الولايات المتحدة | تحشيد في الشوارع لدحر الاعتداءات على حقوق الإجهاض!

تامر خرمه
2022 / 6 / 13

وفقا لمسودة أولية مسربة حول رأي الأغلبية، كتبها القاضي صموئيل أليتو، فإن المحكمة العليا تستعد لإلغاء القرار التاريخي المتعلق بالقضية المعروفة باسم “رو ضد وايد”، والذي يضمن الحق في الإجهاض. ومن المرجح أن يفضي الحكم إلى حظر الإجهاض، أو زيادة القيود المفروضة عليه في 28 ولاية، ما يعني أن إمكانية الإجهاض قانونيا للنساء في سن الإنجاب قد تضمحل بين عشية وضحاها. كما سيؤثر هذا الحظر، بشكل غير عادل، على النساء من ذوات البشرة السوداء، المضطهدات طبقيا وعرقيا، واللواتي هنّ بالفعل الأكثر عرضة للإجهاض بأربع إلى خمس مرات من غيرهن، ومن المرجح أن لا يحصلن أيضا على وسائل منع الحمل.
بقلم دولوريس أندروود
نشر في الأصل من قبل “صوت العمال”
بات لا بد من الخروج إلى الشوارع لمعارضة رأي المحكمة العليا، والمطالبة بقانون فيدرالي يضمن حق الإجهاض بشكل كامل ومجاني وآمن للجميع، إلى جانب الحماية، والمساواة في الحقوق لمجتمع مخلتفي الميول الجنسية. لا يمكننا الانتظار حتى تشرين الثاني. إننا بحاجة إلى الحقوق الإنجابية الآن! على المنظمات العمالية، والشباب، والمجموعات المجتمعية الانخراط في هذا النضال لبناء حراك جماهيري مستقل في الشوارع. هذه هي الطريقة التي تم عبرها الفوز بقانون الحقوق المدنية، وهذا ما نحتاجه اليوم.
السخط المتعلق بالحق في الإجهاض يتم استخدامه من قبل الديمقراطيين، بشكل يدعو للسخرية، لدفع الناخبين إلى صناديق الاقتراع، إثر تراجع شعبية إدارة بايدن في مواجهة التضخم، وإلغاء الوعود المتعلقة بأزمة المناخ، واستمرار دعم الشركات الكبرى. ليست مفاجأة أن الحزب الذي لم يسبق له أن اتخذ أبدا الخطوات اللازمة لتقنين الإجهاض، بات يحاول اتخاذها في الوقت الذي يفتقر فيه إلى أصوات الناخبين كما هو واضح. بعد فشله في تمرير قانون الحماية الصحية للنساء، الذي يقترح تقنين الإجهاض، يتظاهر بأنه نصير حقوق المرأة. هذا الحزب الذي طالما فشل في تمرير التشريعات المؤيدة لحق الاختيار لن يكون بطلها الآن. لا يمكننا الوثوق به أو الاعتماد عليه.
في الوقت الذي يستغل فيه الديموقراطيون هذه اللحظة، بشكل يائس، لحصر الناخبين في صناديق الاقتراع، نحتاج إلى الوقوف بحزم كحركة جماهيرية مستقلة، منفصلة عن الحزبين البرجوازيين، وإلى توحيد النضال من أجل الحقوق الإنجابية، والنضال من أجل حقوق مجتمع المغايرين جنسياً. لقد آن الأوان لأن نحذو حذو بعض النماذج الحديثة للحركات النسوية التي نجحت في تقنين التشريعات المتعلقة بالإجهاض المجاني عند الطلب، والرعاية الإنجابية. في أمريكا اللاتينية، في البلدان ذات الغالبية الكاثوليكية الساحقة، حشدت نساء الطبقة العاملة الملايين، واعتمدن على العمل الجماهيري للنضال من أجل هذا الحق.
هجمة على ما هو أكثر من مجرد الحق في الإجهاض
من الواضح أن المحكمة ذات الأغلبية المحافظة تسعى إلى تعزيز إعادة الإنتاج الاجتماعي للنظام الرأسمالي، والتفاعلية غير المتكافئة، وتهيئة المشهد لمزيد من الهجمات على حقوق ذوي التوجهات الجنسانية المختلفة، وغير محددي الهوية الجنسانية، والعابرين جنسيا. بعد المسودة المسربة، يعمد المشرعون اليمينيون في كثير من الولايات إلى سن تشريعات من شأنها أن تحد بشدة من الحرية الإنجابية للمرأة، فبعد مشاريع القوانين التي تم تقديمها في تكساس وأوكلاهوما لتجريم الإجهاض، دعا أعضاء مجلس الشيوخ إلى حظر الواقي الذكري، وجعل تحديد النسل قانونيا فقط للمتزوجين. ووفقاً لمشروع قانون حديث تمت صياغته في لويزيانا، فإن المرأة التي تسعى إلى الإجهاض في عالم ما بعد “رو” سيتم اتهامها بالقتل (بعد الاحتجاج، تم حذف هذا البند من مشروع القانون). كما أن الإخصاب خارج الرحم، واستخدام مانع الحمل داخل الرحم، ووسائل منع الحمل الطارئة قد تصبح أمورا غير قانونية.
الطريقة التي يتم مناقشة مسودة رأي المحكمة وفقها هي هجمة صريحة على أولئك الذين لديهم القدرة الإنجابية، والنساء، ومجتمع المختلفين في توجهاتهم الجنسية. أليتو صرح بقوله إن “الدستور لا يشير إلى حق الإجهاض، ولا توجد حماية ضمنية لمثل هذا الحق بموجب أي حكم دستوري”. هذه الصيغة القانونية تضع أحكاما هامة أخرى على أرضية أكثر اهتزازا، وهي أحكام لم يتم ذكرها صراحة في الدستور، مثل زواج المثليين، وحق الحصول على وسائل تحديد النسل. إننا بحاجة إلى ربط النضال من أجل الإجهاض باضطهاد مجتمع الميم، حيث تعمل عدة ولايات حاليا على توسيع التشريعات التي تستهدف الأشخاص غير ثنائيي الجنس بالتمييز، وتحظر على الأطباء إجراء عمليات جراحة التحول الجنسي، ناهيك بأوامر تكميم الأفواه التعليمية.
أين فشل “رو”؟
في حين أن مسودة الرأي تُسرّع تدهور الحقوق الإنجابية بشكل صادم، فإن الواقع هو أن خدمات الإجهاض والصحة الإنجابية قد تم تدميرها في كافة أنحاء هذا البلد منذ عقود. نحو 90٪ من المقاطعات في البلاد ليس لديها عيادات للإجهاض. نتيجة لذلك، تعيش النساء ذوات البشرة السوداء، والمهاجرات، ونساء الطبقة العاملة، منذ سنوات، دون الحصول على الرعاية الصحية الإنجابية.
كما جادلنا في موقع آخر، في الوقت الذي كانت قضية “رو ضد وايد” تعد خطوة كبيرة إلى الأمام، إلا أنها أخفقت في تأمين الحق الدائم للإجهاض عبر إدراجه في التشريعات الفيدرالية. عام 1976، أي بعد أربع سنوات فقط من وفاة رو، قدم النائب الأمريكي هنري هايد “تعديل هايد”، الذي يحظر استخدام التمويل الفيدرالي لعمليات الإجهاض. وقد دأب الكونجرس على تجديد تعديل هايد، كل عام، منذ تقديمه. وفي عام 1992، أدى حكم آخر للمحكمة العليا، في قضية “الأبوة المخططة ضد كيسي”، إلى مزيد من تآكل مكتسبات “رو” من خلال المجادلة بأنه يمكن للولايات فرض قيود على الإجهاض إذا لم يخلق ذلك “عبئا لا داعي له”. معيار “العبء غير المبرر” يعني أنه يمكن للولايات فرض قوانين مصممة لحمل الحوامل على القبول بـ: التأخير الإلزامي لمدة 24 ساعة، والمشورة المتحيزة، وتفويضات الإخطار الزوجي.. من هذه القوانين، على سبيل المثال، قوانين (القيود المستهدفة لمقدمي خدمات الإجهاض)، والمتزايدة بعد “كيسي”، والتي تحدد الأطباء الذين يقدمون رعاية الإجهاض، وتفرض متطلبات قانونية مرهقة.
كيفية بناء حركة مستقلة وتحقيق الانتصار
القرار المسرب أدى، بالطبع، إلى تحشيد في كافة أنحاء الولايات المتحدة، حيث يطالب النشطاء بأن يكون الحق في الإجهاض مدرجا في القانون الفيدرالي. في الوقت الذي سيساعد فيه التطوع، والتثقيف المجتمعي، والتبرع، من هم بحاجة إلى هذا اليوم، فإن الوضع الحالي يتطلب تعبئة واسعة النطاق. لا يمكننا القبول بهذا القرار غير الديمقراطي الذي اتخذته مؤسسة رجعية كالمحكمة العليا. وكما قال يوجين ف. ديبس: “ليست المحكمة العليا هي الملاذ الأخير، بل الشعب”.
الوضع في الولايات المتحدة مريع ،لكن في السنوات الأخير، شهد العالم انتصارات عظيمة فيما يتعلق بحق الإجهاض. عمليات التعبئة الناجحة في الأرجنتين وتشيلي وبورتوريكو وكولومبيا يمكنها أن تبيّن لنا، في الولايات المتحدة، كيفية الانتصار. في الأرجنتين، مثلا، استغرق الكفاح من أجل حق الإجهاض القانوني سنوات، ومئات من الإجراءات، والتعبئة المتصاعدة والمتنامية باستمرار. ورغم المحاولات المستمرة لاستمالته من قبل الحكومات التقدمية، بقي النضال على المستوى الشعبي، حيث دار في المدارس، والمدن، والنقابات. كما أن تنسيق الحراك واتخاذ قرارات بشأن خطواته المقبلة، مسألة تم التوصل إليها بشكل ديمقراطي ومستقل. إضافة إلى ذلك، فقد تم ربط النضال ضد الإمبريالية بالكفاح من أجل الرعاية الصحية الإنجابية للجميع، حيث أدرجوا في برنامجهم الكفاح ضد خفض الإنفاق الإجتماعي، الذي تم تبريره بالحاجة إلى تسديد صندوق النقد الدولي. رغم هذا التوجه، فإن الضغط لتعليق الآمال على الحكومات “التقدمية” شديد للغاية. علينا أن نكافح باستمرار ضد محاولة استقطاب حراكنا.
في شهر شباط لهذا العام، حقق الكولومبيون مكسب إلغاء إدراج “جريمة الإجهاض” في قانون العقوبات. على مدى أكثر من عامين، نزلوا إلى الشوارع، بهمة الشباب الكولومبي والنشطاء، للنضال من أجل هذه القضية. الانتصار، الذي ينبغي الاحتفاء به، يعتبر نصرا غير مكتمل، حيث سيبقى الإجهاض جريمة لمدة 24 أسبوعا. إنهم يدركون أن معركتهم مستمرة، وتحديدا بسبب خصخصة النظام الصحي، وشح تمويله.
القمع الجنسي والاستغلال
القمع الجنسي ألقى عبء ظلاله على العمالة المنزلية والعاملين بالأجر، وبشكل ساحق على الفئة التي لديها قدرة إنجابية. في مجتمع اليوم الرأسمالي، تقع كلفة إعادة إنتاج العمالة، إلى حد كبير، على المجال المنزلي، وتحديدا على أكتاف نساء الطبقة العاملة: الرعاية الصحية، والتأمين، والغذاء، وبشكل متزايد التعليم، الذي لا يتحمل كلفته النظام الذي يريد عمالا بأجر، بل العمال أنفسهم. وكما أوضحنا: “النظام الرأسمالي يريد أن يكسب في كلا الاتجاهين: فهو يريد النساء أن ينجبن الأطفال لإعادة إنتاج قوة العمل (لذا يضبط الحقوق الإنجابية بشدة)، لكنه لا يريد أن يدفع كلفة إعادة الإنتاج الاجتماعي لقوة العمل”. وفي كل أزمة رأسمالية جديدة، تتحمل النساء أعباء جديدة فيما يتصل بالعمل المأجور، وأعمال الرعاية.
الحق في الإجهاض والصحة الإنجابية من المطالب الديمقراطية الدنيا التي يجب أن نكافح من أجلها – ويمكننا الفوز بها. كما أنها مرتبطة بالنضال من أجل رعاية صحية مجانية وشاملة في الولايات المتحدة. هذا الحق يجب أن يصبح واقعا متحققاً للجميع، ويسهم في النضال ضد العنصرية والتمييز، حيث أننا نعلم أن النساء السود، والمهاجرات لديهن إمكانية أقل للوصول إلى الخدمات الصحية الأساسية.
ولكن، لا يجب أن نخدع أنفسنا بأنه سيتم القضاء على الاضطهاد في ظل الرأسمالية. الاضطهاد ليس طبيعياً أو بيولوجياً، ولكن يعاد إنتاجه أو ينشأ من علاقات الإنتاج. الاضطهاد الجنسي في ظل الرأسمالية هو نتيجة نظام إعادة الإنتاج الاجتماعي الذي يساند آلة جني الأرباح الحالية، والقائمة على العمل المأجور. كلا الشكلين من العمل الاستغلالي، المأجور وغير المأجور، ضروريان للتوسع المستمر لهذا النظام. فقط من خلال إسقاط الرأسمالية، وإعادة تنظيم العمل الإنتاجي والإنجابي في ظل حكومة عمالية، سيكون من الممكن حل مشكلة الاضطهاد بشكل نهائي.
لا ثقة بالديمقراطيين!
من أجل حركة نسوية مستقلة!
عمليات إجهاض قانونية وآمنة ومجانية للجميع الآن!
إنهاء تجريم المرأة!
مجانية وسائل منع الحمل وبرامج تنظيم الأسرة! إلغاء المحكمة العليا!
ترجمة تامر خرمة
مراجعة فيكتوريوس شمس

حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق