غرفة الدجاج وابن تيمية_ قصة قصيرة_ السعيد عبدالغني

السعيد عبدالغني
2022 / 6 / 17

حزينا ولكني أرى النور بَعد، ولو حتى بعيدا.
وحيدا بلا أي جوار، ولا إرادة في ذلك. أستمع إلى نبض الاشياء حولي، أمص الجمالية وأخيل أعمق وأُركِب أكبر وأُعقد هذه العوالم في رأسي.
دوما منذ صِغري أفضل أن أكون وحيدا على أن أحاط بعالم مزيف، الوحدة أكثر صفاءا من الآخر الممسوخ.
حتى لو كانت الوحدة في غرفة دجاج وبلا حديث سوى مع وجهي في صحون السقاية لهم.
الوحدة مفهوم أكبر من وجود أحد بجواري، الوحدة التي لا تنفك أبدا هي أن لا يفهمك أحدا.
ثمة روح في كل النصوص التي قرأتها، تناديني. مِن ابن تيمية لنيتشه بعد ذلك، تاريخ النداء السري بيني وبين الكتب.
مفهوم النداء ذلك لا يصدقه أي أحد ممن حولي. لأني أتحدث عنه دوما، في عيون النساء، الاماكن، المعاني.. الخ.
لا أعلم ماذا يناديني فعلا؟ ليس كائنا، بل ما لا يتجسد.
أعلم أني خرافي بالرغم من تدريسي للفيزياء واحتكاكي بالعلوم بشكل كبير وحبي لها أيضا.
إلا أني لي الكثير من اللامنطقيات أو كما أسميها الميثولوجيا الذاتية. وهِي أُلاحظها حتى في من يدعي العقلانية في كل شيء لكن لا تتم فرضها على أحد.
فقد غزاني التفكير العلمي منذ كنت صغيرا بعد قبول الكثير من الغوامض في العالم، والاعتقاد في أحقية الزمن بكشف تكوينها وعِلميتها.
وإلى الآن لازلت أعتقد ذلك لكن الأمر محير جدا ومرِبك، لأنه يضعني أمام ما أظنه معتقَدا وما يتضاد مع المنطق الذي بنى هذا المعتقد. وإن كنت أعتقد في ما أعتقد لم تتغير معتقدَاتي كل فترة؟ أما أني دوما كنت بلا يقين ولكن أكثر ما أصدقه هو التفكير العلمي من منظوري؟
فالإيمان بالغامض فعل منطقي ولكن رده إلى إله، أو أي كائن آخر، هو خارج منطقي أنا.
بدأ الأمر منذ نعومة أظافري، عندما كنت أسأل كثيرا عن من هو الله؟ أين هو؟ لم خلقنا؟
ووجدت كتب ابن تيمية لدينا في البيت لا يقترب منها أحد إلا أبي عندما كان يأتي من السفر، يقلِب فيها قليلا ويدعها ويشاهد الأخبار التي لا يسأم منها.
ولم أكن أعرف ابن تيمية وظللت لمدة طويلة أنطِق اسمه بالخطأ. فلم يذكره الشيوخ من قبل أمامي أو في المدرسة. كانت هناك أسماء أخرى شهيرة منها الغزالي والبخاري..
اشتراها من العراق بعد الحرب هذه المجموعات، اشترى مكتبات كاملة. على الرغم من فقر الكتب حينها إلا أني بالصدفة فتحت كتابا يتحدث عن العقيدة وهو أول كتاب فتحته، قرأته كله وتعرقت كوني لا أعرف معاني الكثير من الحديث والجمل والمصطلحات.
كان أقوى من خبطات أخي على رأسي ونحن نلعب ونتصارع، الأفكار.
أخذت الكتاب وجلست بين دجاج جدتي لكي لا يراني أحدا وبعدها بدأت التساؤلات تكثر مع المعرفة، أو تكون أكثر دقة في رأسي الأبيض، أكثر امتدادا في تأويل ما حولي، أكثر عمقا في جوانيتي المليئة بالأسئلة.
غرفة الدجاج مليئة بالقش والدجاج الصغير في زاوية وبعض الدجاج الكبير الذي أحيانا يُزعج عندما يبيض.
بجوارها غرفة الفرن لكنها مفتوحة وستتم رؤيتي منها لذلك كنت أجلس في غرفة الدجاج وأغلق الباب واجلس على القش المكوم.
هذه أول مرة يستدعيني نصا يُثيرني أو أنا مهتم به بدون بحث.
جدتي أتت لتُطعم دجاجها وأنا أغلق الغرفة من الداخل حتى خبأت الكتاب.
ثارت علي قائلة: ماذا تفعل هنا؟ والغرفة حارة جدا
قلت لها: لا شيء
فقالت: املأ هذا الصحن بالماء، وتعال
ملأته سريعا، ويدي كانت ترتعش على الصحن وأنا أجلبه لها. ابتسمت ولم تُعلِق رغم أنها تعلم إخفائي شيئا. فهي لم تبحث حتى عن شيء في الغرفة ووضعت الماء ومسكت يدي وخرجنا.
هي تشك في ما أفعل، تظن أني أستمني، لكن ظنها كان يقاومه أني لازلت صغيرا لم أبلغ بعد. هي شخصية حكيمة، لا تحكم إلا بعد التأكد والمعرفة حتى على طفل صغير.
لم أكن أكتب مطلقا وكنت ضد التفكير المجازي والشعري. لم يكن لدي اهتمام بالشعر حتى أني كنت أكرهه في المدرسة، وأتقزز من هذه اللامنطقيات.
صقلت كتب ابن تيمية لغتي بدون أن أعرف وبحثي في القرآن.
بدأت بعدها التساؤلات تعمق، فلم يعد السؤال هو لم خلقنا الله؟ إلى محاولة " من خلق الله؟" "مم يتكون الله؟".
لم تكن عائلتي تعتقد بحقي في السؤال، لأنه يدمر الجلال أو الهيبة للأشياء
وجدتي التي تشك في جلوسي في غرفة الدجاج وسط البراغيث والحر الشديد لأني أستمني بدأت بمراقبتي حتى توفت وموتها أصبح مصدر أسئلة أعمق عن كل شيء.
فلم تعد تغنيني هذه الأجوبة السهلة في الكتب بل صرت أدحضهم بسهولة.
أستغرب ممن حولي وخصوصا الكبار سنا كيف يستريحون لإيمانهم بهذا الشكل، ولا يسألون أو يشكون. وكثرة ما رأيت جعلني أظن مرضي أو اختلالي.
حتى أني للقليل من الزمن شعرت بأني بي عطب أو ملعون.
لا أستريح لشيء ولا أستطيع كبت الأسئلة، حتى لو تمت إجابتها واقتنعت أعود للسؤال ثانية وليس عندي أي ملل من ذلك.
لم أخف من العقاب الذي تُصوره أمي أو الشيوخ في صلاة الجمعة، التي أسمعها من ميكروفون المسجد.
فلم أذهب للصلاة إلا نادرا في الجنازات فقط، وكانت العلة صِغر سني أو عدم وضوئي أو أي شيء يُبعدني. لم ينتبه أحدا أنها ليست لصغر سني، هذه الرأس قنبلة أسئلة متشاحِنة بفوضى وأحيانا عنف.
ألهتني هذه البحوث عن دراستي، وساعدت على شرودي وهربي من حصة الدين التي كانت ستكشف الأسئلة في رأسي كوني لا أستطيع الصمت حتى لو قاومت.
وكَبُر عمرِي الحقيقي كثيرا مخالفا لعمري الواقعي في شهادة الميلاد، كنت أجلس مع الكبار دوما، أحشر ذاتي بينهم. والكتب، الكتب لها أزمنة أخرى، وعجلة سريعة للوعي.
لم ألاحظ ولا زميل لي في الدراسة ولا أحد الأقارب من أبناء عمومتي وأبناء أخوالي أي سؤال له علاقة بهذا الأمر. أشك أنهم يخفون كما أخفي هذه الأسئلة. البحث عن شبيه لعدم الشعور بالغربة ولدفع شذوذي.
لذلك لم أتخلص أبدا من تلك الوحدة، أن أفكر بما لا يُفكِر فيه من حولي وأتذوق كذلك جماليات أخرى.
بعض الناس تقول أنها وحيدة لأن لا أحد بجواره وبعضهم يقول لأن لا أحد يفهمه وبعضهم يقول لأنه خُلق هكذا كما كنت أقول من زمن طويل وكلها مفاهيم للوحدة على حسب وعي صاحبها.
ولكني أعتقد أن الناس مهما اجتمعت لها قدر من الوحدة قبل أن تنام، في أوقات الانتظار، في المآسي، كلنا وحيدين بدرجات متفاوتة.
بعد وفاة جدتي كانت أمي تخبز، لم تجد أي أوراق لتوقد الفرن فظلت تبحث حتى وجدت كتاب ابن تيمية.
استغربت في البداية ونادت علي بصوت عالي وقالت لي: ما الذي أتى بهذا الكتاب هنا؟
فقلت لها محاولا المداراة: ولا يوجد غيري ليتم سؤاله؟ لديكِ أولاد آخرين
فقالت: لا يوجد غيرك، أنا متأكدة، أنت صاحب الغرائبيات منذ كنت في بطني، سأوقد به الفرن، لا أجد أوراقا.
وقطعت بعض الورق وأنا رحلت. ووضعته بجوار الفن لتوقِد به كل مرة الفرن.

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان