هل رهانُ الرئيس بوتين على مجموعة البريكس في قيادة عالَمٍ متعدِّد القطبية هو في مكانه؟

عبد الحميد فجر سلوم
2022 / 6 / 24

منذ انعقاد أول مؤتمر قمة لمجموعة دول البريكس المعروفة باللغة الإنكليزية بـ
اختصارا للأحرف الأولى من الأسماء، في حزيران 2009 ، BRICS
أي (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا) والرئيس الروسي فلاديمير بوتين ما زال يُراهنُ على أن هذه المجموعة سوف تقودُ عالما متعدد القطبية.. وهذا ما أعاد تأكيده في كلمته أمام قمة البريكس (الافتراضية عبر تقنية الفيديو) يوم 23 حزيران 2022 في بكِّين..
ولكن ما هو المقصود بكلمة "القطبية"؟
إن كان المقصود "قطبية" تجارية واقتصادية وسياسية، فالعالمُ يعيشُ هذه القطبية منذ زمن العولَمَة، وكلُّ دولةٍ ترسمُ وتُقيمُ علاقاتها التجارية والاقتصادية والسياسية بحسب ما تقتضيه مصالحها الوطنية والخاصّة.. ولا يمكن لأحدٍ أن يُقرِّر عن الآخر طبيعة ووجهة علاقاته الاقتصادية والتجارية والسياسية.. فهذه مسألة سيادية بكل دولة.. وتفرضها مصالحها..
فالسعودية على سبيل المثال ترتبط بالولايات المتحدة بعلاقات اقتصادية وتجارية كبيرة جدا، ولدى زيارة الرئيس ترامب للرياض في أيار/مايو 2017 تمّ التوقيع على اتفاقات فاقت 400 مليار دولار..
ولكنها بذات الوقت ترتبط بالصين بعلاقات تجارية واسعة ووصل حجم التبادل التجاري بين السعودية والصين عام 2020 إلى 67 مليار دولار..
هذا على الرغم أن السعودية لم تعترف بالصين الشعبية(الحالية) إلا في عام 1975، وأقامت معها علاقات دبلوماسية على مستوى سفراء عام 1990.. وقبل ذلك كانت السعودية، كما الولايات المتحدة، تعترف بِما أُطلِقَ عليه، "الصين الوطنية، أو تايوان) والتي كانت هي من تشغل مكان العضو الدائم في مجلس الأمن الدولي بدل الصين الحالية..
وترتبط بروسيا أيضا بعلاقات اقتصادية وسياسية واسعة..
**
والهند العضو الثاني الأكبر تعدادا في مجموعة البريكس، ترتبط بالولايات المتحدة بشراكة استراتيجية كبيرة.. وتشتري الأسلحة منها بعشرات المليارات، مما جعل الولايات المتحدة الدولة الأولى في توريد الأسلحة للهند، وتقدمت على روسيا وإسرائيل..
كما ترتبط مع الولايات المتحدة بتحالفات في منطقة المحيط الهادي، كما التحالف الرباعي للحوار الأمني المعروف باسم "كْواد"
Quad
والذي يضمُّ (الولايات المتحدة وأستراليا واليابان والهند) وهو ذات التحالُف الذي حذّر الصين من أي محاولات لتغيير الوضع القائم في تايوان بالقوة..
ولا ننسى العلاقات المتوترة بين الهند والصين منذُ عام 1950 بسبب الخلافات الحدودية الشائكة، والتي يبلغ طولها 3440 كيلو مترا.. وحصلت مواجهات عسكرية بينهما عام 1962، كما حصلت اشتباكات في حزيران 2020 راح ضحيتها 20 عسكري هندي..
ومشاركة الطرفان في مجموعة بريكس لن يحلَ هذه الخلافات الحدودية، فهي مُعقّدة جدا.. والجمر يبقى تحت الرماد..
**
وقد وصف السفير الأمريكي السابق لدى الهند هذه العلاقات في 5 كانون ثاني/يناير 2021 بالقول:( أنهُ لا توجدُ علاقات ثنائية في العالم واسعة ومعقدة وغنية في الجوهر مثل العلاقات بين الولايات المتحدة والهند.. فهي تشمل مجالات الدفاع ومكافحة الإرهاب ومنع الانتشار النووي والأمن الالكتروني والتجارة والاستثمار والطاقة والبيئة والصحة والتعليم والعلوم والتكنولوجيا والتجارة والزراعة والفضاء والمحيطات وأكثر من ذلك.. وأن الولايات المتحدة أصبحت الشريك التجاري رقم 1 للهند)..
وبدورها الهند شجّعت الشركات الأمريكية للاستثمار في مختلف قطاعات الاقتصاد الهندي.. وفي مؤتمر مجلس الأعمال الأمريكي الهندي في تموز /يوليو 2020 تحدث رئيس الوزراء "ناريندرا مودي" وقال الاستثمار هو أفضل تعبير عن الثقة، وأوضح أن حجم تدفقات الاستثمار إلى الهند بلغ ما بين 2019 ــ 2020 ، 74 مليار دولار ..
والهند تُفاخِر بأنه تجمعها قيم الديمقراطية مع الولايات المتحدة، وأنها القوة الديمقراطية الثانية الأكبر في العالم بعدها..
واليوم يرأس حكومة الهند زعيم حزب يميني، وحريص على توطيد العلاقات مع الولايات المتحدة..
**
بينما البرازيل البلد الأكبر في قارة أمريكا الجنوبية، والديمقراطية الأكبر أيضا، والعضو أيضا في مجموعة البريكس، تربطها بالولايات المتحدة شراكة استراتيجية كبيرة، وحتى في ظل الرئيسة اليسارية ( ديلما روسيف) كانت حريصة على تمتين العلاقات مع الولايات المتحدة وقامت بزيارة إلى واشنطن لهذا الغرض في حزيران 2015 ، وعُقدت صفقات في مجالات متعددة وأهمها الأمن والدفاع.. وتشتركان في منظمة الدول الأمريكية، ومجموعة الثمانية زائد خمسة، ومجموعة العشرين.. ووفقا لاستطلاع رأي عالمي أُجريَ عام 2015 فقد نظَرَ 73% من البرازيليين إلى الولايات المتحدة نظرة إيجابية..
وتقود البرازيل تجمُّع (الميركوسور) الاقتصادي والذي يضمُّ البرازيل والأرجنتين وأروغواي وباراغوي.. وانضمت لهُ مصر لتوسيع حجم علاقاتها الاقتصادية..
واليوم يرأس البرازيل رئيس يميني من أشد المؤيدين للولايات المتحدة وهو(جايير بولسونارو).. وحريص كل الحرص على توطيد العلاقات بين بلاده والولايات المتحدة..
**
وأما جنوب أفريقيا، الدولة الأهم في أفريقيا السمراء، فتربطها كذلك بالولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، علاقات استراتيجية قوية، وهذا ما أكّد عليه وزير الخارجية الأمريكي "أنتوني بلينكن" في تشرين ثاني/ نوفمبر 2021 خلال لقائه بوزيرة العلاقات الدولية والتعاون الدولي في جمهورية جنوب أفريقيا، على هامش قمة العشرين في روما..
**
وعموما الشراكة الأوروبية ـــ الأفريقية قوية جدا.. وكذلك الشراكة الامريكية ــ الأفريقية، لاسيما بعد أن انتبهَ الجميع إلى حجم الاستثمارات الصينية في القارة السمراء، فاشتدّت المنافسة بين الجميع على بُلدانها.. واليوم هناك خُطى سريعة نحو هذه القارة من الصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا وحتى تركيا وإيران.. فضلا عن بعض الدول العربية كما الإمارات وقطر والسعودية..
فبين عامي 2011 و 2019 بلغت تجارة الإمارات غير النفطية، مع القارة الأفريقية 272 مليار دولار.. حسب تصريح عُمر خان، مدير مكتب الخارجية في غرفة تجارة وصناعة دُبي..
وفي مائدةٍ مُستديرةٍ حول الاستثمار في أفريقيا في شباط 2022، بين مسؤولين أمريكان، وأفارقة، أكّد المشاركون أن إدارة الرئيس بايدن تدعم توجيه استثمارات بقيمة 50 مليار دولار في القارة السمراء..
**
والدول الأفريقية، ومن خلال خبرتي في نيجيريا، حينما كنتُ رئيس بعثة دبلوماسية، لم تعُد تلك الدول التي تجري خلف الآيديولوجيات والشعارات، وعبارات اليمين واليسار، أو عبارات الإمبريالية والاشتراكية، والغرب والشرق، الخ ، كما كان الحال في زمن التحرُّر من الاستعمار، إنها تبحث اليوم عمّن يُقدِّم لها المساعدات والمعونات والمشاريع والاستثمارات والخدمات، ومكافحة الأمراض، والخبز والقمح والطحين والأرز والصَحن والمِلعقة، وليس من يُطرِبها بالشعارات التي تعود لزمن الحرب الباردة.. فهذه لم تعُد تُصرَفُ لدى أبناء القارة السمراء.. ومن يعتقد غير ذلك فهو واهم.. بل هذا بات شأنُ العالم كله، إلا قليلٌ من الحالمين مِمّن يعيشون خارج الزمان والمكان، ويتوهمون بأن زمن أوّل قد يعود.. وما زالوا يرددون ذات شعارات ومُفردات ذاك الزمن..
ولذلك من يريد أن يكسب دول العالم فعليه أن يُقدِّم ويُطعِم ويدفع، ماديا، ومعونات واستثمارات ومشاريع وبناء وعُمران وتطوير وتبرعات وخدمات وتحسين مستوى معيشة ويفرض نفسهُ.. وليس شعارات وآيديولوجيات..
ومن هنا الساحة مفتوحة للجميع لكسب هذه الدولة أو تلك، وأما من خلال الشعارات ضد الغرب والناتو والإمبريالية، وشعار عالم متعدد الأقطاب بالقوة، فهذا عبارة عن غِناء بـ (الحمّام) كما يقول المثل الشعبي..
ولذلك لا يمكن لأحدٍ أن يستأثر بهذا العالم، لا أمريكا ولا سواها، ومن هنا لا أفهم معنى تعدُّد الأقطاب.. فنحنُ سلفَا في عالمٍ متعدِّد الأقطاب.. والأقوى تأثيرا هو الأكثرُ دفعا.. فلتسأل كل دولة نفسها ماذا دفعت، هنا وهناك، ليس لأجل الحروب وإنما لأجل التنمية والاستثمار والمشاريع والتطوير والتحديث.. المُنافَسة هنا.. وهذه مُنافسة مفتوحة للجميع.. لا يمكن لأحدٍ احتكارها حتى نقف ونقول له: ممنوع..
**
هذه الدول الثلاث (البرازيل وجنوب افريقيا والهند) تجد نفسها تشبه الغرب أكثر مما تشبه روسيا والصين من حيث طبيعة وشكل الأنظمة السياسية.. ولكنها بذات الوقت تبحث عن أسواق واستثمارات وتوسيع العلاقات التجارية والاقتصادية، وهنا لا يهمُّ طبيعة الأنظمة وإنما يهمُّ حجم الأموال والاستثمارات والفوائد والمكاسب.. ومن هنا هي أعضاءٌ في البريكس كتكلٍّ اقتصادي للاقتصاديات الناشطة والصاعدة والأكثر نُموا.. فالدولار هو الدولار والمكاسب هي المكاسب والأرباح هي الأرباح سواء جاءت من روسيا أم من الصين أم أي دولة أخرى..
ولا يُعتقَد أنها بصدد وضع نفسها في مواقع صِدام أو مُواجهة مع الولايات المتحدة.. ولكن طبيعي جدا أن تدافع عن مصالحها وتفرض نفسها من خلال قوة الاقتصاد وليس التهديد.. فعلاقاتها ومصالحها القوية مع الولايات المتحدة لا تسمح بذلك.. وإنما هي ترغب في أن تكون أقطابا في التجارة والصناعة والاقتصاد ولها دورها على الساحة الدولية وتفرض نفسها، ولكن بالتكامل والحوار والتنسيق والعمل والإنتاج وليس بالتصادم..
وهي أعضاء في حِوار (شمال ــ جنوب) بين دول الجنوب النامية ودول الشمال الغنية.. وكذلك أعضاء في مجموعة الـ 77 ، للدول النامية.. وهذه جميعا تطالب بإصلاح النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية وحصَرَ حق النقض (الفيتو) في مجلس الامن الدولي بخمس دول فقط.. فهي تطالب بتوسيع عضوية المجلس وان تكون هي من الدول دائمة العضوية فيهِ أيضا..
ومسألة الإصلاح أو التعديل في مجلس الأمن هو مطلب قديم في الأمم المتحدة، وعايشتُ بعض جوانبهِ حينما خدمتُ في الأمم المتحدة في نيويورك بداية الثمانينيات..
وهناك أيضا ألمانيا، واليابان، تطالبان بمقعد دائم في مجلس الأمن.. كما أن العرب يطالبون بمقعد دائم أيضا..
وفي هذه الإطار قد تجدُ روسيا تلتقي مع الدول الدائمة الأخرى (وأولها أمريكا) في رفض ذلك.. فمن الصعب أن يقبلوا دولا جديدة تمتلك حق النقض كما يمتلكه الخمسة الدائمون اليوم وتُشارِكهم القرار العالمي..
ــ ومن ناحية ثانية فإن مُطالبة الرئيس بوتين بتغيير النظام العالمي هي غير مطالب هذه الدول..
فهو ينطلقُ من خلفيةٍ روسيةٍ قوميةٍ ودينيةٍ أرثوذكسيةٍ، ترفضُ القيم الغربية في الليبرالية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وتميلُ إلى حُكمٍ أشبهُ بالحكم القيصري، المتحالف مع الكنيسة في الماضي.. وهو ما يحصل اليوم..
وهذا ما عبّرَ نهُ بوضوح (المُفكِّر والفيلسوف الروسي) ألكسندر دوغنين (وهو المُنظِّر للرئيس بوتين كما يُوصَف) في لقاءٍ له على إحدى الفضائيات، في 19/3/2022 ، حينما قال:
(أن روسيا تقاتل ضد المنظومة الشمولية الليبرالية الجهنمية وليس ضد الولايات المتحدة كبلد.. إنه قتال ضد المبادئ، إنه حربُ أفكار، حربٌ مرتبطة بالنظام العالمي.. وأضاف: إن النموذج الروسي هو نموذج تقليدي يدافع عن التقليد والحضارة الروسية وهذا مرتبط بالمبادئ.. نحنُ لا نريد النموذج الأمريكي في بلادنا، وفي البلاد المحيطة.. هذا ما لا نريدهُ.. أمريكا والمنظومة العالمية يجب أن تُقبَلَ من البلدان والشعوب التي تهتمُّ بذلك على نحو حُر.. نحن نرفض هذه المنظومة الشمولية الليبرالية كرُوس.. لا نريد لهذا النظام ان يأتي إلى حدودنا.. الصين نظامها مختلف ولكن نتفهم بعضنا البعض فلدينا العدو مشترك.. وتابعَ قائلا: إذا ما حبّذتم القيم الوطنية الدينية التقليدية لديكم فإنكم تفهمون بالضبط ما تقوم به روسيا الآن في أوكرانيا..)..
إذا العدو المُشترك لروسيا والصين هو مفاهيم الحُرية والليبرالية والديمقراطية ومفاهيم حقوق الإنسان، في الغرب..
هذا هو باختصار الموقف.. لخّصهُ المُفكر والمُنظِّر ألكسندر دوغنين.. ويبدو أن أوكرانيا تجاوزت الخطوط الحُمُر وجاءت بهذا النظام الليبرالي الديمقراطي الغربي إلى حدود روسيا.. وهذا هو التهديد الحقيقي..
**
فالرئيس بوتين يُدرِكُ تماما أن الناتو لا يمكن أن يُهدِّد روسيا مهما بلغت قوته.. فهي تمتلك ثاني أكبر قوة نووية في العالم، ولديها صواريخ (شيطان 2 ، أو سارمات آر إس) تصل إلى بريطانيا في ثلاث دقائق، ومدى الصاروخ 11 ألف كيلو متر.. أي يُغطِّي الولايات المتحدة وكندا من أقصاها إلى أقصاها من جهة القُطب الشمالي.. كما يصل لأقصى أستراليا من شمال شرق روسيا.. أو من جُزُر (الكوريل) شمال اليابان..
ولذلك مسألة القُرب والبعُد لم تعُد مُشكِلة أمام الصواريخ النووية الحديثة اليوم.. وطالما توازُن الرُعب قائما فلن يجرؤ أحدٌ على استخدام السلاح النووي ضد الآخرين، لأن الفناء حينها للجميع ولكل البشرية..
**
وأخيرا لا بُدّ من قولِ كلمة:
كم يشعر الإنسان بالحُزن والأسى حينما يرى أينَ تسيرُ دول العالم، وأين تسيرُ بلدنا.. وكيف تعيشُ شعوب العالم وما هي تطلعاتها، وكيف يعيشُ شعبنا وما هي تطلعاتهِ..
أمضيناها طيلة الزمن شعارات ومُزايدات، فلا الشعارات تطبّقت، ولا التنمية تحققت، ولا دولة قانون ومؤسسات ترسّختْ.. ولكن بَرَعنا بالفساد والنهب واستغلال السلطة والنفوذ للثراء وتكديس الثروات، وثقافة المَزارع والمحسوبيات والمُحاباة، والشطارة والقبضايات وتهريب الأموال.. وكلُّ واحد الّلهم اسألك نفسي.. نعم في هذا سبقنا الجميع..

حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق