الإدارة الذاتية والولادة في الصخر!

بير رستم
2022 / 6 / 13

أحد الأخوة المعلقين بخصوص “التنسيق مع النظام لحماية الحدود وبعض المناطق من تهديدات تركيا”، كتب معلقاً؛ “اخي الكريم ..منذ عشر سنوات الاف الشهداء في سبيل نعود لحضن النظام .ولماذا من بداية الثورة لم تضع الحزب نقاط على الحروف (مثل اتفاق مقابل انهاء داعش على صيغة تنفع الكرد) ومنذ عشر سنوات الحزب يعادي جميع المكونات في سوريا ليس له حليف واحد .فقط ندفن الشهداء وبالاخر نستعين بالنظام هل هذه الخطوة لصالح الشعب الكردي. وبالاخر ما مدى ثقة بالنظام كلنا نعرف النظام ظلم الكرد اكتر من تركيا وغيرها”!

إن التعليق السابق دفعني لكتابة ما يلي: أولاً الإدارة لم تعادي أحد، بل إن الآخرين هم من عادوها دائماً وللآن وللأسف، وفي ظل هذه المناخات والأجواء المعادية هي حاولت أن تجد لنفسها موطئ قدم وذلك من خلال الاستفادة من تناقضاتهم، فكانت وما زالت تبحث عن حليف -ولو غير دائم أو ثابت ومراوغ غير موثوق به- حيث ظروفها كانت تجبر القبول بهؤلاء الحلفاء المؤقتين، وخاصةً أنت تدخل اللعبة كلاعب جديد.. طبعاً لا أنفي بأنهم؛ أي الإدارة ولأسباب عدة، منها ضعف الخبرة والتجربة وكذلك نتيجة الانقسام والصراعات الكردية الداخلية والبيئة المعادية وصراعات الأطراف الإقليمية والدولية وعدم القدرة على مواكبة كل هذه التحولات السريعة والقدرة على القراءة والاستنتاجات الدقيقة، قد جعلتها ترتكب من الأخطاء التي ساهمت في بعض خسائرنا المادية والبشرية، ولكن ومن المؤكد بأن القائمين على الإدارة حاولوا -وما زالوا- لتحقيق بعض المكاسب السياسية التي تسجل لهم كطرف سياسي أولاً والتي بالأخير ستكون لنا كقضية وشعب يحاول الكثر من الأطراف المحلية والإقليمية ابقائنا خارج اللعبة؛ في الظل.

بعبارة مختصرة؛ أنت جديد في لعبة السياسة والأمم ولن يقبل بك أحد تدخل اللعبة كلاعب أساسي، بل الجميع سينافسك لتحطيمك أو على الأقل تسجيل النقاط على حسابك، يا رجل حتى أولئك الذين هم في مواقع أضعف منك يرفضون أن تصبح في اللعبة، كبعض الأخوة الآشوريين، فكيف سيكون منافسة “الشركاء الأقوياء”؟ وأخيراً يمكننا القول: بأن لولا تضحيات شعبنا أولاً، ومحاولة الاستفادة من بعض الحلفاء -وبالأخص الأمريكان الذين لم يجدوا غير قوات سوريا الديمقراطية كقوة منظمة لمحاربة القوى المتطرفة، وهي التي جعلتها تقدم بعض الدعم للإدارة الذاتية- لم قبل النظام السوري ومن خلفه حلفائه الروس والإيرانيين حتى الجلوس معها على طاولة المفاوضات حيث النظام ومع بداية الأحداث قام بتسليم مناطقنا -أو لنقل؛ بأنه خرج منها سلمياً لصالح حزب الاتحاد الديمقراطي- وذلك لأجل تحييد الكرد عن الصراع الداخلي والتفرغ لما سميت ب”المعارضة السورية”، مقتنعاً؛ بأن خلال أشهر معدودة سيقضي عليها ويعود لارجاع تلك المناطق من الكرد، وقد اقتنص الشباب الفرصة -وأقصد شباب ال PYD- وشكلوا أولى تشكيلاتهم العسكرية والتي سميت وحدات حماية الشعب لحماية المنطقة ومن ثم إدارة مناطقنا من خلال بعض المجالس والإدارات والتي تكللت بالأخير بمؤسسات الإدارة الذاتية بفروعها المتعددة لتصبح الطرف الثالث في المعادلة السورية إلى جانب كل من النظام والمعارضة السورية معبرة عن مشروعها الخاص والذي في جزء منه حل المسألة الكردية.

بل لو صارحنا أنفسنا وكنا موضوعيين وأخلاقيين في مقاربتنا للمسألة؛ لوجدنا بأنهم -أي الإدارة الذاتية كلاعب جديد إلى جانب كل من النظام والمعارضة- يمثلون الجانب القومي أكثر ممن يدعي إنه حامل المشروع القومي -ونقصد جماعتنا الأخرى، المجلس الوطني الكردي- حيث الأخير يعتبر ملحق بتركيا والمعارضة الإخوانية ومشروعهم السياسي وبالتالي أي حديث عن ذاك الطرف هو بخصوص معاداة النظام، أما عند الحديث عن الإدارة الذاتية كطرف ثالث فمباشرةً تكون القضية الكردية حاضرة.. ربما استفضت بالحديث ولكن بالتأكيد لها الكثير من الأسباب وأولها؛ محاولة التشويه والتشويش على ما تقوم بها قسد والإدارة الذاتية وذلك إما نتيجة المبالغة بالخوف مما قد نخسره مع أن تلك المكاسب هي بالأساس من منجزات الإدارة نفسها، أو نابعة من عدم القدرة على القراءة السليمة للواقع والمجريات، ناهيكم عن أن الكثيرين ولأحقاد حزبية وحماقات سياسية تراهم يتعاطون مع مقارباتهم في قضية تناولهم للإدارة الذاتية وخطواتها وبالتالي بقعون في الكثير من الهفوات والقراءات الغير دقيقة، ولكن لو كنا نملك حقاً حساً تحليلياً وطنياً، لوجدنا بأن هذه الأخيرة تعمل جاهدةً لولادة قيصرية للقضية الكردية والتي يمكن تشبيهها بخروج وتشكيل مارد من كتلة صخرية صماء وليس فقط الولادة والخروج من مستنقع آسن أو رمال متحركة.

والآن وكما يقال؛ “عودٌ على بدء” ولنقف عند قوله: بأن “منذ عشر سنوات الاف الشهداء في سبيل نعود لحضن النظام”! فإننا نوضح ونقول: بأن شعبنا ليس منذ عشر سنوات، بل منذ أحقاب يدفع بالتضحيات، لكن تضحياته الأخيرة باتت تكلل بنجاحات سياسية، أما قضية “العودة لحضن النظام” فهي غير دقيقة حيث النظام نفسه لم يعد ذاك النظام ولن يعود ذاته أبداً ولأسباب عديدة تطول الشرح هنا، ثم أن النظام سيعود لحماية الحدود وليس لاستلام المنطقة أمنياً، سياسياً، بل حماية الحدود عسكرياً! وللعلم فإن التوافقات أو الاتفاق النهائي للحل السوري سيجعل الأمور كذلك أيضاً حيث لا انفصال ولا تقسيم ولا استقلال للوضع الكردي في سوريا بحسب برامج كل الأطراف الكردية، بل في أحسن الأحوال دولة فيدرالية اتحادية لا مركزية تضمن حقوق كل مكوناتها وبالتالي سيبقى الجيش السوري مكلفاً بحماية الحدود! أما القول؛ “ولماذا من بداية الثورة لم تضع الحزب نقاط على الحروف (مثل اتفاق مقابل انهاء داعش على صيغة تنفع الكرد)”، فهل كان ذاك الخيار متاحاً بالأساس حيث الإدارة وقوات حماية الشعب، وقبل تشكيل قوات سوريا الديمقراطية، كانت وحيدة في مواجهة “داعش” الذي أندحر أمامه كل من الجيشين السوري والعراقي وباتوا يسيطرون على أغلب الأراضي السورية والعراقية ودخلوا كوباني، فهل كان خيار المفاوضات وفرض الشروط على الآخرين متاحاً للإدارة الذاتية أساساً لكي يفاوض ويساوم على الشروط وكانت تركيا تنتظر، قبل النظام السوري، للانقضاض على المنطقة وحيث كانت الإدارة حينها في مهب الريح تقريباً؛ يعني لم يكن هناك رفاهية التفاوض أساساً ولذلك قبلت بأي دعم عسكري جوي وجاء ذلك من أمريكا وإقليم كردستان.

وبالأخير بخصوص أن “منذ عشر سنوات الحزب يعادي جميع المكونات في سوريا ليس له حليف واحد” وأن “فقط ندفن الشهداء وبالاخر نستعين بالنظام” وسؤالك؛ “هل هذه الخطوة لصالح الشعب الكردي. وبالاخر ما مدى ثقة بالنظام كلنا نعرف النظام ظلم الكرد اكتر من تركيا وغيرها”! فهو كلام غير دقيق ولا نريد أن نقول: بأنه عارٍ عن الصحة حيث الآخرين هم من كانوا -وما زالوا- يعادون الإدارة الذاتية وهي فعلاً حاولت وتحاول أن تبحث عن حلفاء ولكن تركيا تفعل المستحيل لمنع ذلك إن كانت مع المعارضة أو حتى مع الأمريكان والروس وكلنا نعلم مدى قوة تركيا وما تملها من إمكانيات لمنع ذلك حيث مصالح الآخرين معها أهم من مصالحهم معنا ككرد ولذلك هم سيقبلون بالتحالف معها على حساب الأضعف؛ ألا وهي القضية الكردية. وربما تتساءل أو يتساءل أحدهم؛ ولم لا نتفق مع الأتراك؟ والجواب بسيط للغاية، وقالتها تركيا على لسان عدد من مسؤوليها؛ بأنهم “سيعادون خيمة كردية ولو في أفريقيا”، وكررها أردوغان بطريقته عندما قال: “إنهم لن يقعوا في الخطأ نفسه ويسمحوا بإعادة التجربة في نشوء إقليم آخر على غرار شمال العراق”.. وأخيراً وبخصوص “العودة والوثوق بالنظام السوري” فهي ليست عودة ل”حضن النظام” كما يدعي البعض، بل محاولة الاتفاق معه لحماية الحدود، كما سبق وقلنا وهي بالأساس مهمته وواجبه وذلك لدرء كارثة أكبر.. وللعلم فإن النظام السوري لم ي”ظلم الكرد اكثر من تركيا وغيرها”، بل تركيا هي من ظلمت شعبنا أكثر من النظام السوري وغيره، وهذه ليست شهادة حسن سلوك نقدمه للنظام، فهو الآخر غاصب لحقوق شعبنا، بل هي شهادة للتاريخ؛ بأن النظام التركي أسوء نظام أضر ويضر يالقضية الكردية.

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار