في ذكرى عبور الشاعر رحيم الغالبي لجسوره الطينية

فرات المحسن
2022 / 6 / 23

في الثامن عشر من حزيران عام 2011 وبعد وقت قصير من إصداره لديوانه الشعري المعنون (جسر من طين ) ودعنا ورحل في حادث مأساوي الشاعر الشعبي رحيم الغالبي ابن الشطرة البار، فلذكراه الخلود.
كان رحيم ينبثق جواري كل صباح ليرافقني ونتجاذب حديث المحبة والألفة. ضحكة بريئة كأنها صادرة عن طفل، ودقة في التعبير وذكاء وقاد، وحافظة أعجز عن مجاراتها. أربع سنوات كانت كل ذلك العمر الموشى بندى الحشائش وطراوة الروح، ما افترقنا فيها سوى عطل الدراسة.
صبواتنا، ألق محبتنا، هواجسنا، مرحنا، شدونا وقوة شكيمتنا، وأملنا بأن مسيرتنا تمشي الهوينى نحو مرافئها الفسيحة المزركشة بضوء الأقمار. لن يثلمها القبح وأن القادم هو المسرة والوطن الحر.
ما كنا لنعرف أننا مشبعون ببكائية تتوارثها الأجيال، وأن أحلامنا محشورة مضنوكة لحين، في مجمرة تتقد بها الأرواح وتضج بالدم القاني، فتتوقف نقطة الزمن الرجراجة ويباغتنا الشر، ونحن بعد لم نعب ضحكاتنا، ولم تكتمل نشوتنا، فنصمت وتمتلئ صدورنا قيحاً وصديداً.
ما كنا لندرك أننا كالمسحورين نردد حزنا ونتوعد أرواحنا بأن الزمن سوف ينفصم وتنفلق نواته إلى شطرين لا ثالث لهما.. ابدًا لا ثالث لهما. حزن العراق حزننا نحن الذين أردنا له السعادة والحرية والفرح، وما لقينا أبدا في دروبنا غير البكاء والنواح، كأنه عاصفة قدر لها أن تلفنا، مثلما قدر لنا أن نكون دائما في جوفها. معادلة ظالمة بقدر قبحها. هدت فينا أحلى سنوات العمر.

أليمشي بدربنه شيشوف يا أبو غيث .. لو موت لو سعادة.

وأنشطر الزمن عنوة لتستباح وتقتل زهورنا، وتخمد ضحكاتنا ويتلوث البنفسج، ويتوقف صوت مزاميرنا وطرطشة الماء وكركرات الطفولة، وتندفع الضباع تنهش كل تلك الصباحات البليلة، وتحيلها عتمة قست وقست لتجف في مآقينا تلك الالتماعة، ويختفي ذاك البهاء، وتهرب منا الكلمات ونلوذ وراء صمت أشد وجعا وظلمة من عالم المكفوفين و الصم والبكم.
ولكن لم تكن لتختفي من خاطري صورته حين يعود من مدينته ويستقبلني بوجه فلاح لوحته شموس الشطرة وتباريحها. كانت ابتسامته تحيله لطفل مشاكس فيبدو وكأنه أرق من نسمة وأفصح من فاخته.

اجيتك ارد بالوحشه...مهر
كالولك نهر يمشي عكس ممشاه
جي ضيّع مصبه وما بعد يلكاه
اكول الهم :
نهر ... من يرجع بشوكه
يغمك بالعشك مجراه
بحلم باجر يبوسك ،
يدفه باللذه...
تطيح الوحشه كلها اوياه

ولكن صاحبي وعلى غفلة عافني مثلما تواعدنا على لقاء، وعفنا سوية رائحة الياس وجلسات النادي الصاخبة، ورقة وحياء دكتورة حياة شرارة وضفائر الأستاذة ألف تينا وحيوية دكتور سلام شهباز وطيبة وأريحية دكتور ضياء نافع، وضحكات الفرح وجدل الكلمات وأشعار العاشقين وجدائل الصبايا.
ذهب نحو طراوة الغراف وخرير ماء البدعة، يلتحف بهما ويعب منهما رحيق كلماته، وقعدت أنا أتملى سماء الوحشة ببلاهة الثكالى. ورقدت سنواتنا في المتاهة.
كان رحيم الغالبي ينصت في خلوته دبيب الحياة، كمن يترصد اللون حين يهبط مع جاري الماء، يجيس بروحه بين قطراته، يتلمس بأصابعه فورانه ثم يلملم قوس قزحه ليصيره لوحة. إنه صياد اللحظة، المتلذذ أبدا ببهجتها.

هواجس روحي
نور وضي ..
مشه ألحايط ..... وظل الفي..!!!
عبرت اشكد
سواجي وياك...
عافتني الجروف..
وثبت بس المي !!!

ولكنه يتعلق بكل العمر الذي يتسرب من بين الضلوع كما الماء، يهرب من بين الأصابع، يمسكه ولكن... تظل كفه خاوية تمسك الفضاء، يتلمسه فيشعر بالخذلان للفراغ المكين الذي يحيط به. وكأن رجع سنواته الماضيات هي الفي الراكد المخادع وليس الحائط .

ما حسبالي..
ورد الليل
ألكه ألصبح .. بس * خرنوب *
..جم مره ؟؟
جم مره ...كسرنه العمر
من نصه ؟ أبمعزه نتوب !!!
جم مره ..
نحط ألعين :
... بجفوف الزغار... أنريد بس مكتوب !!!

بجفوف الزغار كان يبعث رسائله بعذوبتها المطرزة بالماء الرقراق، يُحمَلها حلمه وشغفه ببريق أخر لسماء صافية وأمل مرتجى. يراوغ ما يواجهه من صيهود روحي يجعله يتخبط بإحساس مفرط بالغربة، لذا تراه يستخدم لغة مشاكسة تلعن الواقع وتحيله لما هو هلامي غير ملموس وغير واقعي. تتحول الأشياء لديه إلى صور مقلوبة تفزعه، ولكنه يقاربها ولا يملها فيفرط في توسلاته وأمانيه التي يحلم أن يعود معها كل شيء لسابق عهده، حين كان يبث لواعجه بطمأنينة يستكين بها عند رفاقه وأصحابه وطيبة ناسه.ولكنه أبدا يستيقظ مكسورا من وجع غربته عن عالم اختلف معه وفيه، وهربت منه طيبة الناس وألفتهم.

مشت ليش الشوارع ؟
ظلت الخطوات..تتخبط بغربه وهم
كمت اتطشر و التم ...!
فتحت الكلب طلعت الاسرار البيه....
..... شفناها ، جذب مديوره دايرنه ..

الحب عند الراحل الغالبي رحيم ليس لحظة تمر عابرة، وليس فقط طقس وجداني يخطر بالروح فينفض في جعبتها شجنه ولوعته. إنه حب أخر يجمع حشد من أطياف وأحلام وألوان ووجوه تلتف الفة ابتساماتها حوله. أنه الحب بطعم وشذا لا يمسكه غير قلب رحيم وروحه المعلقة في تلك الشموس، التي تآلف معها أبدا فبدت تسكنه دون فكاك، ويشعر نحوها بالذنب وبما يعادل الحب. يتعذب ويتوجع لأنها عافته مثل أيام سفر، لم يبق منها غير مسمى ريل ومكان مقفر وعبق ثياب وأشباح صور. وإن هجرته تلك الأيام فهو يشعر بالذنب يثقله، لأنه ما كان يستطيع الإمساك بها و الحفاظ عليها. ولذا فهو يعتذر حتى من الصبر، كونه لم يملكه لحظة المحنة ، وقبلها يعتذر من الظل ( الفي ) رغم أنه الرديف المخادع للمكان والشخوص. وحتى اعتذاره يحمل نكهة المنتظر.

هاي اسنين
تاكل عمري
دوب ادوب
ورد ألنرجس بروحي.. مثل صبير
يرسم عالضمير اذنوب..
.... ذبنه ، ومثل ثلج أيذوب
تبنه... ونعتذر من الزمن
والفي....
ومن * أيوب *

ما انفك رحيم الغالبي بترافة روحه، يصارع زمنه الذي أعطاه ظهر المجن وعافه في غربة ووحشة وتوحد، يتلمسه جرحا يعاقره كل يوم، دمعته رقيقة تتلوى لتحفر في شغاف القلب وجع الأمس، الذي رقد في روحه دون رحمة، ليجد بعد ذاك أن أشياء كثيرة قد هربت منه، وأن ناسه وصحبه راحوا دون وداع. فرح الأمس وأصوات الضحكات وقرقعة الكؤوس والنقاشات الحادة والمستكينة، وأوراق تتخفى بتحد وبسالة تحت جلد الحقائب، كل ذلك انفرط دون أن يجد لهجرانه جواب.

رحيم يخالط بذكاء وحرفة بين ثلاثة أشياء، يمسكها بإصرار ويمسد بها روحه، لتنطلق قريحته فترسم دمعته ألوان لوحة عامرة، تعبق ببديع الكلم ويعلو صوتها رغم همسه. لوحة تجمع قبل كل شيء ترافة وبسالة أبناء أور الخالدة. وبوعي لملمه من خبرة طويلة بالأحداث، يفجر لوعته بوسم المحيط بالخراب والغرائبية، يدينه ويستنكره لأن الأشياء فيه اُستبدلت، لتنقلب معادلة الخير التي يواددها الغالبي دوما ويركن إليها، إلى صور مشوهة معكوسة ملوثة.

فكتني ألسوالف باب أشوف ألناس
شفت سعف ألنخل مدفون وسط ألطين..!!
و سبّاح ألنخل
ليفوك..
هوّ ألشايل ألراس ..
وشفت خرسان، بس هيّ ألتغني
و كاضّه ألاعراس
وشفت عميان....
يقرون بتعاليم .. ألنبي، بأوراق سود
أثيابهم بيضه، و أيصفّك وراهم ..
واكف ألفحّام . . !!!
ويتساءل أبدا بكلمة وين، وين تمتد موجوعة في الفضاء الفسيح... إنه جمع الأنين بالآه .. البحث عن الحنين المخلوط بالتعب.. انفلات العمر... وجع من وقاحة وقباحة يتبرع البعض بها لنهش جسده.. تراوده الوجوه الطافحة بالحزن وصدى ضحكات المحبين ورايات الأمل التي حلم بها، ترفرف مثل أشرعة تذهب نحو الشمس.
كان رحيم يتنفس الشعر ويجد روحه المعذبة تستكين عند حوافه الموشاة بكلمات يدبجها من شغاف قلبه، ليضمها إلى صدره مثل حمامات بيض، يفلس لها ريشها ثم يطلقها سابحة في فضاء شفيف. دائما هو الباقي عند فرحه الطفولي العامر بالخسارات .

من أسنين . . .
ويايوم من أرد لهلي .
طعم بوسات . .طعم التين
غركانين
ومامش ماي جوّانه...!!
أعثر لون بحلامك : أرد أزغير
يمه وفركه كتلتني
و لا كذله....
وتحرّك ماي راكد .. بالنواعير....؟!
وييييييين ...؟
وين ألكه مهر وأيدير ناعورك ...!!
. . يحنن كلبك أعليّ
وجديد اتصير....
يرجع
عمري
وآنه ..أزغير

وها هو يعود ليلملم خيوط وشيعته ويعاود حلمه، مسكونًا بوطن وسعه عراق، وأصحاب يخاطبهم رغم النأي ووحشة البعاد. يجمع ما أنفرط من خرزات عقده ويروح يشدو، وبدأب وعزيمة يدق ركائز جسور طينية جديدة، تتلمس أفق الحياة الممتد نحو سماء تتوشح ببروق خلابة تبهر الأبصار.
يا صاحبي رغم ما بات عليه شجر الياس في حديقة كلية الآداب قسم اللغات من يباس، فإن ود الصحبة والرفقة وضحكات وفرح شباب وقصائد وأمل لقاء، ذخيرة نحتفظ بها لعهد ربما كنت تتمناه أنت ولم تنله وودعته مبكرا جدا. أسمع صوتك وهو يعلو منشدا يستدعي بريق وألق شذا البساتين، ضحكاتك الطرية وهي تتضمخ برذاذ الطلع حين أمسية بليلة جلسناها عند حافة النهر في أبي نؤاس، جيوبنا خاوية وصدورنا عامرة بالحب وأصوات أغانينا ترتطم بوجه الشط فترتد نشوة وطراوة. زمن ربما تتجدد فيه الآمال وتورق نجمات توشم سماء العراق بوميضها المبهر. لنتأمل ونحلم ونرفع فرشاتنا ونروح نخط ألوان محبة فوق جسرك الطيني المدهش الذي امتطيته وعبرت فوقه ورحلت بعيدا عنا.
ولتكن استراحتك عند بدعة الخير وتحت ظل تلك السدرة الخالدة. أذهب نحو طراوة الغراف وخرير الماء ، تلحف بهما فكلماتك رسمت فيهما ما لا يمحى واستوطنت أرواحنا رغم قليلها الذي ما لحق ليكمل عدته.

حوار مع الكاتبة اللبنانية د. عايدة الجوهري حول مشروع الدولة المدنية العلمانية وأوضاع المرأة في لبنان
حوار مع د.سامي الذيب حول الأديان ومعتقداته الدينية وطبعته العربية وترجماته للقرآن والقضية الفلسطينية