خواطر حول -تغطية المسلمين- بجزئيه

عادل صوما
2022 / 6 / 21

اللوبي الاخواني في الغرب متلوّنٌ بسبب تقيته واختلاف تفاسير نصوصه. فاعلٌ بسبب براعة توظيف أموال البترول والغاز الطبيعي التي ضُخت في شرايينه لأكثر من خمسة عقود، وقد نجح هذا اللوبي في مسعاه لأستاذية العالم في شراء مؤسسات إعلامية أو حصص فيها، وأقسام في جامعات بل وجامعات بكاملها، وجنّد أساتذة وباحثين كتبوا بلغتهم الأعجمية الأصلّية (وليس كما يكتب من تعلموا لغة أجنبية) ما يريده الممولون، الأمر الذي أضاف إلى أقنعتهم قناعاً آخر حتى لا تُعرف وجوههم ومقاصدهم. من هذه الكتب الكتاب الذي سأعرض تلخيصاً له.
الجزء الثاني
مؤلفا كتاب "تغطية المسلمين اعلاميا في أميركا" أستاذان في جامعة أكسفورد وربما جامعات أميركية أخرى، ويُعتبر كتابهما، مع السؤال عن دافع كتابته، امتداداً لكتاب المنظّر إدوارد سعيد
“Covering Islam: How the media and the experts determine how we see the rest of the world”.
أنا شخصيا أقرأ إدوارد سعيد بتحفظ شديد، لأنه متقولب حول فكرة ارتباط الدراسات الاستشراقية بالعقلية الإمبريالية، وتأكيده بانتقاء ما يؤيدها، كما جعل للاستشراق أبعادا وأهدافا استعمارية وخاضعاً للسلطة الاستعمارية، لأنه انطلق من فكرة مسبقة، بفضل تماهيه التام مع الموروث الاسلامي، بل الادعاء المبطن في كل ما كتبه بأنه منتم أكثر ويعرف أعمق.
كما تجاهل سعيد تماماً معظم الدراسات الاستشراقية التي جعلت الانسانية تقرأ كنوز تاريخ حضارات البحر المتوسط وحوضه الشرقي العميق ولغاته القديمة خصوصاً العراق، التي اختفت تحت تراب سنابك خيول الغزو العربي الصحرواي للشرق الأوسط الخصب المتحضّر، وجهل راكبي الخيول بقيمة ما وقع تحت حوافر أحصنتهم، ومحدوديتهم بالاكتفاء بكتاب واحد وتفاسيره وتفاسير تفاسيره لحاضرهم ومستقبلهم وحكم البشر الذين أصبحوا تحت سيطرتهم، بعدما خضعت تماماً الحضارات العظيمة السابقة لسلطانهم وضاعت هوياتها، وتجاهلت تراثها خوفاً ثم جهلاً لتواتر اعتُباره كفراً أو شِركاً.
تجاهل إدوارد سعيد أيضاً ما كان للدراسات الاستشراقية من فضل نفض غبار الزمن عن مخطوطات القرآن نفسه، والدراسات القيّمة العميقة العلمية التي حظى بها الاسلام، وكانت احدى نتائجه اتجاه معظم مشايخ الأزهر إلى فرنسا أو ألمانيا للحصول على درجاتهم العلمية أو الدكتوراه، لأنهم يعلمون تماما الفارق بين مَنْ يغزو لينهب ويسبي ويذّل فقط، ومَنْ يغزو لينشر المعرفة علاوة على ما ينهبه.
نتائج مسبقة
افتتح إريك بليش وفان دير فين بسؤال خبيث مُلتبس كتابهما "هل التغطية الإعلامية للمسلمين والإسلام سلبية كما يدعي النقاد؟"، ثم أعترفا بأن "عنوان كتابنا، تغطية المسلمين، هو صدىٍ واعٍ لإدوارد سعيد في تغطية الإسلام، الذي ظهر لأول مرة سنة 1981". "بعد أربعين عاماً، لم تفعل تحليلاتنا الكمية الكثير لتحدي استنتاجات سعيد، ما يؤكد الطبيعة الطويلة الأمد لهذه المشكلة".
الامر واضح. بليش وفان دير فين انطلقا من استنتاج إدوارد سعيد المحدد سلفاً، وحاولا بعد أربعين سنة إعادة تدويره بتقنية اليوم بالاعتماد على شبكة المعلوماتية لحصر "جميع المقالات البالغ عددها 256963 التي تشير إلى المسلمين أو الإسلام في 17 صحيفة أميركية وطنية وإقليمية على مدار 21 سنة"، بدءاً من كانون الثاني/يناير 1996 إلى كانون الأول/ديسمبر 2016.
وضّح المؤلفان كيف يتم مقارنة "الإشارات إلى المسلمين أو الإسلام" بشكل سلبي بالمقالة الصحفية العادية، ثم أجريا أربعة أنواع من المقارنة: عبر المجموعات، وعبر الزمن، وعبر البلدان، وعبر الموضوعات.
منهجية أكاديمية تناسب البحث والعصر كما يبدو، لكن أي مستعمل لشبكة المعلوماتية يعرف أن ما يبحث عنه ويكتبه على الانترنت يوجّه خوارزميات محركات البحث، فإذا كان يبحث عن أعراض مرض ما ستأتي نتائج البحث عنه، وإذا كان يبحث عن مظلوميات المسلمين سيأتي بها محرك البحث له، وفي الحالتين سيتجاهل كل ما عداهما، وكما يقول علماء الكمبيوتر: عند إدخال القمامة، تحصل على قمامة، ما لم نعرف ما تمت برمجة الآلات للقيام به.
قمامة مظلوميات
كيف يمكننا أن نعطي المصداقية لنتائج الكتاب؟
هل يُعقل عدم وجود بحث أو مقال تحدث ايجابياً عن المسلمين؟ وماذا عن المسلمين الذي أصبحوا أعضاء كونغرس وؤساء بلديات ورؤساء أقسام في جامعات؟ وماذا عن حسين أوباما وتجمّع الأطياف القوي الذي أنشأه؟ هل كل هؤلاء يكتبون سلبياً عن المسلمين؟ أين احصاء ما كتبوا في بحث المؤلِفان؟
وماذا عن حوادث الإرهاب والتفجيرات والاغتيالات التي ضربت معظم ارجاء العالم الغربي، ولا علاقة لها بتاتاً بقضية فلسطين أو بمظلوميات المسلمين، وحوادث نسف الجوامع بين المسلمين أنفسهم ونشر صور ذبح الناس كالنعاج في زمن حكم أحدث خلافة إسلامية؟ وهل نسى العالم صور الأفغان الذين تعلقوا بالطائرات الاميركية عندما وصل طالبان إلى كابول؟
هل كل هذه الامور لا علاقة لها بالصور السلبية في الاعلام الغربي التي يتحدث عنها المؤلفان؟
أمور تنبع من مرويات وأدبيات بدأ التنويريون المسلمون أنفسهم يدركون تماماً أنها لا تصلح للعصر أو لعصور قادمة، فلا علاقة لها بالإيمان أو العبادة، بل بظرف سياسي قَبلي أصبح من التاريخ.
كما أنها في عصرنا لا تصلح حتى للحرب أو التفاوض أو التعايش في دول عَلمانية لا هوية دينية لها.
لم يشر المؤلفان إلى هذه الأسباب/الوقائع، التي يستحيل تجاهلها عند كتابة بحث علمي أو صدى لكتاب صنّف كاتبه الغرب مستعمراً ودراسات مستشرقيه أمبريالية، ولم يصنّف العرب الغزاة كمستعمرين*، لذلك يمكن، بأمانة علمية، اعتبار كل استنتاجات إريك بليش وفان دير فين الخوارزمية الموّجَهة، قمامة مظلوميات ألكترونية لن تصلح في عصرنا لحل أي مشكلة، أو إلهام الناس بأساليب لغد أفضل.

*التماهي المطلق مع الموروث الإسلامية الذي لا يعتبر العثمانيين مستعمرين، لأنهم مسلمون، ويتطابق تماماً مع ما قاله مرشد الاخوان مهدي عاكف "أنا ما يهمنيش يحكم مصر مسلم ماليزي".

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت