هل اجتماعات آستانة بخصوص سورية هي لإيجاد الحل أم لترسيخ نفوذ وهيمنة الدول الضامنة وغير الضامنة؟

عبد الحميد فجر سلوم
2022 / 6 / 20

خمسُ سنواتٍ مرّتْ، وثمانيةُ عشرَة جولةٍ في آستانة، عاصمة كازاخستان، حول سورية، ولم نلمس بصيص أملٍ في قُرب التفاؤل بحلٍّ ينهي عذابات وويلات السوريين، وينقذهم من هذا الوضع غير الإنساني الذي يعيشون بهِ، سواء داخل البلاد حيث الفقر والغلاء والتضخم ونُدرة أدنى مقومات الحياة، كما الكهرباء والمحروقات، وحتى المياه.. فغدَتْ سورية من بينِ أصعب وأقسى الأمكنة التي يمكن أن تعيش به على سطح هذا الكوكب.. وليس في ذلك مُبالَغَة.. وأعتقد 90% من السوريين مِمّن هُم تحت خط الفقر، يتّفقون معي في ذلك..
**
"الصياد عم يتسلى والعصفورعم يتقلّى" ..
هذا الَمثلُ الشعبي بات ينطبق على ما يُعرِفُ بالدول الضامنة (روسيا وتركيا وإيران)..
وهو يُضرَبُ حينما يكون أحدٌ ما على عجلةٍ من أمرهٍ وعليه أن يتحرك بسرعةٍ حتى يخرج من الوضع الصعب الذي يُقاسي منه، بينما زميله الآخر يتصرفُ على مَهَلٍ، وبكلِّ بطءٍ وبرودةِ دمٍ، دون أدنى اعتبارٍ لمشاعرِ ومعاناة الآخر..
نعم هي دولٌ ضامنة، ولكن لمصالحها وليس لمصالح سورية وشعب سورية.. وأشكُّ شخصيا، أنّ لأيٍّ من هؤلاء مصلحة في إيجاد حل سياسي وطَيْ هذه الصفحة السوداء من تاريخ سورية.. والبدء بالإعمار وعودة وحدة الأراضي السورية ووحدة شعبها، وعودة الحياة إلى طبيعتها..
بل قد يكون هناك في داخل سورية، من لا مصلحة لهم بهكذا حل، لأن الوضع الحالي يخدم مصالحهم، ويُديمَ نفوذهم، ويُزيدَ ثرواتهم وممتلكاتهم.. ومصلحتهم باستمرار هذه الفوضى..
وأي حلّ سوف يقطع الطريق على كل ذلك، وسوف يسحب كافة الذرائع أيضا من بين ايدي هذه الدول الضامنة، وغير الضامنة (كما أمريكا)، والتي تستند عليها جميعا في استمرار بقائها فوق التراب السوري، وتقاسُم خيراتهِ.. والاستفادة من جغرافيتهِ الاستراتيجية.. أو الجيوبوليتيكية..
مختلفون ومُتنافسون جميعا على المصالح فوق الأراضي السورية، ولكن متّفقون جميعا على عدم إيجاد الحل..
الجهة الوحيدة التي لها مصلحة هي الشعب السوري بكافة فئاته، داخل الوطن وخارج الوطن..
**
في فقرات بيان آستانة الـجولة 18 (والمُكرّرة دوما، كما بيانات الجامعة العربية بخصوص فلسطين)، واضحٌ جدّا مُسايرة هذه الدول لبعضها بعضا.. ولذلك لم تتمّ الإشارة بشكل واضح وصريح إلى جهة واحدة من الجهات اللاعبة فوق الأراضي السورية، وإنما كل الكلام كان عموميا، ومائعا أحيانا.. ومتناقضا أيضا..
ففي الفقرة الثالثة من البيان، جاء ما يلي:
(أعربت الدول الضامنة عن عزمهم على مواصلة التعاون من أجل مكافحة الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره والتصدي للخطط الانفصالية الرامية إلى تقويض سيادة ووحدة أراضي سوريا وتهديد الأمن القومي للدول المجاورة، بما في ذلك الهجمات عبر الحدود. كما أدانت الدول الضامنة الوجود والنشاط المتزايدين للجماعات والأعمال الإرهابية والهياكل ذات الصلة في أجزاء مختلفة من سوريا، بما في ذلك الهجمات على مرافق البنية التحتية المدنية التي تؤدي إلى خسائر في صفوف المدنيين)..
والسؤال: من هُم أصحاب الخُطط الانفصالية الرامية إلى تقويض سيادة ووحدة أراضي سورية؟. لماذا لم تتم الإشارة إليهم بالاسم حتى يعرفون أنفسهم، ونعرفهم جميعا؟.
طبعا هنا واضحٌ أنّ هناك مُسايرة لروسا، فهي لا ترغب بالإشارة إليهم بالاسم..
ثمّ من هي الدول المجاورة التي يُهدِّد أولئك أمنها القومي؟. لماذا لم تُذكَر مباشرة؟.
ثُمّ ماذا عن تهديد تركيا للأمن القومي لسورية؟. ألا يستحق ذلك تضمينهِ في البيان؟.
**
في الفقرتين 4 و 5 هناك تناقضا، وربما هذا يدخلُ في إطار "التناقُض البنّاء"، كما مفهوم "الغموض البنّاء".. هذا المصطلح الأسخف في تاريخ الأمم المتحدة..
ففي الفقرة 4 :
(أدانت الدول الضامنة جميع أنواع النشاط الإرهابي في أجزاء مختلفة من سوريا. وأكّدت على الحاجة إلى مزيد من التعاون من أجل القضاء نهائيا على داعش وجبهة النصرة وجميع الأفراد والجماعات والمؤسسات والمنظمات الأخرى المرتبطة بتنظيم القاعدة أو داعش، والجماعات الإرهابية الأخرى المعترف بها على هذا النحو من قبل مجلس الأمن الدولي)...
وفي الفقرة 5 :
(استعرض المشاركون بالتفصيل الوضع في منطقة خفض التصعيد في إدلب، واتفقوا على بذل المزيد من الجهود لضمان التطبيع المُستدام للوضع في إدلب وحولها، بما في ذلك الوضع الإنساني. وشدّدوا على ضرورة الحفاظ على الهدوء "على الأرض" من خلال التنفيذ الكامل لجميع الاتفاقات القائمة بشأن إدلب)..
والسؤال: من هي الجهة الأساس التي تسيطر على إدلب؟. أليست جبهة النصرة المصنّفة "إرهابية" في مجلس الأمن الدولي؟.
فكيف بالفقرة 4 يتم الحديث عن الحاجة إلى القضاء على داعش وجبهة النصرة، وفي الفقرة 5 عن بذل الجهود لضمان التطبيع المُستدَام للوضع في إدلب وما حولها، وضرورة الحفاظ على الهدوء على الأرض؟.
إذا لا يوجدُ إطلاقا توجها للقضاء على جبهة النصرة ونفوذها في إدلب؟. أليس كذلك؟.
هذه الفقرة هي مُسايرةً لتركيا.. وهي ترسيخ للوضع في إدلب..
**
في الفقرة 6 من البيان، ورد ما يلي:
(ناقشت الأطراف المجتمعة الوضع في شمال شرق الجمهورية العربية السورية واتفقت على أن الأمن والاستقرار الدائمين في هذه المنطقة لا يمكن تحقيقه إلا على أساس الحفاظ على سيادة ووحدة أراضي سوريا. ورفضت جميع المحاولات الرامية إلى خلق حقائق جديدة "على الأرض"، بما في ذلك المبادرات غير القانونية بشأن الحكم الذاتي بحجة مكافحة الإرهاب)..
والسؤال: من هي الجهات المقصودة تماما في هذه الفقرة؟. هل هي جماعة (قسد) لوحدها أم تُركيا أيضا؟.
فجماعة (قسد) خلقوا حقيقة على الأرض.. وتركيا أيضا خلقت حقائق على الأرض..
واستخدام تعبير(رفض جميع المحاولات) يبدو مائعا، لأن الأمر تجاوز موضوع (المحاولات) وبات حقيقة ساطعة على الأرض، سواء من طرف جماعة (قسد) ام من طرف تركيا..
بل ها هي تركيا تسعى لإضافة حقائق جديدة بتصريحات أردوغان أنهُ سوف يتوغّل 30 كم من جديد داخل سورية أيضا..
**
الفقرة 8 نصّت على ما يلي:
(أعربت الدول الضامنة عن قناعتها بأن الصراع السوري ليس له حل عسكري، وأكّدت من جديد التزامها بتعزيز عملية سياسية ينفذها السوريون أنفسهم بمساعدة الأمم المتحدة وفقا لقرار مجلس الأمن رقم 2254 )..
والسؤال: منذ متى صدر قرار مجلس الأمن المذكور؟. أليسَ منذ كانون أول/ديسمبر، 2015؟. ماذا تحقّقَ منه بعد سبع سنوات؟. لماذا؟.
الفقرة 9 من البيان تقول:
(شدّدت الدول الضامنة على أهمية دور اللجنة الدستورية السورية، التي أُنشئِت بمساهمة من الدول الضامنة لصيغة أستانا عملا بقرارات مؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي) ..
والسؤال: كم سنةً مضت على هذه اللجنة؟ هل زاحت خطوة واحدة من مكانها؟.
**
نعم أنتُم تتسلُّون على حساب مأساة الشعب السوري.. وينطبق عليكم المثل الشامي:
"الصياد عم يتسلى والعصفورعم يتقلّى".. ولا مصلحة لكم في تحقيق حل سياسي.. لأنَّ وجودكم حينها ستنتهي مبرراتهُ.. وسوق ينقطع رِزق ومكاسب كافة أثرياء الحرب الجُدُد، والمستفيدون من هذه الأوضاع.. ومَن لفَّ لفيفهم..
بات استمرارُ هذا الوضع مطلبا ومصلحة لكم، وللكثيرين..

حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق