زيارة الرئيس جو بايدن المُزمَعَة للسعودية

عبد الحميد فجر سلوم
2022 / 6 / 17

تأتي زيارة الرئيس جو بايدن للسعودية في أواسط تموز / يوليو 2022 وسط أجواء دولية عاصفة..
فرياح الحرب في أوكرانيا تلفحُ وجه أوروبا، والعالم.. لِما تسبّبت به من أزمة طاقة وأزمة غذاء نتيجة مساعي الغرب للاستغناء عن الغاز والنفط الروسي، ونتيجة العراقيل أمام تصدير القمح..
وفي شرق آسيا، في منطقة المحيط الهادي، تزداد الأوضاع توترا، بين الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة من جهة، وبين الصين من جهة أخرى.. وكذلك بين حلفاء أمريكا وكوريا الشمالية..
فالصين تهدد بالحرب في حال اعترفت الولايات المتحدة باستقلال (تايوان) التي تتمتع حاليا باستقلال ذاتي، وتعتبرها الصين جزءا لا يتجزّأ، من أراضيها..
بينما يُحذِّر التحالف الرباعي للحوار الأمني المعروف أيضًا باسم "كواد"
(Quad)
والذي يضمُّ(الولايات المتحدة وأوستراليا واليابان والهند) يُحذِّرُ الصين من محاولات تغيير الوضع القائم بالقوة، عن طريق الغزو..
وفي ذات الوقت، اثارت الاتفاقية العسكرية بين الصين وجُزُر سليمان(وهي دولة عضوا في الأمم المتحدة) القلق لدى الولايات المتحدة وأوستراليا وبريطانيا(وهُم أعضاء في تحالُف "أوكوس"
) ..AUKUS
فضلا عن قلق بعض الجُزُر الأخرى في المنطقة(وهي دولٌ أعضاء في الأمم المتحدة أيضا)..
كما تسعى بكينٍ لعقد اتفاقات أخرى مع جُزُر عديدة في المنطقة، مما يوسِّع من نفوذها في أهم مناطق المحيط الهادي استراتيجيةً، وهذا يُقلِقُ الولايات المتحدة وحلفائها..
وقد أثار تزويد أوستراليا بغواصات نووية في وقتٍ سابقٍ، قلق الصين..
**
عدا عن التوتر في منطقة الخليج، والتهديدات المُتبادَلة بين إيران وإسرائيل، فهذه تقول أنها طوّرت طائرات إف 35 لضرب أهداف في إيران، وإيران تقول أنها تنتظر خطأً من إسرائيل كي تزيل تل أبيب وحيفا عن الأرض..
هذا عدا عن خشية دول الخليج المتزايدة من برنامج إيران النووي والصاروخي.. واتجاهها نحو إسرائيل للبحث عن الحماية والتزوُّد بالسلاح، وأنظمة الصواريخ والرادارات الحديثة..
وكذلك الحالة المتوترة في سورية، حيث يهدد أردوغان باجتياح جديد للأراضي السورية بعمق 30 كم .. والاعتداءات الإسرائيلية التي لا تتوقف على السيادة السورية، وآخرها قصف مطار دمشق الدولي في العاشر من حزيران 2022 ، وإخراجه من الخدمة لبعض الزمن..
يضافُ لذلك عشرات الملفات الساخنة في أرجاء عديدة من العالم، ومنها في الوطن العربي ملف الخلافات بين المغرب والجزائر، وملفات ليبيا والسودان واليمن..
عدا عن التوتر في القدس والأقصى..
**
إذا في خضم هذه التوترات الإقليمية والدولية تأتي زيارة بايدن، وذلك بعد حضورهِ أيضا القمة التاسعة للقارتين الأمريكيتين، في 6 /6/ 2022 في لوس أنجلوس، وعدم دعوته لكلٍّ من كوبا ونيكاراغوا وفنزويلا، تحت ذريعة عدم الالتزام بالديمقراطية..
**
فماذا حدا بالرئيس بايدن للقيام بهذه الزيارة في هذا التوقيت، وبعد تردُّدٍ، وتجاهُلٍ لِكافة تصريحاته بالماضي المُعادية لولي العهد السعودي وتحميله المسؤولية عن دم الصحفي (جمال خاشقجي)؟
الجميع يحفظ المقولة الشهيرة، لا يُوجدُ في السياسة صداقات دائمة ولا عدوات دائمة، وإنما يوجد مصالح دائمة..
والمثل الشعبي الذي يقول (الرجال عند حاجاتها أرانب)، هذا المثل ينطبق على الدول وزعامات الدول أيضا.. واليوم الرئيس بايدن أمام حاجتهِ يضعُ خلف ظهرهِ كل المعاني والقيم التي تحدث عنها بالماضي.. حتى بات موضع استهزاء في العديد من وسائل الإعلام، والسياسيين، لدرجةِ قولِ أحد المسؤولين السعوديين السابقين أن بايدن سيحصل على الشرعية من ولي العهد السعودي، بعد انخفاض شعبيته في الولايات المتحدة، نتيجة أزمة الطاقة الحالية، والغلاء والتضخم، وزيادة أسعار المحروقات..
فهل سيفلح في تحقيق أهدافه من هذه الزيارة؟
**
زمن أول تحوّل.. ودول الخليج التي كانت رهن إشارة واشنطن بالماضي، يبدو أنها لم تعُد كذلك اليوم.. وباتت العلاقة بالنسبة لها علاقة مصالح تخدم الطرفين وليس طرفا واحدا.. وكل خطوة تخدم واشنطن يجب أن تقابلها خطوة تخدم السعودية، أو غيرها.. ولم يعُد هناك عطاءً دون أخذِ مُقابِل..
وهذا يعني أنه سيكون هناك إعادة صياغة للعلاقة الأمريكية السعودية التي أرسى دعائمها كلٍّ من الملك عبد العزيز آل سعود، والرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت على متن الطرّاد (كوينسي) في شباط 1945 وقامت على مُعادلَة (الأمن مقابل النفط أو الطاقة).. أي تضمنُ واشنطن أمن السعودية (ودول الخليج) بكل ما يعني ذلك من تسليحٍ ٍ ودعمٍ ومساندةٍ، مُقابل حصولها على النفط ومصادر الطاقة..
ومعادلة (الأمن مقابل النفط) القديمة، دخلت بين مدٍّ وجزرٍ منذ وصول باراك أوباما لرئاسة البيت الأبيض في كانون ثاني 2009.. وخاصّة بعد توقيعه على الاتفاق النووي مع إيران في تموز/يوليو 2015 دون الأخذ بعين الاعتبار مشاغل السعودية ودول الخليج، فاعتبروا ذاك الاتفاق طعنة لهم وإطلاقا ليد إيران بالمنطقة.. وكذلك بعد الحرب في اليمن..
ولا سيّما بعد أن ضعُفَ اهتمام أمريكا بنفط المنطقة إثر استخراج النفط الصخري، ولكنه عاد اليوم من جديد بعد حرب أوكرانيا وأزمة الطاقة العالمية وحاجة أوروبا للبحث عن مصادر طاقة بديلة عن المصادر الروسية.. وهنا تتجلّى الفرصة النادرة للسعودية في تحقيق طلباتها من واشنطن..
تماما كما يفعل أردوغان في استغلال حاجة الناتو لهُ كي يقبل عضوية فنلندة والسويد ويفرض عليهم مناقشةَ شروطٍ ما كانوا على استعداد لمناقشتها بالماضي..
فهل ستفلح السعودية لجعلِ هذه العلاقة أشبهُ بالعلاقة بين دول الناتو، إن ما تعرّضت أيٍّ منها للخطر فكافة دول الحلف مُلزمة بالدفاع عنها، والوقوف إلى جانبها.. والالتزام بالتعاون والتنسيق في كافة القضايا التي تهمُّ الجانبين؟
وهل ستفلح في إعادة معادلة (الأمن مقابل النفط) التي صبغت العلاقات السعودية الأمريكية على مرِّ الزمن؟
ولكن ألَن تطلب واشنطن أيضا، اصطفاف السعودية إلى جانبها في صراعاتها مع روسيا وإيران والصين، أسوة باصطفافات دول الناتو مع بعضها بعضا؟
**
طبعا كل هذا سوف يُمهِّد إلى إنشاء تحالفات عسكرية جديدة، لا يُستبعَد أن تكون إسرائيل جزءا منها، إن ما أفلحت واشنطن في التطبيع بين الرياض وتل أبيب..
وما قرار" بايدن" بعقد قمة مع كل زعماء دول الخليج فضلا عن مصر والأردن، ورئيس وزراء العراق(الكاظمي) سوى مسعى لتعويم إسرائيل أكثر بين دول المنطقة، ودمجها كاملا في منطقة الشرق الأوسط.. لاسيما أن زيارته إلى تل أبيب ستسبق زيارتهِ للرياض..
**
فهل المنطقة أمام مُنعطفٍ جديدٍ ومرحلة جديدة في تاريخها؟
تبدو الأمور كذلك.. وللأسف الشديد أن كل ذلك يبدو وكأنهُ يصبُّ في مصلحة إسرائيل التي لم تُقدِّم حتى اليوم أي تنازُل في القضية الفلسطينية، والتي تبدو وكأنها أصبحت من الملفات القديمة غير المهمة بالنسبة لغالبية العرب.. أو كأننا أمام تحقيق بعض الخرافات الدينية الصهيونية.. كما هرمجدون وما شابهها..

حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق