقدمون اليوم دعماً لشعبنا كجزء من صراعهم مع الروس والصينيين على مسألة النفوذ والسيطرة على المنطقة وبالأخص طرق ايصال الطاقة، والتي بقيت من تلك الأيام إلى يومنا هذا، فهل سيأتي من يكتب يوماً؛ بأن “الجنرال مظلوم عبدي كان عميلاً خائناً هدفه جمع ثروة وليس القيام بثورة”؟! أعتقد الإجابة على السؤال السابق.. نعم لي ملاحظات كثيرة على سياسات إقليم كردستان والحزب الديمقراطي الكردستاني، كما لي ملاحظات على الإدارة الذاتية سياسات باقي الأطراف، لكن بالتأكيد الانتقاد للأخطاء بحسب قراءة كل منا واختلاف وجهات النظر شيء وتخوين البعض شيء آخر، لا بل أن تصل الأمور إلى تخوين أهم رمز تاريخي لشعبنا -ونقصد البارزاني الأب، كما في حكاية الإمام شامل- فهو شيء آخر مختلف تماماً ويراد منها ليس فقط الإساءة لتاريخ عائلة، بل تدمير حركة وشعب كامل حيث الشعوب التي ما زالت في مرحلة “القطيع” -وهنا نذكرها ليس كمفهوم للإساءة، بل كواقع مجتمعي شرقي ما زال تغيب عنها دور مؤسسات المجتمع المدني- وتقودها حركات وأحزاب ذات زعامات تاريخية، كما في مثالينا المذكورين عن بارزاني وشامل، فإن الإساءة وتدمير كل القيادات التاريخية يعني فقدان تلك الشعوب للراعي الذي يقود القطيع وترك الأخير للذئاب لتفتك بها!

بالأخير لن أقول؛ بأن المدعو زيباري ينتمي لعائلة وعشيرة كانت معروفة بولائها للأنظمة العراقية المستبدة، وبالأخص نظام صدام والبعث، وفي حين كان البارزانيين والبيشمركة يسكنون الكهوف، كانوا هم والجحشوك يستلمون المال والسلاح لمحاربة ثورة أيلول وبيشمركتها، لكن ذاك هو الواقع مع تقديرنا لكل الشرفاء من تلك العائلة والعشيرة وباقي عشائرنا التي وقفت مع قضايا شعبنا وحركاته السياسية والنضالية وثوراتها المتعاقبة ومنها ثورة ايلول طبعاً والتي تكللت بعدد من الانجازات والمكاسب التاريخية مروراً باتفاقية آذار عام 1970 وصولاً إلى يومنا هذا حيث رأينا ولأول مرة إقليماً كردستانياً معترفاً به دستورياً شرعياً ليس فقط من قبل النظام العراقي، بل من المنظومة الدولية والأمم المتحدة ترتقي إلى ما تشبه الدولة شبه المستقلة وذلك بالرغم من عدد من الأخطاء والملاحظات على الأداء السياسي، إن كان للبارزانيين أو لعموم حركتنا في جنوب كردستان وبالأخص قضية الصراع والمنافسة بين الطرفين القياديين هناك وعدم توحيد الإقليم ومؤسساته العسكرية والأمنية وغيرها من المؤسسات والقضايا النتعلقة بالعلاقة بين الطرفين وبينهما وبين بغداد والحكومة المركزية، لكن ورغم كل ما سبق؛ يبقى البارزانيين وبالأخص القائد التاريخي؛ الملا مصطفى بارزاني أهم وأعظم رمزية تاريخية لشعبنا في العصر الحديث وأي إساءة وتخوين وتدمير لتلك الشخصية الرمزية لا تعني فقط إنها تخدم أعداء شعبنا من غاصبي كردستان، بل هي الخيانة بعينها بحق القضية الكردية عموماً!

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار