بازل لزهرة الخشخاش - رواية - 30/28

أحمد عبد العظيم طه
2022 / 6 / 23

*******

- ... من وقت ما قعدنا وانا اللي عماله اتكلم اتكلم.. وانت معرفتنيش حاجه عن شخصيتك خالص!...
- سدقيني كل الـ افتكره انه كان في راجل صالح عقيم، وكان بيشتغل نجار، فمن كتر شوقه للخلفه قرر انه يعمل ابن خشب يونسه هو ومراته ويقعدو يتكلمو معاه ويحبوه ويربوه وكده.. جت السنين وراحت السنين، ومن كتر عشق الراجل لصنعة ايديه، كان بياخده معاه فـ كل حته.. ففيوم وهو شغال فـ الورشه وعمال يبعبع مع نفسه عن زبون ضلالي مش راضي يدفع القسط اللي عليه.. لقى ابنه فتح بعنين حقيقيه وطلعله لسان خشب فـ بقه وبيتكلم معاه كأنه بني آدم حقيقي.. وطبعًا طار مـ الفرح لحد ما خبط فـ السما ورجع تاني.. المهم قعد يربي فـ الواد ويعلمه الصدق والإخلاص والأمانه والإيمان وباقي منظومة القيم العظيمه ديًا.. إنما الولد مكنشي راضي يكبر ولا يستوعب حاجه نهائي.. كان طفل على طول الخط.. دايمًا يعمل مشاكل مع الناس ويضرب العيال أو ينتش منهم البلي ويجري لما يرشق فـ الترونجلا أو يمنعوا التنضف فـ المثلث وكان بيشرب قهوه كتير كتيييير فيضيع الحديد اللي فـ الأكل وساعات ينط من فوق السطح على نقلة الرمله بتاعة الجيران فتتفعكش فييجوا يشتكوا.. كان طفل ابن تلاتين لذينه وعلطول يكدب يكدب.. كان كل ما ابوه يسأله عملت يابني الحاجه الفلانيه؟ يقوله لأ انا كنت بلعب فـ حالي ومعملتش حاجه دا هما اللي عالم وسخه ولاد كلب.. ولأن ودانه كانت صغيره وملزوقه لزق فابوه كان بيشده من مناخيره فتطول شويه.. حتى بعد ما ابوه مات واتدفن كانت مناخيره اتسستمت على كده.. فكان كل ما يكدب مناخيره تطول لوحدها تطول لوحدها.. تقريبًا حاجه تبع سكة الأرواح وعبادة الأسلاف والجو ده – فهماني دلوقتي طبعًا– لكن رغم كده الولد مكانشي بيبطل كدب ولا عمره زهق مـ الشقاوه... بس لما تيجي تفكري بمنطق شويه هو ما بيكبرشي ليه؟ هو مبيستوعبشي ليه؟.. تلاقيه معذور.. لأنه فـ الأول والآخر حدوده خشبيه.. مهوش من لحم ودم عشان يكبر ويستوعب أو يفكر زي الناس فـ اللي هو بيعمله.. وبرضـ....

- القصه بتوزيع جديد.. يسلام يسلام!.. مش ملاحظ انك جبتلي صداع ولسه بردو مفهمتش حاجه.. هو انت اسمك ايه؟
- بينوكيو
- لكن انا قلتلك اني مرفت! وكمان انت اللي كنت معترض على التنكر فـ الأول!..
- مفيش مشكله نهائي.. انتي ممكن ترجعي تاني سلمى حايك ولا كأن في حاجه حصلت...
- .......................

وبينما تتركني متضجرة، يكون الحفل قد بدأ...
*******
رحلة المجد

ركبنا– أربعتنا– ميكروباصًا من القاهرة إلى السويس، ثم أتوبيس– الشركة المحلية للنقل البري – إلى الأقصر، كان رفيقي بالمقعد المجاور هو شكري صراف البنك، فحمدتُ الله كثيرًا على ذلك، إذ هو بدا أقلهم رغيًا.. ألقيتُ عيني لوقتٍ طويل بالصحراء المسرعة على طول الطريق.. وكنتُ أفكر فيما سوف يحدثُ.. وهل إذا كان سيحدثُ يعني بالفعل حقيقة؟ أم أنه لن يحدث أبدًا مثل المرات السابقة؟...........
وحتى لو أنه كان يعمل جناينيًا ببلدية طيبة، وليس ملكًا أو وزيرًا، فسعر هذه الحجوم لا يقل عن العشرة/ أخضر، وبحساب أنصبة الوسطاء التي ستمثل عشرة في المئة من المبلغ السابق – وذلك كحدٍ أدنى لثمن الحتة – فسيكون نصيبي هو ربع المليون من الأخضر الشرير... يا إلهي!.. إن أول ما سأفعله هو مغادرة هذه المحلة الفاطسة من عموم الحياة المفكرة، والتلويح بكلتا يدي من نافذة الطائرة، ليس لأغراب الأرض بالطبع، فقط للأهرام وحارسها العظيم.
في نفسي سأعتذر من أبي الهول – هذا أنه الوحيد الذي لم يزل يؤدي مهمته بهذه الحضارة – عن كوني مشاركًا بإثم بيع الإرث، آملاً كونه سيتفهم الظروف الاضطرارية.
أيضًا سألوح للنيل الأبدي – كالنهر الإله – تلويحًا كالفرض، ولقد أرى شيئًا من المجاهيل الخضراء حد هذا الارتفاع. وتلويح لازم أخير لقناة السويس، ذلك أنها أول البحور، علمتني العوم والغرق... ولن تفرق معي نحو أي اتجاه سأمضي، إنما بالطبع عدا سرنديب الكئيبة يا أخي..........
ثم أتوقف ليلة ترانزيت ببرلين، فقط لأرى شتيفي جراف، وإذا ما كان هناك ضريحًا لجوته أم لا؟.. وليلتان بفيينا حتى أرى لمن كانت أسمهان تغني!.. وأخيرًا سأستقر لبضعة أيام بنيوزيلندا عمومًا، لتدخين بانجو الجليد، والذي كانت تصفه ماري كما يصف المحليون الزئبق الأحمر... فسأحيا جدًا بكل شيء.....................................................
أحب الحياة كطائر ثاقب البصر، لا يرتبط بموسم هجرة، وإنه حرٌ بالرحيل وبالرجوع، بالغقغقة والصمت، والأرض هذه "الأرض التراب" هي حية مقدسة، فلا خربة ولا مدنسة إذا هي أبدًا لا تشبه الأرض الغريبة "الأرض الخراب" ولا تستسيغ جفوة الجافي، فعنـدها لم يكن أبدًا.......... ومَن لها الأحلام غير الذي يحياها ولا يفزعه الجنون، فلا ترهبه سيرة الموت.................
... ثم و........... ماري... لقد ورد اسمها سهوًا مرهونًا بالبانجو.. لم تأت ببالي إلا كمثل مخدر!.. أين ماري الآن من قلب رأسي؟... اللعنة... لقد ضمرت كثيرًا مما يرهص بأنها لم تكن حينئذٍ هي المقصـ............

- على كده الموضوع ياخد قد ايه وقت في التنفيذ يا أستاذنا؟
- ساعتين زمن.. يدوب الفلوس تتحول لأي بنك في الاقصر.. وبعدين تتم الليله...
- بس دي هتبجى كمية افلوس كبيره.. ممكن اتخلي المراجبين بتاعوت مباحث الأموال العا...
- ياعم الحج دول ناس عارفين شغلهم كويس.. يعني محترفين مش عالم شِشنا.
- كنت عاوز اسألك عن تربـ.........
- متشغلشي بالك يا دكتور...
- .............
- ..............

كانت رأس غارب تعبر بشعلاتها الواطئة، فأوجدت بداخلي شعورًا فجًا بالشركة العظيمة تضربُ بالأجواء نارًا، ليذكر العابرين في أنفسهم ما انقضى من مدة إجازاتهم التي بدون مرتب.. كان شعورًا يجمع ما بين الاستياء والحنين. وكان الليل قد أظلم بصورة تامة، مما أوحى بالنوم إلى نصف الركاب تقريبًا، ولكن للأسف لم يكن من بينهم شكري صراف البنك.. ظننتُ أنه يريد مواصلة تساؤلاته التفصيلية عما سيجري غدًا.. فافتعلتُ النوم، بينما انشغل هو بمتابعة فيلم الفيديو المحلي المُبضن.........
وعندما ألقيتُ عيني من زجاج الأتوبيس في الليل، رأيتُ نجمًا يسقط.. نجمًا يسقط.. اللعنة... مازلتُ أعتبر أن مثل هذه الومضاتُ المتكررة هي نوعٌ من التأشير على شيء لا أعرفه.. ولكنني أصبحتُ لا أستفتي بها أحدًا عملاً بنصيحة الماوردي، وأبو حيان من بعده مصورًا، إضافة إلى عبارة ركيكة الصياغة قالها مارتن ذات مرة.. / فما لا يُدرك كله لا يُترك كله.. / وهناك قصة طريفة عن جرادة خضراء فاتحة حطت على غلاف أخضر فاتح لكتاب، فتماهت، وكنت أقرأ رسالة "يد" والتوحيدي يقول "إن الأمر في جملته مظنون" وكاد البصر يفتك بي.. أهي إشارة أم ظن؟؟.. / وإذا إنتَ بتحط موسادفات في ديماغك تيروح منك خاليس.......... اللعنة...

الموسيقى التصويرية تتخلل أذني بعد أن ساد الصمتُ، وأطفأ السائق تلفازي العرض، ومرتْ الغردقة كالطيف المنير.. هي موسيقى تصويرية بالتأكيد.. فأنا أتصور بينما تعمل الموسيقى بأذني... وبشكل واقعي كان هناك موسيقى تصويرية يا أخي.. لكأن الأوركسترا السيمفوني لقصر باكنجهام قد حل في مسمعيَ، كامل العدد والعتاد.. فكان التشيللو يقدم للأبواق.. والدرامز يُؤمْنُ على بقية مارش الاستقبال الملكي.. وبشكل أكثر واقعية كانت هناك كبسولة ميراج من ذات تركيز المئة قد سرحت بالدم إلى أقاصي الوجود..........

رِست في سفاجا .........................
رِست في نجع حمادي...............................
رِست في........................................
عطل في............................
نوم........................

*******
- ..................
- ......................
- ...................................
- What الذي تريدين قوله؟ أنا أسرقك!... (قال عاصم بمباشرة توقعتها ستتأخر قليلاً)..
- أنا التي ask you.. هل لديك تفسيرًا مقنعًا لوجود فارق كبير في السعر!.. (وقالت ماري بتعجب هادئ المظهر..)
- هناك أكثر من ten أنواع للأسمنت المائي.. كما يوجد بها المغشوش والـ original لقد قلت لكِ سابقًا أنني لا أتعامل مع أي مورد بالجنوب وأريتك فواتير الشراء الخاصـ.. (راح صوته يتدرج في الارتفاع، بينما ريتا تحاول تنبيهه بإمساك يديه بين الحين والآخر وتبدو مرتبكة جدًا...)
- سأقول لك خبرًا سيئًا Aasem لقد اتصلت بالشركة الموردة رأسًا.. والشيء الغريب أنهم قد أكدوا على أن النوع المستخدم في القواعد لم يصل إلى هذا السعر من قبل!.. إن الفارق هو ألف دولار في كل عشرة شكائر aasem.. تخيل هذا!...
- سأحاول.. لكنكِ also عليكِ تخيل أنني لم أقبض دولارًا واحدًا كسمسرة عن تخليص الأوراق القانونية للأرض، كذلك رخصة البناء...
- أنت رفضت أن تأخذ مقابل.. أتذكر هذا؟ أتذكرين يا Rita؟.. قلت أنها هديتكما بمناسبة أنني انتويت العيش هنا.. ثم أن المشكلة ليست في هذا.. أنت تراوغ كثيرًا ..Aasem
- I think أنه لابد من المراجعة.. لكن في وقت آخر.. (قلتُ، فرمقني بعين كارهة، ولكنني لاحظت امتنانًا طفيفًا في نظرة ريتا، بينما ستمضي لإحضار ولديها من غرفة لعب الأطفال بآخر المطعم)
- Ok.. غدًا.. عند البناء في التاسعة صباحًا.. سوف تسلمني الحساب الصحيح للمقاولة لمراجعته، وسوف ننهي التعاقد مساءً عند أحد المحامين في sharm.. ما رأيك؟
- Good.. (وأشاح برأسه جانبًا مشبكًا أصابعه) ماذا إذا قلت أن الأرض مملوكة لأحد البدو القاطنين بالجوار.. يدعى سالم رزيق المزيني.. رجل فقير جدًا ويرعى بالأجر.. اسمه مدون بصك الملكية الموثق لو تراجعينه جيدًا.. ماذا إذا طالبك بأرضه؟ سيكون ما فوقها ملكًا له accordingly!...
- عندئذ سأوكل محام من الـ Embassy British لفسخ التعاقد.. العقد به ثلاثة بنود اختلفنا حولها كثيرًا لو تذكر Aasem.. ومن الجيد أن المحامي لن يأخذ وقتًا في فهمه.. فهو مكتوب بالإنجليزية (لم تبهرني حصافة ماري، بقدر الفزع الذي طرأ على وجه عاصم)....
- على فكره المدام بتناديلك... (توجهت ريتا والولدين إلى الباب مباشرة، وبدا أنها غير قادرة على وداع ماري سوى بالتلويح من بعيد)...
- ................

لم يُعط ردًا عما إذا كان سيحضر في الموعد الذي قالته من عدمه، وانطلق مسرعًا في مشيته مما يشي بحدوث ذروة لاشتعاله الداخلي.. لقد بدا كلص يفر من بندقية صاحب بيت...ً
والمكان كاد يكون خاليًا في هذا التوقيت المبكر على تناول عشاء، كما أنه – تضامنًا مع الآخر– يتوجب إخماد الشهية في مثل هذه الأوقات الصامتة، وقد رأيت مزيجًا من التأسي والتألم يكتنف قسمات ماري، فشعرت بفظاعة المحليين جدًا...

*******
حديقة البناء الكبير

لطالما عشقت جمال مسارح الليالي المحلية، والتي ينصبها عمال الفراشة عادة بعرض الشوارع الرئيسية للمدن الصغيرة، متباهين أثناء العمل بكهربائيّهم الذي يُمسك فردة الأرضي بيده العارية، بينما هو يعلق الخطاف بعمود الإنارة، وبحفاري جورات الأعمدة الخشبية، يعمقونها مترًا للشهرة، أيضًا برقصة السلم على أنغام التسجيل الكبير، إذ العديد من عاملي السقف يتقنون رقصها جماعيًا...
إلا أن هذه الفِراشة المعدنية البراقة من الألوميتال والفيبر والجرافيت، وهذه الإضاءة المبهرة إلى أقصى درجة، من دون ضجيج المولد الاحتياطي.. هي أيضًا من الجمال بمكان شاسع.
لكنه ليس المكان شارعًا رئيسيًا بمدينة صغيرة، وليس ملعبًا بلديًا لكرة القدم قريبًا من الموقف و يصلح لإقامة الليلة. ولا هي قطعة أرض خالية داخل كاردون المباني ينتظر صاحبها حتى يرخص الحديد.. إنه مكان هيولي يقع بين الوهم والأرض، رغم أن كل الأمكنة تقع بين السماء والأرض. سحري إلى درجة الجنون، على أنه مهيب الحقيقة... حديقة البناء الكبير.

هذا وقد أصر المخرج المعقد إلى حد الاستحالة – والذي يرى مساعدوه أنه مريض بتلك الأجواء المهلوسة – على إقامة party تقليدي تمامًا – كحفلة تنكر – قيد هذا المكان الرهيب...................... فريد الوهمي

- ...............................
- ................................................
- لابد من الافتكاك. الاحتكام إلى حلٍ مرضٍ للجميع!
- من أنت؟
- علقت ههنا بالأمس ولا أدري بابًا بتلك الغرفة السوداء.
- لدي لك فكرة تشبه الحل.
- شيء غير النوم.. عساها تكون فكرتك.
- بالتأكيد.. ولكنها فكرة تحتاج إلى تمثيلها كي تنجح.
- ................
- .......................
- مركِز نفسك. تمركَز. اصنع بابًا بطول قامتك واخرج.
- .............................


*******


حلم العفريت الأزرق

كان عفريتًا، وكان أزرقًا – وأنا لا أخطأ في تمييز العفاريت عن بقية الجنة، خاصة بالأحلام، وقد صفق الباب ورائه بشدة بعد أن رأى قوس الثوم – الأسود من فرط تسوسه – يحاصر موطأ قدميه..
قدرت أنه سيرجع من إحدى النوافذ، فزدت من قبضتي حول القداحة وحفان البارود.. و..... مَن هنا؟... مَن أكون؟..... وكيف طفقت بالمنزل المهجور ذو السبعة قتلى هكذا بلا مقدمات، ودون المرور على الساقية المهجورة كذلك؟؟.......
أتمعن بالأشياء المغبرة، وأبصر جيدًا رغم الظلام الداهم.. مقاعد خشبية محترقة، وحلل وأطباق نحاسية مجنزرة.. هدوم مهترئة طالها الحريق أيضًا.. و...... ما هذه البعثرة؟.. أوراق.. قديمة.. قديمااااه.. أنا دومًا تأسرني الأوراق القديمة، ولكنني لن أتمكن من قراءتها إلا متحللاً مما يشغل يداي.. سأقترب بعيني من ورقة فلوسكاب مزدوجة وذات خط كبير متعرج كخطوط الأطفال – لن ألقي شيئًا مما يخيفه، ولن أدعه يمسسني لأصير ممسوسًا كصبحي السيد سنان الأسلحة – سأقرأ.. لن أقرأ.. فقط نصف دقيقة لأسترد أنفاسي، وليتعود بصري إضاءة لمبة الجاز – التي أنارت فجأة – وسأقرأ.. سأقرأ..
أنا سأقرأ: أنت الآن تحلم حلمًا مرعبًا.. لست مرعوبًا.. قلبك يحب هذه الثيمات بقوة.. سيغادر عُمّارُ المكان أستارهم بمجرد دخولك.. لابد أن تبحث عن شيء معين.. ستعرفه حين تجده أمامك.. لكن كن حذرًا من العفريت الأزرق فليس عنده ولاء لأحد من الملوك.. لن يرهبه الثوم والبارود طويلاً.. وانت عارف كويس هو مؤذي لدرجة إيه.. بالذات إنه لسه فاكرك من ساعة ما حبسته أسبوعين في بحر الظلمات.. خلي بالك إنك عندك مهمه قيد الانتهاء.. مش من المفروض تنشغل عنها بحاجه أبدًا.. بعد ما تخلص قرايه هتتسحب منك عنين الكشافين.. مكانهم تطلعلك عنين الإنسان.. يعني مش هتشوف غير الحاجه اللي بتدور عليها.. الأمر يتوقف على مدى سيطرتك على العتمه / أرواح الكلاب اللي هتلاقيها من كتر الشراسه بتعور أجسامها في الشبابيك المقفوله بعد ما يشموا ريحة عرقك في الهوا / خبط الحلل في بعضها البعض بعد ما العُمّار يبدأوا يرجعوا أماكنهم / طيران الورق المسحور حواليك.. حاول متخليش حاجه تخرجك عن شعورك.. إنت أدرى واحد بالأجواء.. التفاصيل الملعونه.. مخاطر عدم وجود موسيقى تصويريه غير الصفير المتقطع.. دلوقتي إرفع راسك ببطء متعمد.. عند آخر كلمة سوف تصطدم به وجهًا لوجـ......

كان عفريتًا.. وكان مخيف الزرقة.. لم أبصر غيره بالسواد الداهم عقب انطفاء لمبة الجاز بأنفاسه الضخمة.. كان بكامل هيئته وشكاته.. من عينين كجمرتين تذويان خاليتا الأحداق.. ومخالب طويلة زرقاء معقوفة.. و...

- و... ماذا تريد يا أخي
- أمانك يا أخي...
- حبستني من قبل بالظلمة
- أخفتني...
- حضرتني
- صرفتك...
- عزمت حبسا فلم يكن صرفا
- لم أكن أريد إيذائهم.
- من هم
- لا أعرفهم.
- والآن
- لا أدري...
- ..............
- ...................

فلما استيقظت، استعذت بالله من الشيطان الرجيم، وتوضأت في رِست قـِفط.. داعيًا في السجود، أن احمني يا رب من نفسي، ولا تسلط عليّ من لا طاقة لي به وأنت خير المغيثين.


الثامنة صباحًا

- باشا.. صباح الفل يا باشا (عبد الرؤوف، وشكري صراف البنك، والدكتور مصطفى، يطرطقون آذانهم إلى مكالمة الباشا، وقد أصابهم الاستيقاظ بمقتل من الواقع)...
- صباح الخير.. وصلتو فين؟
- لسه داخلين الاقصر سياتك حالاً..
- أنا بقالي ساعة في انتريه الفندق! كده بقى شيء فوق الوصف!..
- عذرًا يا باشا.. الأتوبيس هنج شويه في الطريق.. بس احنا خلاص كده نعتبر في الموقف سياتك...
- .........................
- ...............

بانتظارنا كان ميكروباصُا يقوده أحد أقرباء عبد الرؤوف.. شابٌ كالح اللون ويرشح الفقر من وجنتيه – هكذا ببساطة – حثثته على الإسراع بلهجة جعلها تقريع الباشا آمرة.. لكنه لم يُزد من قدمه على البنزين ولا سِنة إضافية، بل وزغر بوجهي عندما كان ينفخ شريط الكاسيت ويخبطه بالمقود.. نظرتُ إلى عبد الرؤوف ففهم – فيما كان لابد أن يفهمه وحده من دون نظرات– وقام باستحثاث قريبه بكلامٍ جنوبي غليظ.. فطار الأخير بنا آكلاً الطرق الداخلية أكلاً.. وعلى الجانبين كانت زراعات كثيرة، وأناس قلائل.........

أمام فندق حور محب – الذي يُشبه وحدة محلية من ثلاثة طوابق– يقع معبد الرمسيوم.. وعندما رأيتُ الماعز تسرح بين أعمدة الرواق الخارجي للمعبد، أقسم أنني تأسيتُ جدًا– وبدوتُ صائرًا كالأسى بذات نفسه– إنما لا وقت الآن للتاريخ، وقد صرنا على مبعدة نصف ساعة من بيعه...
نزلتُ من الميكروباص وأصر ثلاثتهم على مصاحبتي إلى داخل الفندق – للتصبيح على الباشا – فلم نكد نقترب من البوابة حتى ألفيناه خارجًا، وكان معه رجلان آخران من الفئة البهوية الوجه، ولكن في ملابس عادية جدًا...

- اللي بيحصل دا تهريج.. الساعة تسعه إلا ربع واحنا معادنا هنا تمانيه!
- يا باشا الأتوبيس هو الـ....
- أنا مليش دعوة بالأتوبيس عطل.. الأتوبيس اتنيل.. كنتو تتصرفوا يا فريد..
- متأسفين سياتك يا باشا....
- دلوقتي إنتوا ليكوا عندي ساعتين نتمم فيهم الحكايه.. بعد الساعتين ملكوش عندي حاجه..
- ............ (أمن عبد الرؤوف بإيماءة مرتبكة على المعلومة الأخيرة، وأراد الدكتور مصطفى قول شيء فتلجلج، فصمت، في حين كان لون شكري صراف البنك ينزع إلى الزرقة، وليس الصفرة)...
- حتمشوا ورا العربية بتاعتنا لغاية السرجه.. ومن أول السرجه احنا اللي حنمشي وراكوا.. تمام؟
- تمام يا باشا.

اندهش شكري صراف البنك من أن السيارة التي سيركبها جمع البهوات كانت من نوع البيجو504.. فأرحته أثناء هرولتنا عائدين إلى الميكروباص بقولي: لكل مقام مقال يا أخ شكري.. مش معقول يعني هيخشوا على قريه صغيره زي السرجه بالـBMW الفئة السابعه.. قلتلك قبل كده دا شغل محترفين...

تركتُ لهم مهمة إيضاح تعليمات الباشا للسائق، وأزادوا لأنفسهم بإيضاح حق الباشا في "ثورته" فصارت أنها "استعجاله الخير".....
لم تكن لديّ أية رغبة بالكلام، خاصة مع سذاجة الأسئلة الصباحية للدكتور مصطفى، وانبهار عبد الرؤوف الغبي إزاء كل مايسمعه من أفكار وتخمينات.. لذا فقد أعددت كاميراتي الذاتية، وجهزتُ نفسي للمراقبة.
بينما عادت الموسيقى التصويرية تملأ أذني مرة أخرى بشكل غرائبي، ولكنه مسموع.. ولقد ظللتُ مشغوفًا بهذه التجربة الجديدة ذات الأصوات الحقيقية، الحية، مشتغلاً عليها تحليليًا بما ترسب من الميراج في الدم...
وعندما لاح الكمين انتهى كل شيء، واعتدل الجميع في جلساتهم.. وأبطل محرك الميكروباص عدة مرات من السائق– كالح اللون– نتيجة لتوتره البادي على ما يظهر لي من وجهه الذي حببه العرق.. هذا ما جعلني أستنتج أنه كمين متحرك من النوع الذي يطرأ فجأة كالمصائب، وليس كمينًا ثابتًا كان من الممكن تفاديه بالالتفاف من طريق فرعي حوله.. مِلتُ على عبد الرؤوف هامسًا بأذنه: السواق عارف تفاصيل؟ فأومأ لي إيجابًا.. حينئذٍ لا أعرف ما الذي جعلني أتذكر نكتة محلية قديمة، حول نية شراء طلقة بانجو وعشرة جنيهات ممزقة...

مرتْ سيارة الباشا ببضع كلمات سريعة للضابط، بينما أخذت رخصة الميكروباص عدة دقائق للتفحيص ما بين الأمناء غريبي الأطوار، فأحدهم كان يضحك بشدة من الاسم الأخير للسائق، وآخر يلصق وجهه بالزجاج محاولاً تبين الوجوه، وثالث عابس جدًا يُحملق بالفراغ..............

حوار مع الكاتبة اللبنانية د. عايدة الجوهري حول مشروع الدولة المدنية العلمانية وأوضاع المرأة في لبنان
حوار مع د.سامي الذيب حول الأديان ومعتقداته الدينية وطبعته العربية وترجماته للقرآن والقضية الفلسطينية