شرعيّة الإنجاز وضياع الوطن

ازهر عبدالله طوالبه
2022 / 6 / 21

شرعيَّة الإنجاز، هي المحكّ الرئيسيّ لأيّ قوة صاعِدة تتطلَّع للتغيير. ولذا، دائمًا ما أتساءل، بأنَّه: كَيف أخفقوا
في تحقيقِ مطالِب الشَّعب، مَن وصّلوا للسُلطة، عن طريقِ التدرُّج المناصبيّ، والذين كانوا لا يتوقّفونَ عن التغنّي بشعارتِ التّغيير والإصلاح، ويهتِفونَ للانجازِ حصرًا؟!
ومُقابِل إخفاقاتهم هذه، أتساءل : هَل للفسادِ دور في إخفاقهم؟! وكَم هو حجم الفسادِ الذي اعترى هؤلاء خلالَ فترة حُكمهم، اللانهايّة؟!

هذه الأسئلة، وغيرها، مِن تلكَ التي لا تُهلَك وهي تركض داخلَ رأسي، قَد أملِك عليها الكثير مِن الإجابات، ومِنها، أي الإجابات، ما تُحسَب رياضيًّا، ومِنها ما تُحسَب وفقَ قانون السياسية الموسوم ب "هُم" و"نحنُ" . فهذا القانون، هو القانون، الذي إذا قرأنا مواده جيِّدًا، تمكنّا مِن الإجابة على الأسئلة المطروحة أعلاه .
وللإجابةِ على السؤالينِ معًا، أقول:

إنّ شعبنا، دائمًا ما يتطلَّع لحياةٍ كريمة، مبنيّة على خُططٍ توصلها للتقدُّم والازدهار، لكنّها، ترتَطم بواقعِ يفرض عليها المُعاناة مِن الفُقرِ والجوع، وبحالٍ أشدّ قساوة وقسّوة مِن الواقع المذكور ؛ وذلكَ لأنّها تسكُن في بوتقةٍ مِن الأنانيّة والنرجسيّة، لا يكون التّعامل فيها إلّا على أساس "هُم" و"نحنُ"، وهذه البوتَقةُ تدّفَع بفئةِ " هُم" وهي فئة الأغلَبيّة، مَن يُحكَمون، إلى أن تُقبِل على فئة "نحن"، مَن يَحكمون، ليُتحكَّم بمصيرها مِن هذه الفئة المُقتصرة على أبناءَ عوائلٍ مُعيّنة، لها علاقاتُ نفعيّة مع مراكزِ صنعِ القرار.


ففئة ال"نّحن" هي الفئة الوحيدة التي أجادَت السّباحة عكس التيّار، وكانَت أقوى، بنفوذها، وسُرعة جريانها، مِن قوّة التيّار، بل مِن أيّ قوة طبيعيّة عرفتها الأرض. وهذه الفئة، قد مكّنتها سباحتها عكّس التيّار الوطنيّ، مِن عمل صولاتٍ وجولاتٍ بينَ أروقةِ مؤسّساتِ الدّولة، أعطتها الصلاحيّة المُطلقة لفرضِ سيطرتها عليها، والتحكُّم بأدقِّ أمورِها، ، كما وبفضلِ مَن تمَّ وضّعهم تحتَ الإبطِ، ممَّنَ كانوا يتغنّونَ بتاريخِ أسلافهم، وأنَّهُم الرُّكن الأوّل، بل الأوحَد لتأسيسِ الدَّولة، أحكمَت قبّضتها - مَن نجحت في سباحتهِا عكس التيّار- على كُلّ سلطاتِ الدَّولة، ونزعَت عنها كُلّ شرعيَّتها، ومزَّقت بأسنانهِا المُستشّرِسة، كُلّ سُبل مشروعيّتها، وجعلتها تسير بينَ المرافِق العُليا، عارية، لا ترتدي أيّ ثوبٍ مِن أثوابِ الديمقراطيّة ؛ إذ جعلتها ذاتَ وجهٍ ديكتاتوريٍّ استبداديّ، لا مقاسَ لهُ، ولا وصفَ يُميِّزهُ.

فسنواتٌ طويلة مرَّت على الوطَن، ولَم يك لهذه الفئة أيّ إنجازٍ يُذكَر . فالوطن ما عرف إلّا إنجازات أبناءه الأُصالى أبًّا عَن جَد..سنواتٌ ما عرفنا فيها شيئا ؛ سوى دُخلاء وأنجاس، أصحاب مشاريع عابِرة للقارّات، ولِدت مِن وفي الجامعاتِ الغربيّة، هولاء فقَط مَن عرفناهم . عرفناهُم بكُلّ ما يحملونَهُ مِن خواءٍ فكريّ، وإداريّ، وسياسيّ، واقتصاديّ...عرفناهُم بتضّخيمهم مِن قبل مراكزِ صُنعِ القرار، فكانَت نتائج معرِفتنا لهُم ؛ أنَّنا قرأنا فشلهم، وحفِظنا كُلّ الخُطط التي تُبيّن برسمٍ واضحٍ وجليّ، سقطاتهم . فكبُرت مؤخّراتهم، بعدَ أن وضعوا داخلها كُلّ ملفاتِ الوطَن، وتضخَّمت رئاتهم، واستطاعَت أن تسِّرقَ كُلّ ذرة هواءٍ مِن هواء الوطَن، وتوحَّشت أيديهم، فمُدَّت إلى كُلّ ما كُنّا نظنّ، كأبناء وطنٍ حملنا سنابِلهُ داخلَ أوتنة قلوبنا، بأنّهُ مسوَّر بأسوارٍ حصينة، لا يجرؤ على هدمها، بل التسلُّق عليها مَن هُم ليسوا بأبناء جلدَتنا . وها هُم، بعدَ أن بسطوا نفوذهم حتى على أقلّ صغيرةٍ في الدَّولة، قد جرَّعونا الويَل، وأسقونا الحنظَل بكُلّ أنواعهِ السياسيّة والاقتصاديّة، بل وحتى أسقونا الحنظلَ الاجتماعيّ ؛ حيثُ أنَّهم قَد لعِبوا -وما زالوا يلعبونَ- في نسيجنا الاجتماعيّ، رامينَ إلى تحقيقِ أهداف، لَم يتمكَّنَ من تحقيقها، مَن سبقوهم، ولعلَّ أهمّها : " أن يجّعلوا منّا أُناسًا بلا هُويّة، وشعبًا بلا تاريخ، وأبناءَ أمّةٍ لا تاريخَ ولا حاضرَ ولا مُستقبَل لها على هذه الأرض."

لا شكَّ عندي، بأنَ مَن يقود دفَّة الوطَن، هُم مِن عُراة الفِكر، حتى وإن تعلّموا في الجامعاتِ الغربيّة، ومِن الفارغينَ سياسيًّا، حتى وإن تبوّأوا كُلّ الكراسي السياسيّة. إذ ثمَّة العديد مِن الاختبارات التي مرّوا بها، لكنَّهم سَرعانَ ما كانوا يفشلوا بها، وسَرعانَ ما كانوا يتنصَّلون مِن مسؤوليّاتهم، ويحمِّلونها إمّا لجهالة الشَّعب، وإمّا للظروفِ والأحوال، وأنّهُم دائمًا في مُحيطٍ مُلتَهب، وأنَّ العالَم كُلّ في مخاضٍ غير مسبوق، والحقيقةُ أنّهُم يشربونَ الفشلَ شُربا، ويلتَهمونَ الإخفاق التهاما، ولا يجِدونَ حججًا يتعكَّزونَ عليها، إلّا الحجج التي يُبدعونَ في بذّرها . والحقيقةُ الأكبَر، تقول بأنّهُ : "لا علاقةَ للأمر بالظروف، كما لا علاقةَ لهُ بتكالُب الأعداء..فالأمر، وكُلّ الأمر، أنّنا جلدنا ذواتنا، وصغّرنا مِن أكتافِنا، ودُسنا على "جغرافيّتنا"، ممّا أدّى إلى نجّنيَ نتائج وخيمة ؛ فنصَّبنا، وما زِلتُم نُنصِّب، مَن لا يستَحق أن يُنصَّب علينا، وحكَّمنا مَن ليسَ جديرا بالحُكم.. هكذا نحنُ، وهكذا هُم مُنذ البداية.

إنَّ السُّطورَ الأخيرة مِن الفقرةِ السابقِة، ولا أعتَقد أنَّ هُناكَ مَن يختَلِف مع جاءت بهِ، تجزِم بأنَّنا قَد فشِلنا في إنتاجِ مُجتمعٍ يعمَل مِن أجلِ الوحدة، أيّ كانت هذه الوحدة، شريطةَ أن تكونَ تحتَ مظلَّة "المُواطنة" . كما وفشِلنا في خلقِ مُجتمع نخبويّ، يمتَلك (القُدرة، والشّجاعة، والثِّقة) التي تُمكِّنهُ مِن أن يؤسِّسَ لحُقبة حقيقيّة، لا هدفَ يكون لنا فيها ؛ إلّا هدَف استعادَة الدَّولة، ومِن ثمّ العمَل الجاد والدّؤوب لوضعِ الأُسس العامة لبناءِ دولة متينة ومُحصّنة، وفقَ استراتيجيّةٍ قصيرة المدى أو مُتوسّطة المدى.

الخُلاصة: ثمّة أسبابٌ كثير لضياعِ الوطَن. لكن، يبقى أهمّها، هو أنّ هُناكَ ثُلّة مِن قاطعي الطُرق، وثُلّة أخرى مِن المُتاجرينَ بالكلام، المُبدعينِ بشحذِ هِمم النّاس كُلّما تعلَّقَ الأمر بمصالِحهم، فتَجدوهُم ينهالونَ عليكَ، بتقديمِ الواجب الوطنيّ، وأنّ الوطَن يستَحق، بينما هُم وكُلّ حاشياتهم، يلعبونَ بثلجِ الوطَن، ويقطفونَ دحنون الوطنيّة، ويسعونَ لإحلالِ الشّمع محلّ شمسِ المُواطنة.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت