-الجامع- الأغريقي

سعود سالم
2022 / 6 / 23

أركيولوجيا العدم
العودة المحزنة لبلاد اليونان
١ ـ "الجامع" الأغريقي أو الأغورا

لا شك أن السؤال الأول الذي يتبادر إلى ذهن القاريئ هو لماذا ظهر الفكر الفلسفي في اليونان أولا بدلا من أي مكان آخر ؟ لماذا لم تنشأ هذه الظاهرة الفكرية في روسيا أو الهند أو الصين أو في مناطق أخرى من أوروبا أو في بلاد العرب ؟ لماذا نشأت الفلسفة في هذه المنطقة بالذات من العالم دون غيرها من بلاد الله الواسعة ؟ الإجابة على هذا التساؤل الأولي، قبل الدخول في التفاصيل، لا علاقة لها بالجغرافيا ولا بالتضاريس ولا بالطقس الجوي ولا بالشمس والبحر أو الرياح والعواصف، كما يقول هيجل ساخرا من الذين يتبعون هذا التفسير الطفولي " إنهم الأتراك الذين يعيشون اليوم حيث كان يعيش اليونانيون في السابق ". الجميع يتفق على أن الفلسفة إنتاج محلي باللغة اليونانية، أما أسباب ظهور الفلسفة فلها بالتأكيد علاقة باللغة، غير أن ذلك لا يكفي لظهور فكر جديد وميكانيكية عقلية تختلف عن الميكانيكية الدينية والميثولوجية والتي كانت متواجدة ومزدهرة في العديد من المجتمعات وفي أغلب الثقافات.
بعض المؤرخين يؤكدون على أن الفلسفة ظهرت حقا في اليونان، ولكنهم يحصرون هذا الظهور في " المدينة اليونانية "، وهو تحديد له أهمية قصوى في فهم هذه الظاهرة. لأن المدينة اليونانية في ذلك الوقت كانت تحكمها طبقة معينة من الشعب اليوناني، وكانت إدارة أمورها السياسية والإجتماعية والإقتصادية والفكرية تقوم بها نخبة من الطبقة الأرستقراطية الغنية، بواسطة إنتخابات ديموقراطية. وإدارة المدينه بهذه الطريقة "الجماعية" كان كفيلا بأن يجعل الجو الإجتماعي والسياسي والفكري يختلف إختلافا جوهريا عن المناطق أو المدن التي يحكمها الملوك أو الأباطرة بالوراثة أو بقوة الجيش والسلاح. حكام المدن اليونانية، كان أغلبهم يخضع لضغوط المجتمع ولأصوات الناخبين ولبرامج المرشحين المنافسين، وإن كانوا جميعا من نفس الطبقة ويدافعون عموما عن نفس القضايا الإجتماعية أو السياسية، وهذا النوع من الإدارة ألعقلية أو بالأصح الإدارة البراجماتية، كان حافزا لإنفتاح التفكير وإنتشار الجدل والحوار، وتحرر المثقفين والعلماء واستقلالهم عن الطبقة الحاكمة، وكذلك ساهم في عدم خضوع الطبقة الحاكمة للسلطة الدينية وتحررها من براثن ممثلي الآلهة ومنظروا الفكر الديني. بالإضافة إلى أن مركز الحياة الفكرية والسياسية في المدينة اليونانية كان هو ساحة المدينة، أو ما يسمى بالأغورا
‏The agora - ἀγορά وهو في البداية كان يمثل سوق المدينة الشعبي وتحول تدريجيا إلى ما يشبه البرلمان. وأغورا تعني بكل بساطة ألتجمع أو "الجامع" وهو المكان الذي كانت تتداول فيه وتناقش كل الأمور السياسية والحربية والفكرية والروحية للمدينة بطريقة مباشرة وبين الجميع. مما أدى إلى جعل اللغة والخطابة ذات أهمية قصوى في مثل هذا الجو من التنافس والحوار والجدل النظري، حيث اللغة هي السلاح الوحيد للإقناع وجلب الإهتمتم وإلقاء الضوء على قضية من القضايا وكسب تأييد الأغورا لأولويتها على القضايا الأخرى، ودفع المجلس لإتخاذ القرارات في إتجاه معين والدفاع عن مصالح مجموعة دون أخرى. وكان من الضروري، ومن الطبيعي أن تتطور فنون الكلام واللغة وتتحول إلى علوم مختلفة الفروع لها متخصصين وباحثين وعلماء، مثل المنطق والديالكتيك وفن الخطابة ..إلخ. وأصبح من الضروري لكل رجل سياسي أو يطمح لممارسة السياسة أن يتعلم وأن يكون ملما بهذه العلوم والفنون. وهكذا نرى أن هذا العلم الذي سمي بالفلسفة فيما بعد، كان منذ البداية فكرا جماعيا ولا يعني فقط فئة محدودة من المواطنين، لأنه كان نشاطا عمليا فرضته ظروف التنظيم السياسي والإجتماعي للمدينة، والذي كان قائما على جماعية القرارات المهمة لمصير المدينة.

يتبع

حوار مع الكاتبة اللبنانية د. عايدة الجوهري حول مشروع الدولة المدنية العلمانية وأوضاع المرأة في لبنان
حوار مع د.سامي الذيب حول الأديان ومعتقداته الدينية وطبعته العربية وترجماته للقرآن والقضية الفلسطينية