الحرية لله

عبدالوهاب الحراسي
2022 / 6 / 22

لئن كان البشر يجمعون على أهمية الإيمان فقد كان الدين هو أقدم مؤسسة له؛ وأصبح من الواجب تحديث الدين (كل دين وأي دين) وإعادة النظر في كل مسلماته ليتعامل مع هذا التطور الهائل للعلوم والمعارف.
ولا يخفى على أحد أن جميع المنتمين إلى أديان مؤسسة، قد مارسوا الإرهاب وسفكوا الدماء وارتكبوا أبشع الجرائم، وحتى أهلكوا الأرض والشجر والبشر باسم الله لأنها، ولألاف السنين، جعلت من الله إلها مستبدا، مزاجيا، قبائليا، قرويا، عنصريا، سلاليا، مناطقيا! لقد فضلوا تصورات انفعالية للذات.. الله أبعد ما يكون عنها وأكبر.

حتى في الغرب اليوم، أوالشرق، قد يلجأ الساسة إلى العودة لقروية الإيمان.. ولا يترددون في إعلان الحرب المقدسة أو الجهاد، هي حرب الله وقراره.

وقد حان الوقت لتحرير الله من أسر كل الأديان.. وبخاصة الثلاثة التي ندعوها سماوية حيث تشترك في عقيدة الملخص ( المسيا والمسيح والمهدي ) وتدمير العالم، ونهاية الحياة على الأرض؛ والقيامة والخلود؛ وأن إيمانها بالله سياسي، وخاضع ل"صفقات الرأسمالية" - وما أكثرها - مع القداسات والأئمة والملوك والرؤساء في العالم، ومع العرب بوجه خاص؛ مقابل الإعتراف ب"حق الطاعة" الإلهي والعصمة من الإدانة، والتعالي على القوانين. ورفض "تقرير الإسلام في مدنية الدولة على أسس:
الأول: الاختيار والبيعة.
الثاني: حق الأمة في المراقبة والتقويم والمحاسبة.
الثالث: حق الأمة بالشورى الواجبة والمشاركة بالرأي.
الرابع: حق الأمة بعزل الإمام عندما يستحق العزل."

يجب تحريره ليكون إلها أكبر ..تعاليمه عالمية، كالعدل الإجتماعية والمساواة بين جميع البشر، وأن كل الموجودات تنؤ برحمته، وأن حق الحياة لجميع الكائنات هو حق منحه الله لها دون استثناء؛ يتوعد كل من يفسد في البر والبحر؛ يحاسب على انتهاك حقوق وكرامة الإنسان. ولا يغفر، مطلقا، لمن يدمر أسباب الحياة على الأرض وعلى أي كوكب إن وجدت. لأن من يفعل ذلك يكفر بالحياة ومن يكفر بها كافر بالله ويتحداه، ولأنه إله كوني وليس إله في أرضي فقط.

ومما يجب معرفته هو أن رفض فصل السياسي عن الديني، هو بحد ذاته موقف سياسي بامتياز. ففي الاسلام،مثلا، امتداد تصل جذوره إلى الأصول.. أصول الدين و/أو علم الكلام. وتعرف تلك الأصول بالأصول الخمسة وقد تصل إلى ستة:
- العدل
- التوحيد
- الوعد والوعيد
- المنزلة بين المنزلتين
- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
- الخلافة أو الإمامة من باب النبوة.

فالقول بالإختيار ( عند الإمامية الزيدية والمعتزلة ) هو موقف سياسي في مقابل القول بالجبر ( حين كان رائجا في العصر الأموي ومنتشرا بين السنة )، وهو يتعلق بأصل العدل.

والقول بمرتكب الكبيرة، وتفسيقه أو تكفيره ( = تخليده في النار ) هو موقف سياسي من الخلاف بين عثمان وعلي ومعاوية، ما جعل المعتزلة تقول بالمنزلة بين المنزلتين. وهذا يتعلق بأصل العدل.

والقول بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما أنه أصل.. هو موقف سياسي أكثر منه ديني، يتعلق بمسألة الخلافة و الإمامة، وكان قد أدخلته المعتزلة في هذا الأصل. كما أنشأ الأئمة والخلفاء سلطاتهم ودولهم باسم هذا الأصل.

ونجد أن حديث "الفرقة الناجية" كان له دور في الدفاع عن السلطة القائمة باعتبارها الفرقة التي تواجه الفرق الهالكة ( المعارضة ). وحجة في حرمان حق الناس في اختيار حاكمهم.

وقد أسس الدين، في الإسلام، للإيمان بتبرير الظلم والجرائم وانكار المسؤولية وذلك في الاستسلام والتسليم للظروف والواقع وللحاكم وعدم الاقتراب منه مهما فعل.
وتأكيد الصبر، كرد فعل، وعدم الشكوى.. وتحويلها إلى دعاء إلى الله لجلب الحلول كمثل "اللهم ول علينا اخيارنا.. ولا تول علينا من من لا يخافك ولا يرحمنا..."

والتأكيد على أن ذنوب الضحايا هي سبب ما يعانونه، أو الكارثة التي حاقت بهم. أي تحميل الضحية مسئولية جلاده، و يتحول إلى مذنب. وهو مطالب بالعودة إلى الله وليس إلى مواجهة الفاعل نفسه، لأنه هو من أرسل هذا الطاغية ليعذبه جزاء آثامه وذنوبه.
يعود إلى الله ليشكره على هذا الكرب الذي يعيشه، وعلى كل كرب قادم.. فهو "الذي لا يحمد على مكروه سواه".
هكذا نقل، وإلى الأبد، الفاعل (المجرم، الظالم، الطاغية) إمكانية المواجهة، والمساءلة، والإتهام، والمطالبة من قبل المظلومين والضحايا، والمسلوبين إلى الله طالبين منه أن يريهم انتقامه، بعجائب أفعاله، في ولاة أمرهم، ويرفع عنهم الظلم والغم والهم والغلاء والبلاء، وينهي معانلتهم.
كل ذلك التأسيس الإيماني يتم بأحاديث ورويات تقفر على رفض القرآن له:
{وإبراهيم الذي وفى (37) ألا تزر وازرة وزر أخرى (38) وأن ليس للإنسان إلا ما سعى (39) وأن سعيه سوف يرى (40)} النجم

{والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين} [الطور : 21]
{كل نفس بما كسبت رهينة} [المدثر : 38]
{ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير} [فاطر : 18]

{أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير} [آل عمران : 165]

وما أبسط وأدق قول المفكر حسن حنفي رحمه الله في العقيدة والثورة:
"في أصول الدين كان الإيمان بأن الله يحدد الآجال والأسعار والأرزاق والفقر والغنى. واليوم يجب تحديد:
- الآجال: بعلوم الطب والأحداث والجنايات.
_ والأسعار: بقانون العرض والطلب والتسويق.
_ والأرزاق: بقانون العمل و سياسة الأجور وطرق الكسب.
_ والفقر والغنى: بنسبة المواطنين في الدخل القومي والتركيب الطبقي للمجتمع."


وإجمالا:
سيصبح الإيمان بالله بلا غطاء ديني وبلا سقف كهنوتي؛ إذا لم تطور الأديان أصولها وتصوراتها لتواكب كونية الله وعالمية مساواة وعدالة تعاليمه.. فإن الإلحاد سيتفشى في الناس وينتشر بصمت وصراخ، وتصبح الكنائس والمعابد والمساجد مزارات له؛ ولن يتمكن الكهنة والمبشرين والدعاة من إحيائه.

لقد أصبح الله أكبر.. ليحب حتى كل كافر وملحد يفعل الخير في كل البشر ولكل البشر.
يحب كل كافر وملحد يكفر عن ما اقترفه آباؤه وإخوته في حق أخيه الإنسان، وفي حق مخلوقاته.
يحب كل كافر وملحد يدعم الحياة ويعتني بكل مقوماتها.

الحرية لله هي الحرية لعباده.

حوار مع الكاتبة اللبنانية د. عايدة الجوهري حول مشروع الدولة المدنية العلمانية وأوضاع المرأة في لبنان
حوار مع د.سامي الذيب حول الأديان ومعتقداته الدينية وطبعته العربية وترجماته للقرآن والقضية الفلسطينية