الحياة صعبة .. و ممرضة

محمد حسين يونس
2022 / 6 / 24

توقفت عن العمل منذ ثمانية شهور ( اول نوفمبر 2021 ) .. بعد أن إستمريت أشقي دون توقف لمدة 60 سنة منذ ( سبتمبر 1962 ) ..قضيتها كلها في أعمال الإنشاء للمباني و الشبكات بجميع أنواعها ( مياة ، صرف صحي ، كهرباء ، تليفونات ، طرق ) .. و تشغيل و صيانة .. محطات تنقية مياة الصرف الصحي .
عملت في هذه المهنة السخيفة .. كمهندس تصميم معمارى ، مهندس حكومة مشرف علي إنشاءات بسينا ، مهندس بالقوات المسلحة أقوم بأعمال متنوعة أهمها إقامة الدفاعات و رص الألغام .. و إنشاء سد باليمن ..و فتح طرق مؤقته .. و قيادة الجنود و تدريبهم ،
ثم في شركات المقاولات دراسة العطاءات .. و عمل برامج التنفيذ و متابعة العمل ، و مد خطوط كهرباء في العراق..
ثم عمل الدراسات و متابعة الإنشاء في شركة إيطالية تمد شبكات تليفونات بمصر ، ثم مقاول قطاع خاص ينشيء خطوط كهرباء في الجيزة و سينا و الأسكندرية ..
ثم مع مكتب إستشارى أمريكي إنجليزى في الإشراف علي إنشاء محطة تنقية مياة صرف صحي في الجبل الاصفر و أبو رواش ورفع كفاءة المحطة الأولي و الإشراف علي تشغيلها و صيانتها .
خلال هذه الفترة .. كان لدى الفرصة لكتابة حوالي 15 كتاب متنوعة المواضيع .. روايات و قصص قصيرة .. و ترجمات ..و دراسات .
حياتي كانت في أغلبها جادة مخصصة للعمل .. احاول أن أتقن ما أقوم به..و لكنها كما رايتم لا تستمر في نوع واحد من الأنشطة.. إلا في الثلاثين سنة الأخيرة .. فقد قضيتها في الإشراف علي إنشاء و تشغيل .. و صيانة .. محطات تنقية مياة الصرف الصحي .
البلاد التي زرتها كانت في أغلبها بسبب العمل .. بالإضافة لليمن و العراق سافرت لايطاليا عدة مرات .. و اليونان و فرنسا ..و أمريكا ..و بدون عمل لألمانيا .. و ( فرنا ) .
و عملت في أماكن كثيرة بمصر .. سينا الشمالية و الجنوبية و الواحات .. و الساحل الشمالي و الأسكندرية .. بالإضافة إلي دهشور و الهايكستب .. و خارج العمل ذهبت للاقصر و أسوان و الغردقة .
بمعني أن هناك أماكن كثيرة في العالم و في مصر لم أشهدها أو أزورها .. و كنت أخطط لفعل هذا بعد أن اتقاعد .. فلما حدث لم أذهب إلا للاقصر ثم جلست في منزلنا بسبب الفقر و الكورونا و الحروب ..فيما يشبة العصيان المدني .
خلال السبعين سنة الماضية قرأت الاف من الكتب .. و سمعت مئات من المعزوفات الموسيقية .. و شاهدت متاحف عديدة .. في كل البلاد التي زرتها ..و الكثير من الأفلام السينمائية المصنعة في بلاد العالم الغربي و الشرقي .
في نفس الوقت .. صادقت العشرات من السيدات و الأنسات .. و كانت لي حكايات رومانسية معهن .. و قصص حب ملتهبة في بعض الأحيان ..
و تزوجت عدة مرات ..و أنجبت مرتين في كل مرة توأم .. و لي العديد من الحفيدات و الأحفاد .. و كونت صداقات متينة مع عديد من الأشخاص .. بعضها لم أراهم أبدا فقد كانت من خلال وسائل التواصل الإلكترونية .
الأن أجلس في منزلي لفترات طويلة منفردا لا عمل لي .. لا يدق جرس الباب أوالتليفون إلا مرة أو مرتين طول اليوم..أقرأ أو أكتب أو أتصفح الميلات .. أو أشاهد التلفزيون و ماتشات كرة النادى الأهلي فقط .
وذلك مع وضع محاذير عديدة .. فقد منعت علي نفسي معرفة أى أخبار أو مواضيع تخص مصرو المصريين و مشاكلهم التي تسببوا فيها لأنفسهم ..خصوصا خطب أو أحاديث المسئولين التي تعدها خبراء حرب الجيل الخامس و السادس...
و حذفت محطات الإذاعة و التلفزيون و السينما الناطقة بالعربية في قائمة المحطات علي تلفزيوني .
و توقفت عن شراء جميع الجرائد و الكتب و المجلات .. و لا أعرف أخبار العالم إلا من جوجل ..مع تنقيتها من الأخبار المحلية .. و أنباء القتال . و نشرات الدعاية.
حياة مملة سخيفة .. لا اريد أن أكون فيها عبئا علي الأقارب و الأصدقاء ..في نفس الوقت لا أكون ضحية التغييب العقلي ألذى أتقنه الحكام ..لذلك توقفت عن التواصل مع أغلب الناس.. إن لم يكن كلهم .. خصوصا لو كانوا مرضي .. لا اريد أن أسمع شكاوى و أنات ..أو أشارك في أحزان ..أو أعيش قصص هؤلاء الذين أصابتهم سخامات النظام .. و أتلفت حياتهم ..
لا أريد أن أذهب للنادى أو أشارك المسنين هناك أنشطتهم أو رحلاتهم .. و أفضل النوم لساعات طويلة .. عن الحديث مع الأخرين ..
التعامل مع الجهات الحكومية .. مشكلة .. توقفت عن تجديد رخصة السواقة أو الباسبورت حتي لا أرى وجوههم ( السمحة ) .. و أغلقت حساباتي في البنك إلا الحساب الذى يتلقي المعاش .
و مع ذلك .. تصلني الأنات و الشكاوى من غلاء الأسعار .. و خفض القيمة الشرائية للجنيه .. وعدم توفر أسباب العلاج .. و إرتفاع تكاليف التعليم .. و الحظ عندما يأتي محصل الغاز أو الكهرباء أن قيمة إستهلاكنا .. تتضاعف عشرات المرات فعلا لا مجازا .. ( الغاز زاد من ستة إلي ستين .. شهريا )
خلا ل الثلاثة شهور الماضية ..الفت كتاب جديد عن عصور الإضمحلال في مصر .. الثلاثة المعترف بها في الزمن القديم و الأخر الذى ضم مرحلة حكم المماليك و الإستعمار العثماني .. ثم الأخير الذى نعيشة اليوم بعد أن دمر حكم المليارديرات و المليونيرات الحياة علي ارض مصر كما نعرفها و قادونا لمصير مجهول بسبب القروض .. و السفه في الإنفاق ..و جعل حياة الناس صعبة بالضرائب و الرسوم و الفرد .. و شتى أنواع الجباية .. و أساليب التحصيل الإلكترونية .
اليوم لم أعد أحب هذا المكان .. بل أكرهه ..و أرى أننا شعب تأقلم مع الظلم و الطغيان .. وضاقت قيمة و أفكاره و خططه و أحلامة ..لمستوى النجاة الفردى من الطوفان .
أهرب من يأسي في إتجاهين .. مشاهدة برامج تلفزيونية .. عن الكون ( يونيفرس ) .. و اخرى عن زوار من خارج المجرة جاءوا إلي العالم و أثروا في تطور البشر .
و رغم أنهما أمرين لا يهمان العديد من سكان هذا المكان .. إلا أنهما تحولا لدى لإدمان .. أضبط كل حياتي علي الزمن الذى يذاعان فية في محطتي التاريخ ( إتش ) و ( إتش 2 ) .
لقد تعلمت الكثير من ما أشاهده .. الكون منذ 14 مليار سنة .. كيف كان و كيف إنفجر إنفجارا مرعبا .. و تباعد و تكونت من هشيم الإنفجار المجرات من النجوم و الكواكب و الأقمار.. و انواع هذه النجوم .. و ميلادها .. و وفاتها .. ثم إعادة الميلاد .. في هيئات أخرى ..
و مجرة درب اللبانة التي نعيش فيها .. و مصيرها و المجموعة الشمسية .. و المحاولات الإستكشافية ..لها .. و إمكانية وجود حياة بها ..
ثم كوكبنا .. و كيف نشأت الحياة علية بسبب وجود القمر الذى أمال محوره .. و جعل هناك فصول .. و من أين جاء الماء .. و كيف تطورت الحياة عبر مليارات السنين .
كلما شاهدت هذه الأفلام ..و عرفت متي ستنتهي الحياة علي الأرض ( بعد مليار سنة ) و أن هذا ممكن في قبل ذلك .. إذ يكفي أن تصلنا أشعة جاما إثر إنفجار نجم .. ليختفي الوجود و تتصحر الأرض .. مثل باقي كواكب المجموعة الشمسية .
كل يوم الساعة السادسة مساءا .. أشعر بضئالة مجرتنا بين مليارات المجرات .. و صغر مجموعتنا الشمسية في مساحة الكون اللامتناهية .. و أن هذا الكوكب الذى نعيش علية ..ذرة رمل في الصحراء الكبرى .. و أن حياتنا قصيرة قصيرة قصيرة .. و مضة سخيفة .. وسط كل هذا الجلال .
علماء العالم .. لم يتوقفوا عن الحلم و العلم .. لقد حاولوا معرفة .. ما إذا كان في الكون كائنات أخرى .. ثم رشحوا العديد من الكواكب التي يمكن أن تضم حياة .. و تخيلوا شكل هذه الحياة .. طبقا للظروف الطبيعية للكوكب ..
ففي بعض الحالات تكون الكائنات قصيرة .. أو تطير أو لها عيون واسعة .. أو متطورة عن الحشرات .. الاف الحالات .. و التصميمات .. و التصورات المرتبطة .. بالجاذبية و حجم الكوكب .. و نوع النجم الذى يدور حوله .. و الطقس الذى يتكون علية ..
كم هائل من الأفكار و الإحتمالات ..تجعل من يشاعد هذه البرامج مندهشا معجبا بقدرة الناس في بلاد الواق الواق علي التخيل و الحلم و العلم .
جعلتني أصبح الأن علي درجة من اليقين ..أننا نعيش كمصريين فكريا و عاطفيا في العصر الحجرى ..بزخرف معاصر ..
وأن عقولنا عقول بشر لم يغادروا زمن ما قبل التاريخ .. يتضاربون و يتصارعون .. بنفس إسلوب كوكب القرود .. لذلك أخاف أن أسير في الشارع منفردا .. أحمل أشياء ثمينة تجعلني مطمعا .. لجائع متشرد .. يتجول في الشوارع بحثا عن صيد .
هناك أماكن لا أذهب إليها علي الإطلاق .. العشوائيات .. و الأحياء الفقيرة ..و هناك أماكن أخجل أن أذهب إليها الكومباوندات الفاخرة المحاطة بالأسوار و خدمات أمنية متطورة ..
و في حينا و الأحياء المشابههة أتحرك و عيني علي البشر الذين يحيطونني .. خصوصا عندما أعبر شارع فيجب أن أتأكد أنه لا يوجد موتسيكل جامح قريب أو ميكروباص أو أتوبيس نقل عام .. فهؤلاء يسفحون و لا ينتظرون لرؤية ضحاياهم .
الشباب مهموم .. و لديه مخرجان أن يقتل أو ينتحر .. في بلدنا هذين الأمرين يتمان ببساطة .. لذلك عندما أفتح باب منزلي أتأكد .. أن بالخارج شخص أمن لا ينوى تصفيتي .. بعد أن أصبحت شيخا ضعيفا .. حقا لا أملك الكثير .. و لكنه كاف للبعض أن يضحوا بي .. علي مذبح الفقر و الحاجة .
في بعض الأحيان بعد أن أشاهد البرامج التي تتحدث عن زيارات كائنات خارجية للأرض .. أتمني لو أن أحدهم عثر علي .. و أخذني لكوكب أخر ..
اشاهد كائنات و تكنولوجيا متقدمة .. عن ما نمتلك .. و قد أجد عندهم تاريخ البشر الحقيقي و كيف تطور بعضنا من مستوى الضوارى لدرجة الإنسان بينما الأخرون يعيشون في غابات الأسلحة فيها تغيرت بما لا يقاس بما كنا نعرفه في الحرب العالمية الثالنية ...
و لكنني أعود و أشك فقد يكون سكان الكواكب الأخرى متقدمون تكنولوجيا .. و مرضي نفسيا .. يتعاملون معنا كما نتعامل .. مع البقر و الماشية و الخنازير .. نربيها لنستهلكها و نأكلها .فعندما تشاهد حوار النجوم و المجرات والثقوب السوداء .. علي مر 14 مليار سنة .. ستعرف أن العنف .. هو القيمة الأساسية في الكون
و لاننا جئنا من تراب النجوم كما يدعون .. لذلك نحن متوحشون .. الحياة صعبة ..في بلاد اللاعقل .. و لكنها ليست أقل صعوبة لمن يملكون عقولا .

حوار مع الكاتبة اللبنانية د. عايدة الجوهري حول مشروع الدولة المدنية العلمانية وأوضاع المرأة في لبنان
حوار مع د.سامي الذيب حول الأديان ومعتقداته الدينية وطبعته العربية وترجماته للقرآن والقضية الفلسطينية