تســـــامح بلا قيود الجزء الأول

ربحان رمضان
2022 / 6 / 23

ورثت مع إخوتي ماتركه والدنا محمد أديب رمضان " رحمه الله " الذي توفي عام 1980 عن عمر بلغ ثمانون عام ، فبعت حصتي لاشتري بيتا في الحي الذي ولدت وترعرعت فيه .
والدتي اختارت مشاركتي به ، اشتريناه مناصفة وبعد فترة قصيرة وبمشورة خالتي مريم البرازي باعتني حصتها فيه وكتبت لكل ولد من ابناءها مايساوي سعر الحصة التي باعتني اياه يومها ..
بيتنا الذي اصبح بيتي فيما بعد ، جميل .. أحببته لأنه في الحي الذي ولدت به وتعرفت به على اصدقائي ورفاقي الذين ناضلنا معا فيما بعد ..
ورثت عن والدي اراض زراعية في حرستا القنطرة التابعة لبلدية دوما في محافظة دمشق ، واراض زراعية في قرى سويسة – عين التينة – الهجة – قصيبة في محافظة القنيطرة رحت ابيع حصص منها لأعمل بها تاجرا للبيوت ، حيث اشتريت بيتا في المزة اوتوستراد وأخر في قدسيا حصلت عليه عن طريق الاشتراك بشركة النقل الداخلي ، واشتريت بيتا آخر في حرستا البصل ، ودكان قريب منه ..
وكنت لا ازال نشطا في حزبنا حزب الاتحاد الشعبي الكردي حيث كنت يومها عضوا في لجنته المركزية ولهذا فقد اوليت نشاطي السياسي اهتماما اكثر بكثير من عملي الشخصي ، وبالرغم من محاولتي تقليل استضافة الرفاق والناس لم يكن بيتي شاغرا بدون ضيوف ابدا .
ذات يوم زارت والدتي صديقتها ( ابنة خال والدي ) السيدة يسرى رحمهما الله ومعها ابنها ( أبو باسل ) الذي كان صديق طفولة قبل ذلك بثلاثين عام .
فرحت للقاءه بعد تلك الفترة الطويلة واستضفت صديق آخر معنا وقضينا سهرة أكلنا فيها وشربنا ماوجد في اطراف حديث عن الحال والأحوال ، ففهمت منه انه كان يعمل في العاصمة اللبنانية بيروت وانه قرر العودة للعيش مع اهله في دمشق ..
سألته عن العمل التوى وقال : " والله معي عشر آلاف ليرة ، لو حدا بيساعدني بعشرين الف منشتري سيارة وبشتغل عليها بالنص ."
قلت له : لاعليك ، " .. شوف شي سيارة وانا بكمل لك المبلغ .. " واستمرت سهرتنا حتى وقت متأخر من الليل ..
بعد ايام قليلة ، وكان اليوم " جمعة " طرق بسام الباب ففتحت له مستبشرا .. وقبل ان يكمل شرب فنجان قهوته سألني : ( انت عند كلامك ؟ )
قلت له طبعا ، قال في سهرتنا قبل يومين قلت لي انك ممكن ان تكمل ثمن سيارة اعمل عليها .. قلت له : وهو كذلك ، قال اذن سأذهب سوق السيارات اشوف سيارة نترزق عليها ، قلت له روح وانا عند كلامي يا ابن الخال .
بعد ساعة تقريبا طرق الباب ثانية ، فتحت له ومعه رجل ستيني العمر يحمل دفترا ورزمة اوراق عرفت فيما بعد انها اوراق السيارة .
بادرني بسام بالكلام ليقول انه اشترى سيارة الرجل الذي لا يسعفني حظي في تذكر اسمه ، وتابع يقول : " أخي اشترينا السيارة باثنين وثلاثين الف ، ثلاثين ندفعهم الأن والفان سندفعهم عند الفراغ " ، السيارة سجلها باسمك واطمئن .
قلت له : على بركة الله ، ودفعت العشرين الف ...
مضى شهران كان يزورني ابن الخال خلالهما ، لايذكر مايحدث معه .. وانا اتجاهل سؤالي له عن الوضع معتقدا انه يجب علي تركه يجمع قليل المال لقاء عمله وفيما بعد سيحاسبني بالتأكيد .
اتصلت بي خالتي أم حسان البرازي تقول بانها ستزورنا في صباح عيد الفطر القادم ومعها اقرباء والدتي من حماه ، يومها مررت على ابن الخال لأخبره بأني مشغول هذا اليوم كي لا يتصل ولا نتزاور حتى بعد الظهر .
هنأته بالعيد ، شربت فنجان قهوة ، وحملت سكرة وذهبت الى البيت . قبل أن أغادر المكان لفت نظري وجود شاب عنده في البيت وكان ابن الخال يسكن يومها مع اهله في قبو قريب من بيتي ، عرّفني على الشاب واعتقد ان اسمه احمدا ، قال ان احمد سيعمل هذا اليوم على السيارة ، استغربت ، استنكرت ذلك ، لكنه تابع حديثه قائلا : انا اليوم سأرتاح قليلا ( وخللي احمد يترزق شوي ) .
عدت إلى البيت ، كانت يومها والدتي رحمها الله منهمكة في استضافة اختها أم حسان وكانت تصطحب يومها قريبة لها مع اولادها ، سلمت عليهن وركنت في غرفتي اتصفح كتابا من كتب رابطة كاوا الكردية ولم تمضي نصف ساعة إلا وجرس الباب ُيقرع ففتحت والدتي الباب وإذ ببسام يسأل عني .. اعتذرت وقالت له كما رجوتها ان تقول على انني مشغول ، الحّ عليها فاعتذرت وأغلقت الباب .
ايضا بعد عشر دقائق ُقرع الجرس ففتحت والدتي الباب وإذ ببسام ذاته مرة أخرى يسأل عني ، فأجابته بنفس الجواب واعتذرت وأغلقت الباب ..
حينها انشغل بالي وخاطرني شك ، توجهت نحو بيته لأعرف سبب الحاحه على مقابلتي ..
استقبلني ووجهه يعلن أن أمرا جليلا قد وقع .. سألأته فقال : ( الشاب الذي أخذ السيارة صدم ثمانية أطفال قرب ملعب الميسات )
وهل سلّم نفسه للشرطة ؟ سألته بلهفة أجابني بالنفي وتابع اثنان سالمان ثلاثة بالمشفى واحد ببيت اهله ، وبنت في مركز العناية المركزة ، ( حبذا شي دكتور من رفاقك يخلصنا منها ) .
قلت عفوا هذا خلام غير منطقي ، السيارة باسمي وغدا ستلاحقني الشرطة في جرم لم ارتكبه ، ارجو ان تخبر صديقك أن يسلم نفسه للشرطة وإلا أنا ستقبض علي ّ الشرطة ، قال : ( خلينا نعالج الموضوع بشكل ماحدا ينضّر .. )
ولك شو ماحدا ينضّر ؟ أنا بعلق ، السيارة باسمي ، هكذا اجبته .. وتابعت خلينا نروح عالشرطة ونبلغ عن الحادثة هذه مشكلة كبيرة أنا اللي بيعلق فيها ..
بعد جدال قلت وقال اتفقنا ان نخبر الشرطة ونقول ان السائق سيسلم نفسه قريبا ..
توقف ابو باسل وقال : لكن .. السائق يشترط ان نعطيه الف ليرة سورية ليؤمن نفسه كي يسلم نفسه ، وافقت على الفور وقلت له تفضل .
ذهبنا إلى مركز للشرطة المدنية وابلغنا موظفا هناك ، كتب الضبط وسألنا عن السائق فأخبره " ابو باسل " عن اسمه وعنوانه وعن كل مايعرفه عنه .
في اليوم التالي سلم الشاب نفسه وأعدنا السيارة ، أما البنت المصابة فقد خرجت من المشفى وتعافت .. هكذا قال ابو باسل " انها تعافت " .
جاءني الى البيت وطلب مني اجرة تصليح السيارة ، ايضا استغربت منه ، قلت له : ( يا ابو باسل ، شهرين وانت تعمل بالسيارة ، وانا دفعت الأف ليرة لصديقك ، قم انت بتصليحها ) قال : " مامعي .. خليها مرمية حتى تتصلح " ، قلت له دعنا نبيعها يا ابو باسل ، قال: خلينا نصلحها وسنبيعها .
دفعت ايضا اجرة التصليح آملا أن نبيعها واتخلص من شراكتي معه .
بعد يومين جاءني وطلب مني المساعدة ، ماذا تريد يا أبو باسل ؟ سألته فأجابني " السيارة بدا روداج ، وانا لحالي مابقدر اسوق الف كيلو متر ، بدك تساعدني " .
وافقت على مضض ، واصبحت اسوقها يوميا ساعتان على طريق مطار دمشق الدولي والقرى القريبة منه ، وعندما انتهينا من " الروداج" كررت اقتراحي له ببيع السيارة ، أجابني " خليني نترزق عليها شوي وسنبيعها) .
تناوبنا السياقة ، ساعتان لكل منا يوميا أو اكثر ولمدة شهرين او أكثر ثم ، ثم اقترحت ثانية بيع السيارة لأني غير مستفيد وعلي فقط دفع اجرة تصليحهاا .
أجابني : ( خلينا نترزق عليها هالشهرين ، بلكي نستطيع تعويض خسارتنا ) وانتظرت على مضض ..شهران بالتمام والكمال لم يتصل بي في اسبوعهما الأخير فذهبت اليه في بيت اهله لأطمئن عليه وعلى عمله في السيارة .
فتح الباب وسألته معاتبا " ( وينك يارجل مالك مبين من مدة ؟؟ !!) أجابني : ( قول الحمد لله على السلامة .. فوت .. فوت لأحكيلك ) .
دخلت غرفة الضيوف منتظرا أن يقول الخبر .. ( خيرا إن شاء الله ابو باسل ، شو صار ؟؟ ) . أنا بادرته بالسؤال ، فأجابني انه وبعد أن خرج من بيت عمته بقطنا ارتطم بعامود الكهرباء ، ( اي وانشالله ماصارلك شي ؟ ) أنا سألته .
وكيف هيك صار ؟ قال انه شرب كأسين ولما خرج على الطريق إلى دمشق ( فات بالعامود ) .
اي وشو بدنا نعمل بالسيارة ؟ مشان الله خلينا نبيعها أنا اقترحت بل رجوته للمرة الثانية ، فأجابني بالنفي مرة أخرى ، قال خلينا نصلحها وبعدين منبيعا ..
دفعت ايضا اجرة التصليح وايضا اراد ان ( نرودجها) فقلت ياأخي إما تبيعني حصتك وإما أبيعك حصتي .
قال : السيارة ارتفع سعرها ، ولن ابيعها بالسعر الذي " اشتريناها فيه" ، قلت " طيب انت اشتري حصتي ، قال : أنا ما معي المبلغ .
قلت له : طيب كم تريد ثمن حصتك قال : اثنى عشر الف ، رضيت بذاك وافقت على الفور ..
دفعت له المبلغ الذي اراده ، واخذت السيارة غير مصدق نفسـي من أني تخلصت من شراكة غير موفقة مع قريب .

حوار مع الكاتبة اللبنانية د. عايدة الجوهري حول مشروع الدولة المدنية العلمانية وأوضاع المرأة في لبنان
حوار مع د.سامي الذيب حول الأديان ومعتقداته الدينية وطبعته العربية وترجماته للقرآن والقضية الفلسطينية