الواقعيّة

إبراهيم العثماني
2022 / 6 / 16

هنري ميتران تعريب إبراهيم العثماني
لقد آلت مسألة الواقعيّة، في التّقليد النّقدي ونظريّة الأدب، إلى أن تلتقي مسألة جنس أدبيّ هو الرّواية الّتي تنزع هيّ أيضا إلى احتواء جميع الأجناس الأدبيّة رغم أنّ مفهوم "الرّواية الواقعيّة" هو نفسه متناقض. فالرّواية تقتضي بطبعها القصّة الخياليّة وابتداع الشّخصيّات والوضعيّات الخياليّة وتتطلّب كذلك بناء للوقائع ونظاما لها أي نفيا للفوضى والصّدف الّتي تميّز الحياة الواقعيّة أو واقعيّة الحياة. فكيف بوسع الرّوائي حينئذ أن يدّعي كونه فنّانا وواقعياّ؟

الأدب من حيث هو انعكاس للواقع:

ومع ذلك فقد شاعت التّسمية في القرن التّاسع عشر وكذلك في القرن العشرين . فكثرت النّقاط الدّالّة عليها. فقد عرّف ستندال الرّواية بوصفها مرآة نجول بها حذو طريق ممتدّة. وأعلن بلزاك،في مقدّمة الملهاة الإنسانيّة،"مخطّطا يجمع في آن واحد التّاريخ ونقد المجتمع، وتحليل أمراضه ومناقشة مبادئه". وتساءل آل غنكور،في مقدّمة جرميني لسرتو، عمّا "إذا كان ما نسمّيه الطّبقات الشّعبيّة لايحقّ لها أن تكون موضوع رواية، وعمّا إذا كان الشّعب، هذا العالم القابع في قاع العالم، يجب أن يظلّ مستثنى من دائرة الأدب ":أفلم يكن ذلك تأكيدا بأنّ للواقع، وهو مظهرأساسيّ من مظاهر الواقع الاجتماعي، حقوقا على الرّواية باعتبار الرّواية الجنس الأدبيّ الّذي يستمدّ، بامتياز،مادّته من محاكاة الكائنات والأشياء؟ وكذلك فعل فلوبيرحين كتب إلى لويز كولي قائلا بأنّه يحلم ب"أدب يعرض الواقع ". وأخيرا فقد قدّم زولا، مرارا،مفهومه للأثر الفنّي بأنّه"ركن من الطّبيعة ينقله مزاج معيّن".
ولمّا سبق أن ذكرنا عبارة"محاكاة" فلنُذكّر بأنّ الأمر يتعلّق بأحد المفاهيم الّذي سيطر، بدءا بأرسطو وانتهاء ببارت مرورا بباتو، ولسينغ وكاتر ماردي كوانسي، أكثر من غيره على التّفكير الغربي المتّصل بالأدب، وبأنّ واحدا من أهمّ كتب التّاريخ والنّقد الأدبي الّتي نُشرت في القرن العشرين يحمل هذا العنوان نفسه ونعني بذلك محاكاة أريك أورباخ الّذي بيّن في هذا الأثرأنّ الأدب الغربيّ، بغضّ النّظر عن حدوده وقوميّاتهه، انبنى على أساس التّعميق المستمرّ لواقعيّة قوامها معالجة حياة الشّعب معالجة جادّة ونقلها دراميّا.
أمّا سارتر فيرى أنّ"الكاتب اختار أن يكشف العالم وبالخصوص الإنسان أمام النّاس حتّى يتحمّلوا مسؤوليّتهم كاملة أمام الموضوع الّذي تمّ كشفه" ( ما الأدب ؟). ونجد الخطاب نفسه في التّقليد الماركسي، فمن جورج لوكاتش الّذي يعتبر أنّ الرّوائي الكبير هو الّذي يبرز بشكل ملموس القوى الكبرى الّتي تحكم التّطوّر الاجتماعي (بلزاك والواقعيّة الفرنسيّة)، إلى لوسيان قولدمان الّذي يؤكّد، مستعينا بمثال مفارق، أنّ راسين " كان يحتاج، ليصوغ كلّ مسرحيّة من مسرحيّاته، إلى الاطّلاع المسبق على تجربة واقعيّة مناسبة لنصّه المسرحي في صلب الجماعات الاجتماعيّة الّتي ارتبط بها نشاطه من حيث هو كاتب ارتباطا وثيقا" (راسين لارش 1956). وحتّى الرّواية الجديدة الّتي نأت بنفسها عن الجماليّة الواقعيّة فبإمكاننا أن نتحدّث، بشأن روب قرياي وميشال بيتور أو كلود سيمون، عن " مدرسة للنّظر"( ر.بارت). وقد نقدت نتالي ساروت، في عصر الشّكّ (1947)، "الرّواية القديمة". لكنّ هدف الرّوائي المعاصر ليس إذن صرف نظره عن الأشياء الواقعيّة بل خلافا لذلك إعداد أشكال تكشف مواطن الثّراء فيها كشفا تامّا لأنّ شخصيّات هذه الرّواية لم تعد قادرة على استيعاب الواقع النّفسيّ الرّاهن . وفي الواقع، فإنّ الأدب الفرنسيّ الصادر في القرن العشرين بدءا ببروست وانتهاء بلوكليز، مرورا بمالرو، وسيلين، وجيونو وجنات وبيتور لم ينبن على مؤاخذة الواقعيّة بقدر ما انبنى على نشرها وتعميقها وإبراز تحوّلاتها. وقد عرفت جلّ الآداب الغربيّة الظّاهرة نفسها منذ منتصف القرن التّاسع عشر:فقد تجلّت هذه الظّاهرة في روسيا، منذ سنة 1850، مع منظّري الواقعيّة الرّوسيّة (بلينسكي وهرزان) ومع روائيين من أمثال قوقول وتورقونياف وتولستوي ودستوفسكي، كما ظهرت في إيطاليا حيث استلهم المذهب الحقيقي لفرقا أسسه من زولا، وانتشرت في الولايات المتّحدة الأمريكيّة، في المنتصف الأوّل لقرننا هذا، مع الجداريّات النّقديّة الكبرى لستينباك أودوس سنتوس. وحيثما أسّست البورجوازيّة الصّناعيّة امبراطوريّة استحالت الرّواية غرفة تُسجّل فيها نجاحاتها وألاعيبها الخسيسة، ومخبرا يلاحظ فيه المرء النّماذج البشريّة والحالات المرضيّة الخاصّة أو الاجتماعيّة الّتي تفرزها هذه البورجوازيّة.
تتميّز الواقعيّة "الكلاسيكيّة" بالخصوص بإيلائها الحياة النّفسيّة عناية مبدئيّة( واقعيّة الأحاسيس والأهواء والطّباع، واستواء الحياة النّفسيّة وانحرافها)، وهياكل المجتمع ونشاطها(الواقع الاقتصادي والاجتماعي والمؤسّساتي)، وباحتشام ولكن بجرأة مطّردة من قرن إلى آخر، الجسد وغرائزه الجنسيّة. وقد تمّ الاهتمام بمناهج العمل الّتي تحوّل مولد الأثر إلى استكشاف وبحث عن التوثيق والمعرفة. ويتصرّف الرّوائيّ الواقعيّ أو الطّبيعيّ كما لو كان باحثا في طبائع الشّعوب [المقصود بباحث في طبائع الشّعوب أتنوغرافي- المعرّب]، أو يوظّف كفاءاته الطبّيّة (سيلين)، وتجربته مع الطّبيعة، ومع الأوساط البشريّة، والمغامرات السّياسيّة (زولا، بروست، جيونو ومالرو). ونجد غالبا منذ الإرهاصات الأولى للأثر الواقعي أعمالا حقيقية مؤسّسة مثل "كنانيش" وليدة نظرة عابرة يلقيها الكاتب على الواقع(فلوبير وزولا) وتكشف مدى تعايش تمشّي الباحث والإبداع السّردي في تلك الأعمال.
وقد بيّن فيليب هامون أنّ التّصوّر الواقعي يتّخذ من الشّخصيّة نقطة ضروريّة يعرض الرّوائيّ عبرها معرفة مّا. ومن ثمّ تؤدّي الشّخصيّة ثلاث مجموعات من الوظائف: فهي أوّلا"بطل"يخوض مغامرة وعون ينفّذ عملا أو سلسلة من الأعمال كما تمنحها إيّاه الحياة الواقعيّة، وهي تضطلع بدور الوسيط [الّذي ينقل إلى القارئ] عبر النّصّ رؤية الرّوائي للعالم، وأخيرا هي الّتي تحقّق التّرابط الضّروري بين سرد الأحداث والأفعال ووصف الكائنات والأشياء. وبما أنّ قدر الشّخصيّة (التّربية،الطّموحات، الرّغبات، المغامرات العاطفيّة، المهنة، النّجاح والخيبة) يجب أن يكون نموذجيّا فإنّ الكاتب يفضّل أن يختارهذه الشّخصيّة من وسط مغمور: فجليان سورال ابن حرفي صغير ساعاتي وإمّا بوفاري ابنة فلاّح نورمندي وزوجة مسؤول صحّي...
ويترتّب على ما سبق ذكره أنّ بنية القصّة الواقعيّة تنزع إلى الارتكاز على نموذج السّيرة إذ هيّ قصّة حياة ( موبسان:حياة 1883، زولا:حياة جرفاز مككارت البسيطة، العنوان الأصلي لكتاب لسوموار 1877) تُقدّم في شكل رواية مطوّلة أو في شكل فصل من حياة عندما يتعلّق الأمر بالأقصوصة . إنّ الفصول المميّزة الّتي تبرز في كلّ" مسار سرديّ"
( تواتر الاختبارات التّعليميّة والاختبارات الأساسيّة واختبارات التّمجيد) تتّبع بداهة مسار الحياة العاديّة وكذلك مسار الحياة الاستثنائيّة.
إنّ الاندراج في الزّمن هو فعلا شرط أساسيّ يجعل القارئ يسلّم بأنّ الشّخصيّة ومصيرها قد يكونان أصيلين لأنّ الزّمن وحده هو الّذي يخلق رابطة سببيّة أو غائيّة تشدّ الوضعيّات إلى بعضها بعضا بصورة منسجمة، وتمنح كلّ وضعيّة أفق انتظار يرضي القارئ.. ومن هذا المنظور فإنّ الواقعيّة مطبّقة على القصّ تفضّل الزّمنيّة التاريخيّة الّتي، بتعبير ميخائيل باختين، " تضم ّالدّسيسة الشّخصيّة إلى الدّسيسة السّياسيّة والماليّة، وسرّ الدّولة إلى سّر المخدع والسّلسلة التّاريخيّة إلى سلسلة العادات والسّير". وفي الحقيقة فالزّمن،بالنّسبة إلى باختين،لا ينفصل عن الفضاء. وهو ما يشير إليه مفهوم"الكرونوتوب" الّذي أرسى باختين على أساسه نظريّته في الرّواية. فالأماكن وخصائص فضاءاتها والفضاء الممتدّ والأبعاد، والمسافات والآفاق...إلخ تضطلع، في آن، بدور أساسي في اختزال العقدة، وفي تحديد الشّخصيّات، وفي التّعلّميّة النّابعة من الانحياز إلى الواقعيّة، وفي الأسلوبيّة الوصفيّة، وبإيجاز في كلّ ما يخلق "أثر الواقع"(وأفضل مثال لاختزال العقدة هو"بول دي سويف"[1888] لموبسان المقام على نقاط الائتلاف والاختلاف بين الحلّ والتّرحال).
إنّ كلّ هذه السّمات المتّصلة بالفاعل والشّخصيّات والتّركيب والزّمن والفضاء، وبطبيعة الحال، بالكتابة تمثّل جميعها ضربا من أسس الواقعيّة. وهذا الأساس يوجّه خيال الرّاوي المتمسّك حسب رغبة بلزاك بمنافسة الحالة المدنيّة أي بإكساب القصّة الخياليّة ما به تبدو واقعا. فالأساس لا يلازم الحياد تجاه الإيديولوجيّات والفلسفات. إنّه يوجّه الفنّان إلى الاحتجاج وممارسة الحرية:حرّية حبّ الاطّلاع، والاختبار، والحكم والتّعبير وحتّى الكفر إن لم تتطابق نتائج اختبار الأشياء مع نصّ العقائد وروحها. ولهذا السّبب، فإنّ الآداب الواقعيّة، تاريخيّا، كثيرا ما تصطدم بالرّقابة والقمع ( إدانة زولا، نفي توماس مان من ألمانيا النّازيّة...) بما في ذلك تلك الآداب الّتي كانت تنتسب إلى مذهب الواقعيّة كما حدث في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية أيّام " الواقعيّة الاشتراكيّة".
إلاّ أنّ الأساس الواقعي ّينطوي على إمكانات انحرافه بل على نفي ذاته. ومن ثمّ يجدر بنا أن نعي وعيا دقيقا الواقع الجمالي للواقعيّة وما يثيره موضوع الواقعيّة من أسئلة.

الــــــــــــــــوهم الواقـــــــــــــــــــعي :

إنّ المفارقة الّتي وسمت تاريخ الرّواية تكمن في أنّ أكثر المتحمّسين للدّفاع عن الجماليّة الواقعيّة أو الجماليّة الطّبيعيّة هم كذلك أكثر الفنّانين استشرافا للمستقبل أو التزاما بالشّكلانيّة. وقي دي موبسان، وهو واحد من هؤلاء الفنّانين، لم ينخدع بذلك. فقد بيّن في النّصّ الّذي يقوم مقام مقدّمة لقصّة بيار وجون( 1888 ) أنّ ما يعدّه القارئ انعكاسا للواقع يجب أن يعتبر" وهما واقعيّا": فالإيهام بالواقع يتمثّل في الإيهام التّام بالحقيقة كما يقتضيها التّسلسل المنطقي للوقائع وليس في نقلها بكلّ أمانة حسب تعاقبها في الواقع. وأستنتج ممّا سبق أنّ الأحرى أن نطلق على أولئك الواقعيين المتميّزين اسم [صنّاع] الوهم . إنّ الخياليّ والأصيل يساهمان إذن ومعا في خلق "أثر الواقع"( ر.بارت). و بقدر ما يستحضرأثر الواقع عددا من الصّور المرسومة بعناية كبيرة يكون شديد التّركيز. فمنطق القصّة الخياليّة يعدّل منطق المحاكاة ويخدمه ويحدّ من غلوائه.
وفي هذا الصّدد فإنّ الرّواية الواقعيّة لا تكاد تختلف عن أنواع الرّواية الأخرى. فهي تنهل من معين النّصوص المشكّلة لمختلف الصّور. وإن كان بوسعنا أن نتحدّث، بشأن جرمينال( 1885)، عن الواقعيّة الاجتماعيّة والتّاريخيّة- وهي شاهد على وضع البروليتاريا وعلى انتشار الإيديولوجية الاشتراكيّة- فإنّنا لن نُهمل، رغم ذلك، أبعاد هذا الأثر المفرطة في النّمذجة، ولا التجاءه إلى بنى أصول القصّة . فعلى سبيل المثال تقيم الشّخصيّات الرّئيسيّة، فيما بينها، نظاما من العلاقات (بطلة- امرأة معشوقة،بطل- مساعد،بطل- معارض...) حيث نتعرّف إلى ترسيمات جرّبت من ثقافة إلى أخرى، ومن أسطورة أو من حكاية .
وفي اتّجاه آخر فإنّ العلاقات العاطفيّة المتعاقبة الّتي أقامها جليان سورال أو إمّا بوفاري، وتوزّع فريدريك مورو بين ثلاث نساء، إن وجدت شبيها لها في سيرة ذاتيّة ونفسيّة واجتماعيّة فإنّها تمنح الأثر عددا كبيرا من التّوازي والتّوازن، وعددا كبيرا ومعقّدا من الأشكال والإيقاعات يدعّم القراءة ويبعث فيها الحماسة.
لا مندوحة من تنسيب مسألة الواقعيّة بواسطة مسألة التّركيب. ومع ذلك فإنّ زولا لم يكن يخشى أن يناقض مؤلّفه الطّبيعي أو يعدّله ملتجئا إلى اعتباطيّة التّناسق العددي: فقد قسّم مؤلّفه "لسوموار"( 1876) إلى ثلاثة عشر فصلا جاعلا من الفصل السّابع المتعلّق بعيد ميلاد جرفاز فصلا محوريّا، ومؤلّفه صفحة حبّ ( 1877 -1878 ) إلى خمسة فصول مضاعفة خمس مرّات.
ويوجد توتّر آخر بين الواقع والأشكال يعود إلى وضع البطل. فمن باب المفارقات ألاّ تحيط أهمّ الآثار الواقعيّة شخصيّاتها بالكتمان رغم أصولها الاجتماعيّة، بل خلافا لذلك تركّزعلى حضور بطل استثنائي( جليان سورال، فوتران) أو على الأقلّ متفرّد بمصيره. فطفولة البطل وصفاته الموروثة وطبعه وهامشيّته ولقاءاته الأ شبه بالمعجزات (التّربية العاطفيّة:" لقد كانت بمثابة الظّهور...") وتجاربه والفرصة الّتي مُنحت له ليعبر جميع العوالم الاجتماعيّة، وكثافة الأهواء الّتي يوحي بها هي كلّها علامات ترسّخه في الذّاكرة.
وكذلك فإن كان حصر الحدث الرّوائي في خدمة الوهم الواقعي شأنه شأن الشّخصيّة فإنّه، على عكس ذلك، يُعدّ وسيلة تجرّد الأثر من واقعيّته وذلك بسحب فضاء التّمثيل نحو الأشكال الصّرفة والمجرّدة والمنغلقة (مثل دائريّة برادوني في خطيئة القسّ موراي).
لقد أضحى الفضاء الرّوائي فضاء للّعب، أو للمراهنة بفضله يمكن أن نحلّل الحكاية المرويّة باعتبارها سلسلة من الأعمال والمناورات. ومن ثمّ تكمن، في أفضل آثار جنس الرّواية، أهميّة نقاط الالتقاء أو العبور وأماكن الملاحظة والإعداد أو التّلاعب، وباختصار تكمن أهميّة كلّ النّقاط الحسّاسة لهندسة تفرض قوانينها الخاصّة على رسم الفضاءات الواقعيّة.
وقد تُشحن هذه الفضاءات بقيم رمزيّة أو استيهاميّة وذلك هو النّزوع الطّبيعي نفسه الّذي يتّخذه المشهد الواقعي نحو وظيفة استعاريّة انطلاقا من انزياح طبعه القائم بالضّرورة على الكناية [والّذي يجلو المشهد الواقعي في تزامن مع الشّخصيّات والأعمال]. وما إن يتمّ وصف الواقعي حتّى يعسر عليه الهروب من إسار الرّمز. وتنطبق هذه الحقيقة على المشهد النّورمندي لمدام بوفاري ونزل فوكارفي الأب قوريو أو ناطحات السّحاب بنيويورك في رحلة آخرالّليل. وتتّخذ باريس في "لاكيراي"، بالتّناوب أو بالتّزامن، شكل [حضيرة] أشغال أو بؤرة أو ماخور أو مايشبه الجحيم. وفي سياق آخر فلنفكّر،لدى بروست، في شرفة لكواريوم بالأوبيرا حيث تتبختر أميرة قرمنتاس وقد استحالت جنية. إنّ تحويل المادّة الواقعيّة إلى إيحاء رمزيّ يتمّ بالتّناسب مع كثافة التّمثيل وحرص بروست على الوصول إلى أعمق الحقائق .وهل هناك ما هو أكثر واقعيّة وفي آن أكثر تخييلا من تسكّع برْدَمي؟ وهل هناك ما هو أكثرحقيقة و إنشائيّة في آن من رسم الشّخصيّات والمشاهد الطّبيعيّة في " التّربية العاطفيّة"؟
علينا إذن أن نعالج مسألة الواقعيّة بوضوح، ووعي تام بالتباسات العبارة ومفارقاتها وجدليّتها الدّاخليّة. فالأثر الواقعي، إن كان جديرا بهذا الاسم، تهدّده كما تغنيه على الدّوام إكراهات الاستيهامات والرّموز والأساطير والأطروحات، وبكلّ بساطة إكراهات الأشكال. ويستمدّ الأثر جانبا أساسيّا من عمقه وجماله من انحرافاته. وفي هذا الاتّجاه فإنّ الصّيغ تتكاثر من قبيل الواقعيّة المضحكة، والواقعيّة العجائبيّة، وواقعيّة الأطروحة، والواقعيّة السّاخرة، والواقعيّة المناضلة، والواقعيّة الشّكلانيّة، والواقعيّة المشطّة...وفي تاريخ القصّ فقد ظلّت الواقعيّة دائما تعني إنشائيّة الأجناس، إلاّ أنّها، في كل ّعصر، نبعث في شكل جديد يثوّر في آن واحد نظرتنا إلى [ العالم] وفهمنا للواقع.

أُخذ هذا المقال من "معجم الأجناس والمفاهيم الأدبيّة"- ص ص576 /580، الناشر الموسوعة العالميّة – باريس 1997 .
Henri Mitterand, Le réalisme – in: Dictionnaire des genres et notions littéraires, Editions d Encyclopaedia Universalis, Paris, 1997, p p. 576-580.

حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر